صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ} (39)

{ يمحو الله ما يشاء ويثبت } المحو : إذهاب أثر الكتابة والإثبات : التدوين في الكتاب . فيمحو الله ما يشاء ويثبت في صحف الملائكة ، إذ هي القابلة للمحو والإثبات ، أو في اللوح المحفوظ – على قول بوقوعهما فيه – وذلك حسبما تقتضيه المشيئة والحكمة الإلهية ، فينسخ ما يشاء نسخه من الأحكام ، لاقتضاء الحكمة ذلك . { و ثبت } أي يبقى ما يشاء منها غير منسوخ . أو يثبت منها ما يشاء بتبديل المنسوخ بغيره ، أو ببقاء الحكم غير منسوخ ، أو بإنشاء حكم ابتداء . { و عنده أم الكتاب } أم كل شيء : أصله ، وهو الذي لا يتغير ولا يتبدل ، ولا يقع فيه محو ولا إثبات .

والمراد به في القول المشهور : اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه جميع أحوال الخلق إلى يوم القيامة . والكتاب الذي يقع فيه المحو و الإثبات هو صحف الملائكة دونه . وفي قول آخر : العلم الأزلي الذي لا يكون شيء إلا على وفق ما فيه ، ومحال عليه التغيير والتبديل ، والكتاب الذي يقع فيه المحو والإثبات هو اللوح المحفوظ .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ} (39)

قوله : { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } اختلفوا في تأويل هذه الآية ؛ فقد قيل : يمحو الله ما يشاء من أمور العباد فيغيره ؛ إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت ، وقال ابن عباس : يمحو الله ما يشاء ويثبت ؛ إلا أشياء : الخلق والخلق والأجل والرزق ، والسعادة والشقاء .

وفي رواية عن ابن عباس : يبدل الله ما يشاء من القرآن فينسخه ، ويثبت ما يشاء فلا يبدله { وعنده أم الكتاب } أي جملة ذلك عنده في أم الكتاب وهو الناسخ والمنسوخ ما يبدل . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي : اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه ؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب ، فاجعله سعادة ومغفرة .

وقيل : إن الله ينسخ من الأقدار ما يشاء ويثبت منها ما يشاء .

ويعزز هذا القول ما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر ) وثبت في الصحيح أن : ( صلة الرحم تزيد في العمر ) .

قوله : { وعنده أم الكتاب } أي اللوح المحفوظ . وهو كل كائن مكتوب فيه ، فهو جملة الكتاب وأصله ؛ لأن الله يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أصل المثبت منه والممحو ؛ وجملة ذلك كله في كتاب عند الله{[2359]} .


[2359]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 520 والكشاف جـ 2 ص 363.