{ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ } أقبل اليهود لما نبذوا التوراة على كتب السحرة من أهل بابل ، التي كانت تخبرها الشياطين الكهنة في عهد سليمان ، وزعموا أنها علم سليمان ، وأنه كان ساحرا ولم يتم له الملك والسلطان على الإنس والجن والطير والريح إلا به ، فأكذبهم بهذه الآية . فالتلاوة بمعنى الإخبار والتحديث . ولتضمن الفعل معنى الكذب عدى بعلى .
{ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } الضمير للشياطين أو لليهود . وقد ذكر العلامة ابن خلدون في مقدمته : أن السحر والطلمسات علوم بكيفية استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على التأثير في عالم العناصر بغير آلة ولا معين . أو بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد وبعض الموجودات . فالنفوس الساحرة تؤثر بالهمة والتوجه في الأشياء فإن كان بغير معين وآلة فهو السحر ، وإن كان بمعين فهو الطلسم . وأن هذه العلوم كانت شائعة في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين ، وفي أهل مصر من القبط وغيرهم قبل بعثة موسى عليه السلام . وكان لها في زمن بعثته أسواق نافقة ، ولهذا كانت معجزته من جنس ما يدعون ويتنازعون فيه .
وهناك نوع ثالث من التاثير ، وهو تأثير النفوس في القوى المتخيلة بإلقاء أنواع من الخيالات والمحاكاة والصور فيها ، حتى ترى كأنها واقعية وليست إلا خيالا ، وهو المسمى بالشعوذة . وأن خلاف العلماء في أن السحر حقيقة أو تخييل خلاف لفظي . فالقائلون بأن له حقيقة نظروا إلى النوعين الأولين ، والقائلون بأنه تخييل نظروا إلى النوع الثالث . والشريعة لم تفرق بين السحر والطلمسات وحرمتها جميعا لما فيها من الضرر .
وأما النوع الثالث فقد قال ابن خلدون : إنه ملحق بهذه ين النوعين في التحريم ، لما فيه من الضرر والحق أن لا يحرم منه إلا ما فيه مضرة ، وأما ما ليس فيه مضرة فلا بحرم ، وإنما ينبغي تركه لأنه لا يعني الجادين ، و ( من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ) . وما جاء في الحديث من عد السحر من الكبائر وعده كفرا ، إذا كان الساحر يتجه في رياضته بالتعظيم والعبادة والخضوع والتذلل لغير الله تعالى ، فهو محمول على النوعين الأولين .
ثم ذكر الفرق بين المعجزة والسحر بأنه راجع إلى التحدي ، وهو دعوى وقوع المعجزة على وفق ما ادعاه ، وأن الساحر مصروف عن مثل هذا التحدي ، فلا يصح منه . ووقوع المعجزة على وفق دعوى الكاذب غير مقدور ، فراجعه . وفي الآية إشارة إلى أن السحر موجب للكفر .
{ وما أنزل على الملكين ببابل } أي ويعلمون ما أنزل على المالكين : هاروت وماروت ، ببابل ، أي ما ألهماه وعلماه من السحر . وعطفه على ما قبله لتنزيل تغاير المفهوم منزلة تغاير الذات ، وكان نزولهما لتعليم السحر ابتلاء من الله تعالى
وامتحانا للناس . فمن تعلمه وعمل به كفر ، من تعلمه وتوقي العمل به ثبت على الإيمان ، والله تعالى وامتحانا للناس ، كما امتحن قوم طالوت بالنهر ، وكانا يحذران الناس أشد التحذير من العمل به ، فلا بصفاته لأحد ولا يكشفان له وجوه الاحتيال فيه حتى يبذلا له النصيحة فيقولا له : { إنما نحن فتنة فلا تكفر } .
وكذلك كان للتمييز بين السحر والمعجزة ، حيث كثر في ذلك الزمان ، وأظهر السحرة من الشبه ، ويميطا الأذى عن الطريق .
والطاهر أنهما نزلا بصورة آدمية ، ولا بعد في ذلك ، فقد كان جبريل عليه السلام ينزل بصورة دحية الكلبي وغيرة .
وما يروه المفسرون في قصة هاروت وماروت لا أصل له ، وهومن أكاذيب الإسرائيليين فلا يعول عليه .
وقد أنكره من الأئمة : القاضي عياض والإمام الرازي والشهاب العراقي وابن كثير والآلوسي .
{ إنما نحن فتنة } ابتلاء من الله ، واختبار للناس ، أيتبعون النصح ولا يعملون السحر ، أم يخالفونه ويعملون السحر . من الفتن ، إدخال الذهب النار لتظهر جودته من ردائته . ثم استعمل في الاختبار والامتحان بالمحن والشدائد ، وبالمنح واللطائف ، لما فيه من إظهار الحال والحقيقة . وأكثر ما تستعمل في الفتنة : الامتحان بالمحن . وعليه يحمل تفسير بعضهم الفتنة بالمحنة .
وابتلاء الله العباد ، ليس ليعلم أحوالهم ، لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لانهاية له على سبيل التفصيل من الأزل ، ولكن ليعلم العباد أحوالهم من ظهور جودة ورداءة ، وهي الأحوال التي يعلمها الله تعالى أزلا .
{ خلاق } نصيب من الخير ، هو ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة وتخلق به . وفسر الخلاق : بالقوام وبالقدر ، والمعاني متقاربة .
قوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } الواو للعطف ، والفعل المضارع بعدها معطوف على الفعل نبذ ، والمقصود أن ذلك الفريق من اليهود نبذوا التوراة التي تنطوي على ذكر نبي الإسلام واتبعوا بدلا من ذلك ما كانت الشياطين تتلوه زمن سليمان عليه السلام .
أما الذي كانت الشياطين تتلوه على عهد سليمان فهو السحر الذي قيل إن الشياطين كانت تتبعه وتقرأه على الناس زاعمين أنه من صنع سليمان . والحقيقة أن ذلك السحر ما كان من صنع سليمان ، بل إن من كيدهم وخبثهم . وحقيقة المسألة- فيما ذكره ابن عباس- أن سليمان عليه السلام قد دفن تحت كرسيه ما اطلع عليه من كتبهم في السحر . ولما توفي عليه السلام ظهر الإنس والجن على الكتب ، وقالوا هذا كتاب من الله نزل على سليمان فأخذوا به وجعلوه دينا لهم ، فأنزل الله تكذيبا لهم ، فقال سبحانه : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) وفي هذا دلالة على أن السحر ضرب من الكفر يورد المتشبثين به موارد الشرك والضلالة . وكذلك فإن الآية تنفي أن يكون السحر من صنع سليمان ، ولكنه من صنع الشياطين فهم الذين اختلقوه وابتدعوه ، وهم كذلك الذين افتروا على سليمان بقولهم : إنه كان يخفي تحت كرسيه سحرا . وحاشا لله فما كان لنبي أن تكون له أدنى علاقة بسحر ، ولكنها النبوة الصادقة الميمونة ، والوحي القدسي الكريم الذي يتنزل على هذا النبي المقصود بخبر السماء .
وبذلك فإن السحر لهو من اختلاق الشياطين الذين يعلّمون الناس إياه . وكذلك يعلمونهم كما قال سبحانه : { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } وما نريد أن نقول في ذلك شططا ، ولا نفلت العنان للقلم والكلام في هذه المسألة فنذهب بعيدا إلى ما يقرّبنا من الزلل .
والذي نستطيع ذكره في توضيح هذه القضية ببساطة أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر ، ويعلمونهم ما أنزل الله على الملكين ببابل وهما هاروت وماروت ، بدل من الملكين .
أما الذي أنزل على هاروت وماروت ببابل فكان سحرا ، وهو ابتلاء من الله للناس على سبيل الفتنة ، ويكشف عن هذا المدلول قوله تعالى : { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } . وعلى هذا فإن سليمان لم يكفر ، وكذلك فإن الملكين ببابل لم يكفرا ، لكن الله جعلهما ببابل وأنزل عليهما السحر ، فتنة للناس وليبتليهم بهما وبما أنزل عليهما . ويدل على ذلك قولهما لمن يأتيهما من الناس : ( إنما نحن فتنة فلا تكفر فكأنهما يشرحان للناس ما أنزل عليهما من بلاء وفتنة ثم يحذران كذلك من اتباع السحر .
ذلك الذي نستطيع ذكره هنا ولا نمضي في هذه القضية أكثر من ذلك ، خشية الزلل والتكلف . وقوله : { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } يراد بواو الجماعة في قوله { فيتعلمون } " السحرة " فهم الذين يقبلون على الملكين هاروت وماروت ليأخذوا منهما السحر من غير أن يعبأوا بالتحذير والنصيحة المقدمين من هذين الملكين قبل التعليم . بل كان السحرة يتعلمون منهما هذا الفن المحظور رغم النصيحة والزجر ، ثم يمضون في الناس يفرقون بين المرء وزوجه بسحرهم والنفث فيهم .
قوله : ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ) ذلك نفي من الله لوقوع الضرر عن طريق السحر . والضمير ( هم ) بعد يعود على السحرة وقيل على اليهود ، وقيل على الشياطين .
والمهم في ذلك أن هؤلاء الأشقياء لن يوقعوا بسحرهم ضررا بأحد ( إلا بإذن الله ) أي بإرادته وقضائه ، لا بأمره فإن الله سبحانه لا يأمر بالشر والباطل ، لكنه سبحانه لا يندّ عن إرادته وقضائه شيء أو حدث .
وفي الآية كذلك تقرير بأن الذين يمارسون السحر إنما يتعلمون ما ليس لهم فيه نفع أو خير ، ولكنه يعود عليهم بالضرر في هذه الدنيا حيث الإهانة والزراية والنكال الذي يجب أن يحيق بالساحر المفتري الدجال . وكذلك فإن الضرر يعود عليهم في الآخرة حيث العذاب الأشد الذي يحيط بهذا الصنف من البشر الكاذب المحتال .
وقوله : { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق } يؤكد الله جلت قدرته أن هؤلاء اليهود يعلمون ألاّ خلاق لمن آثروا السحر على دين الله القويم الذي جاءهم وهو
الإسلام والخلاق هو النصيب واللازم في { لمن اشتراه } لام الابتداء . من بمعنى الذي في محل رفع مبتدأ . وخبره قوله : { ما له في الآخرة من خلاق } واشتراه ، صلة الموصول{[101]} .
وقوله : { ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } يندد الله سبحانه بما باعث به يهود أنفسهم للشيطان حينما رضوا بالسحر بدلا من دعوة الحق التي دعاهم إليها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . فبئس ما صنع هؤلاء من صفقة خاسرة سوف تودي بهم إلى الهلاك والتخسير لو كانوا يعلمون ذلك .