صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{۞وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (24)

{ والمحصنات من النساء }أي وحرمت عليكم ذوات الأزواج من النساء قبل مفارقة أزواجهم لهن . سمين محصنات لأن الأزواج أحصنوهن عن الفاحشة . أو هن أحصن أنفسهن عنها ، من الإحصان ، أعفت ، فهي حاصن وحاصنة وحصان . وأحصنها زوجها فيه محصنة . ويقال : رجل محصن ، إذا تزوج .

{ إلا ما ملكت أيمانهم }استثناء من تحريم نكاح ذوات الأزواج . والمراد به المسببات اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الحرب ، فيحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء ، لارتفاع النكاح بينهن وبين أزواجهن بمجرد السبي ، أو بسبيهن وحدهن دون أزواجهن .

{ كتاب الله عليكم }أي كتب الله عليكم تحريم هذه المحرمات المذكورات كتابا ، وفرضه فريضة .

{ محصنين غير مسافحين }محصنين أنفسكم بمن تطلبوهن بأموالكم من الاستمتاع المحرم ، غير زانين . فالمراد بالإحصان هنا : العفة ، وتحصين النفس من الوقوع في الفاحشة . وبالسفاح : الزنى : من السفح وهو صب الماء وسيلانه ، وسمي به الزنى لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقد دون النسل . و{ محصنين }و{ غير مسافحين }حالان من فاعل{ تبتغوا } .

{ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة }فرض الله تعالى على الأزواج الذين ابتغوا الزوجات محصنين غير مسافحين أن يعطوهن مهورهن عوضا عن انتفاعهم بهن . ومعلوم أن النكاح الذي يحقق الإحصان ولا يكون الزوج به مسافحا ، هو النكاح الصحيح الدائم المستوفي شرائطه . فبطل نكاح المتعة بهذا القيد ، لأنه لا يحقق الإحصان ، ولا يقصد به إلا سفح الماء وقضاء الشهوة .

وجملة القول في المتعة : أنها أحلت في السفر للضرورة ، ثم حرمت يوم خيبر ، ثم أبيحت يوم فتح

مكة ، وهو يوم أوطاس{[101]} لاتصالهما ، ثم حرمت بعد ثلاث تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة ، كما في حديث سيرة بن معبد الجهني ، وعليه انعقد إجماع الأئمة . وما نسب إلى ابن عباس من حلها مطلقا غير صحيح ، فإنه ما كان يحلها إلا للمضطر ، وكان يقول : ما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير . على أنه قد صح رجوعه عن القول بحلها بقوله-فيما رواه الترميذي والبيهقي والطبراني- : إن المتعة كانت في أول الإسلام حتى نزلت الآية : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم }{[102]} فكل فرج سواهما فهو حرام .


[101]:: أوطاس واد في ديار هوازن، جنوبي مكة بنحو ثلاث مراحل، وكانت وقعتها بعد فتح مكة بشهر.
[102]:: آية المؤمنون و آية 30 المعارج
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (24)

{ والمحصنات من النساء } المراد هنا : ذوات الأزواج وهو معطوف على المحرمات المذكورة قبله ، والمعنى : أنه لا يحل نكاح المرأة إذا كانت في عصمة الرجل .

{ إلا ما ملكت أيمانكم } يريد السبايا في أشهر الأقوال ، والاستثناء متصل ، والمعنى أن المرأة الكافرة إذا كان لها زوج ، ثم سبيت : جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها ، وسبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس فأصابوا سبايا من العدو لهن أزواج من المشركين فتأثم المسلمون من غشيانهن ، فنزلت الآية مبيحة لذلك ، ومذهب مالك أن السبي يهدم النكاح سواء سبي الزوجان الكافران معا أو سبي أحدهما قبل الآخر ، وقال ابن المواز : لا يهدم السبي النكاح .

{ كتاب الله عليكم } منصوب على المصدرية : أي كتب الله عليكم كتابا وهو تحريم ما حرم ؛ وهو عند الكوفيين منصوب على الإغراء { وأحل لكم ما وراء ذلكم } معناه أحل لكم تزويج من سوى ما حرم من النساء ، وعطف أحل على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله ، والفاعل هو الله أي كتب الله عليكم تحريم من ذكر ، وأحل لكم ما وراء ذلكم .

{ أن تبتغوا } مفعول من أجله ، أو بدل مما وراء ذلكم ، وحذف مفعوله وهو النساء .

{ محصنين } هنا العفة ، ونصبه على الحال من الفاعل في تبتغوا .

{ غير مسافحين }أي : غير زناة ، والسفاح هو الزنا .

{ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } قال ابن عباس وغيره ، معناها إذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء فقد وجب إعطاء الأجر وهو الصداق كاملا وقيل : إنها في نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل من غير ميراث ، وكان جائزا في أول الإسلام فنزلت هذه الآية في وجوب الصداق فيه ، ثم حرم عند جمهور العلماء ، فالآية على هذا منسوخة بالخبر الثابت في تحريم نكاح المتعة ، وقيل : نسختها آية الفرائض لأن نكاح المتعة لا ميراث فيه ، وقيل : نسختها { والذين هم لفروجهم حافظون }[ المؤمنون :5 ] . وروي عن ابن عباس : " جواز نكاح المتعة " ، وروي : " أنه رجع عنه " .

{ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به } من قال إن الآية المتقدمة في مهور النساء فمعنى هذه جواز ما يتراضون به من حظ النساء من الصداق أو تأخيره بعد استقرار الفريضة ومن قال : إن الآية في نكاح المتعة . فمعنى هذا جواز ما يتراضون به من زيادة في مدة المتعة وزيادة في الأجر .