تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ} (42)

قوله تعالى : { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } جائز أن يكون لما قال : { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [ الأنبياء : 83 ] دعا عند ذلك أن يكشف عنه البلايا التي مسته ؛ كأنه قال : إني مسني الضر ، فاكشف ذلك عني { وأنت أرحم الراحمين } دل على قوله عز وجل : { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ } [ الأنبياء : 84 ] دل هذا على أن قد كان منه دعاء وسؤال في كشف الضر عنه ، فاستجاب الله دعاءه .

فعند ذلك قال : { اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } جائز أن يكون لما ضرب برجله الأرض وركضها نبع منها عينان : إحداهما للاغتسال فيها ، والأخرى للشرب منها ؛ فكانت التي للشرب منها ؛ ماؤها بارد على ما يوافق الشرب ، ويختار ذلك ، والأخرى ماؤها ما يوافق الاغتسال ، وهو دونه في البرودة على ما قاله أهل التأويل عامة كقوله عز وجل : { جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } [ القصص : 73 ] وإنما السكون في ما يسكن ، وهو الليل ، والابتغاء بالنهار .

وجائز أن تكون العين واحدة . إلا أنه لما اغتسل منها كان ماؤها ما يوافق الاغتسال ، ولما شرب منها كان ماؤها ما يوافق الشرب .

قال بعض أهل التأويل : كان به البلاء بظاهر الجسد وبباطنه ؛ فما كان بظاهره ذهب بالاغتسال ، وما كان بباطنه ذهب الشرب ، والله أعلم .

ثم قوله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم { واذكر عبدنا أيوب } أي : اذكر صبره على البلاء من الله عز وجل بأنواع الشدائد والبلايا ، فاصبر أنت إذا ابتليت بشيء من البلايا .

على ذلك يخرج جميع ما ذكر في هذه السورة ، وأمره أن يذكرهم بالذي ابتلاهم من الشدائد أن كيف صبروا له على ذلك . ومن امتحنهم بالسعة والملك أمره أن يذكرهم أن كيف شكروا ربهم ، وأطاعوه ، والله أعلم .