الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (22)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم دل على نفسه بصنعه ليوحدوه، وذَكَّرهم النعمَ، فقال سبحانه: اعبدوا ربكم

{الذي جعل لكم الأرض فراشا}: يعني بساطا. {والسماء بناء}: يعني سقفا. {وأنزل من السماء ماء}: يعني المطر. {فأخرج به}: فأخرج بالمطر من الأرض أنواعا {من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا}: لا تجعلوا مع الله شركاء. {وأنتم تعلمون} أن هذا الذي ذكر كله من صنعه، فكيف تعبدون غيره؟.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"الّذِي جعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشا" مردود على «الذي» الأولى في قوله: "اعْبُدُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ" وهما جميعا من نعت «ربكم»، فكأنه قال: اعبدوا ربكم [الخالق لكم] والخالق [الذين] من قبلكم، الجاعل لكم الأرض فراشا. يعني بذلك أنه جعل لكم الأرض مهادا وموطئا وقرارا يستقرّ عليها.

يذكّر ربنا جل ذكره بذلك من قيله زيادة نعمه عندهم وآلائه لديهم، ليذكروا أياديه عندهم فينيبوا إلى طاعته، تعطفا منه بذلك عليهم، ورأفة منه بهم، ورحمة لهم، من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم، ولكن ليتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون...

عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشا" فهي فراش يُمْشَى عليها، وهي المهاد والقرار...

"وَالسّماءَ بِناءً": وإنما سميت السماء سماءً لعلوّها على الأرض وعلى سكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لما تحته سماءٌ. ولذلك قيل لسقف البيت سماؤه، لأنه فوقه مرتفع عليه، ولذلك قيل: سما فلان لفلان: إذا أشرف له وقصد نحوه عاليا عليه،... وإنما ذكر السماء والأرض جل ثناؤه فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوام دنياهم، فأعلمهم أن الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم هو المستحقّ عليهم الطاعة، والمستوجب منهم الشكر والعبادة دون الأصنام والأوثان التي لا تضرّ ولا تنفع...

" وأنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ ماءً فأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقا لَكُمْ": يعني بذلك أنه أنزل من السماء مطرا، فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغرسهم ثمرات رزقا لهم غذاءً وأقواتا. فنبههم بذلك على قدرته وسلطانه، وذكرهم به آلاءه لديهم، وأنه هو الذي خلقهم وهو الذي يرزقهم ويكفلهم دون من جعلوه له نِدّا وعِدْلاً من الأوثان والاَلهة.

ثم زجرهم عن أن يجعلوا له ندّا مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم، وأنه لا ندّ له ولا عدل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارّ ولا خالقٌ ولا رازق سواه...

"فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أنْدَادا": والأنداد، جمع ندّ، والندّ: العِدْل والمِثْل. عن قتادة: "فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدَادا" أي عدلاء.

عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدَادا" قال: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله... قال ابن زيد في قول الله: "فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدَادا" قال: الأنداد: الاَلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.

[و] عن ابن عباس في قوله: "فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أنْدَادا" قال: أشباها.

فنهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئا، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له ندا وعدلاً في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتي التي أنعمتها عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكا وندّا من خلقي، فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم منّي...

"وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ":

اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بهذه الآية،

فقال بعضهم: عني بها جميع المشركين، من مشركي العرب وأهل الكتاب.

وقال بعضهم: عني بذلك أهل الكتابين: التوراة، والإنجيل.

عن ابن عباس، قال: نزل ذلك في الفريقين جميعا من الكفار والمنافقين. وإنما عَنَى بقوله: "فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أنْدَادا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحقّ لا شك فيه...

[و] عن مجاهد: "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" يقول: وأنتم تعلمون أنه لا ندّ له في التوراة والإنجيل.

قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي دعا مجاهدا إلى هذا التأويل، وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم، الظنّ منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانية ربها، وإشراكها معه في العبادة غيره. وإن ذلك لقولٌ ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها أنها كانت تقرّ بوحدانيته، غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جل ثناؤه: "وَلِئِنْ سألْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنّ اللّهُ"... فالذي هو أولى بتأويل قوله: "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله، وأنه مبدع الخلق وخالقهم ورازقهم، نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين. ولم يكن في الآية دلالة على أن الله جل ثناؤه عنى بقوله: "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" أحد الحزبين، بل مخرج الخطاب بذلك عام للناس كافة لهم، لأنه تحدّى الناس كلهم بقوله: "يا أيّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبّكُمْ" أن يكون تأويله ما قاله ابن عباس وقتادة، من أنه يعني بذلك كل مكلف عالم بوحدانية الله، وأنه لا شريك له في خلقه يشرك معه في عبادته غيره، كائنا من كان من الناس، عربيا كان أو أعجميا، كاتبا أو أميا، وإن كان الخطاب لكفار أهل الكتاب الذين كانوا حوالي دار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل النفاق منهم وممن بين ظهرانيهم ممن كان مشركا فانتقل إلى النفاق بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

قدّم سبحانه من موجبات عبادته وملزمات حق الشكر له:

خلقهم أحياء قادرين أوّلاً؛ لأنه سابقة أصول النعم ومقدمتها، والسبب في التمكن من العبادة والشكر وغيرهما،

ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرّهم الذي لا بدّ لهم منه، وهي بمنزلة عرصة المسكن ومتقلبه ومفترشه،

ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار،

ثم ما سوّاه عزّ وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها. والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقاً لبني آدم، ليكون لهم ذلك معتبراً: ومتسلقاً إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف؛ ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر، ويتفكرون في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وتحتهم، وأن شيئاً من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها، فيتيقنوا عند ذلك أن لا بدّ لها من خالق ليس كمثلها، حتى لا يجعلوا المخلوقات له أنداداً وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر.

ومعنى جعلها فراشاً وبساطاً ومهاداً للناس: أنهم يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه وبساطه ومهاده...

فإن قلت: ما معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرته ومشيئته؟ قلت: المعنى أنه جعل الماء سبباً في خروجها ومادّة لها، كماء الفحل في خلق الولد، وهو قادر على أن ينشئ الأجناس كلها بلا أسباب ولا موادّ كما أنشأ نفوس الأسباب والموادّ، ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجاً لها من حال إلى حال، وناقلاً من مرتبة إلى مرتبة حكماً ودواعي يجدد فيها لملائكته والنظار بعيون الاستبصار من عباده عبرا وأفكاراً صالحة، وزيادة طمأنينة، [وسكونا] إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته، ليس ذلك في إنشائها بغتة من غير تدريج وترتيب...

فإن قلت: كانوا يسمون أصنامهم باسمه ويعظمونها بما يعظم به من القرب، وما كانوا يزعمون أنها تخالف الله وتناويه. قلت: لما تقرّبوا إليها وعظموها وسموها آلهة، أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادّته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم. كما تهكم بهم بلفظ الندّ، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط.

فإن قلت: ما معنى {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. قلت: معناه: وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد، والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال، والإصابة في التدابير، والدهاء والفطنة، بمنزل لا تدفعون عنه. وهكذا كانت العرب، خصوصاً ساكنو الحرم من قريش وكنانة، لا يصطلي بنارهم في استحكام المعرفة بالأمور وحسن الإحاطة بها.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

واختلف المتأولون من المخاطب بهذه الآية؟ فقالت جماعة من المفسرين: المخاطب جميع المشركين: فقوله على هذا: {وأنتم تعلمون} يريد العلم الخاص في أنه تعالى خلق وأنزل الماء وأخرج الرزق، ولم تنف الآية الجهالة عن الكفار.

وقيل المراد كفار بني إسرائيل، فالمعنى تعلمون من الكتب التي عندكم أن الله لا ند له.

وقال ابن فورك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين. فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون، وتجعلوا لله أنداداً بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد.

وهذه الآية تعطي أن الله تعالى أغنى الإنسان بنعمه هذه عن كل مخلوق، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا، فقد أخذ بطرق من جعل لله نداً، عصمنا الله تعالى بفضله وقصر آمالنا عليه بمنه وطوله، لا رب غيره.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(الذي جعل لكم الأرض فراشا)..

وهو تعبير يشي باليسر في حياة البشر على هذه الأرض، وفي إعدادها لهم لتكون لهم سكنا مريحا وملجأ واقيا كالفراش.. والناس ينسون هذا الفراش الذي مهده الله لهم لطول ما ألفوه. ينسون هذا التوافق الذي جعله الله في الأرض ليمهد لهم وسائل العيش، وما سخره لهم فيها من وسائل الراحة والمتاع. ولولا هذا التوافق ما قامت حياتهم على هذا الكوكب في مثل هذا اليسر والطمأنينة. ولو فقد عنصر واحد من عناصر الحياة في هذا الكوكب ما قام هؤلاء الأناسي في غير البيئة التي تكفل لهم الحياة. ولو نقص عنصر واحد من عناصر الهواء عن قدره المرسوم لشق على الناس أن يلتقطوا أنفاسهم حتى لو قدرت لهم الحياة!

(والسماء بناء)..

فيها متانة البناء وتنسيق البناء. والسماء ذات علاقة وثيقة بحياة الناس في الأرض، وبسهولة هذه الحياة. وهي بحرارتها وضوئها وجاذبية اجرامها وتناسقها وسائر النسب بين الأرض وبينها، تمهد لقيام الحياة على الأرض وتعين عليها. فلا عجب أن تذكر في معرض تذكير الناس بقدرة الخالق، وفضل الرازق، واستحقاق المعبود للعبادة من العبيد المخاليق.

(وأنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات رزقا لكم)..

وذكر إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به، ما يفتأ يتردد في مواضع شتى من القرآن في معرض التذكير بقدرة الله، والتذكير بنعمته كذلك.. والماء النازل من السماء هو مادة الحياة الرئيسية للأحياء في الأرض جميعا. فمنه تنشأ الحياة بكل أشكالها ودرجاتها (وجعلنا من الماء كل شيء حي).. سواء أنبت الزرع مباشرة حين يختلط بالأرض، أو كون الأنهار والبحيرات العذبة، أو انساح في طبقات الأرض فتألفت منه المياه الجوفية، التي تتفجر عيونا أو تحفر آبارا، أو تجذب بالآلات إلى السطح مرة أخرى.

وقصة الماء في الأرض، ودوره في حياة الناس، وتوقف الحياة عليه في كل صورها وأشكالها.. كل هذا أمر لا يقبل المماحكة، فتكفي الإشارة إليه، والتذكير به، في معرض الدعوة إلى عبادة الخالق الرازق الوهاب.

وفي ذلك النداء تبرز كليتان من كليات التصور الإسلامي: وحدة الخالق لكل الخلائق (الذي خلقكم والذين من قبلكم).. ووحدة الكون وتناسق وحداته وصداقته للحياة وللإنسان (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء. وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم).. فهذا الكون أرضه مفروشة لهذا الإنسان، وسماؤه مبنية بنظام، معينة بالماء الذي تخرج به الثمرات رزقا للناس.. والفضل في هذا كله للخالق الواحد:

(فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)..

تعلمون أنه خلقكم والذين من قبلكم. وتعلمون أنه جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء. وأنه لم يكن له شريك يساعد، ولا ند يعارض. فالشرك به بعد هذا العلم تصرف لا يليق!

والأنداد التي يشدد القرآن في النهي عنها لتخلص عقيدة التوحيد نقية واضحة، قد لا تكون آلهة تعبد مع الله على النحو الساذج الذي كان يزاوله المشركون. فقد تكون الأنداد في صور أخرى خفية. قد تكون في تعليق الرجاء بغير الله في أي صورة، وفي الخوف من غير الله في أي صورة. وفي الاعتقاد بنفع أو ضر في غير الله في أي صورة.. عن ابن عباس قال:"الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي. ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت! وقول الرجل: لولا الله وفلان.. هذا كله به شرك"... وفي الحديث أن رجلا قال لرسول الله [ص] ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندا؟ "!

هكذا كان سلف هذه الأمة ينظر إلى الشرك الخفي والأنداد مع الله.. فلننظر نحن أين نحن من هذه الحساسية المرهفة، وأين نحن من حقيقة التوحيد الكبيرة!!!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.والمعنى لا تثبتوا لله أنداداً تجعلونها جعلاً وهي ليست أنداداً. وسماها أنداداً تعريضاً بزعمهم لأن حال العرب في عبادتهم لها كحال من يسوي بين الله وبينها وإن كان أهل الجاهلية يقولون إن الآلهة شفعاء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، وجعلوا الله خالق الآلهة فقالوا في التلبية: « لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك» لكنهم لما عبدوها ونسوا بعبادتها والسعي إليها والنذور عندها وإقامة المواسم حولها عبادة الله، أصبح عملهم عمل من يعتقد التسوية بينها وبين الله تعالى لأن العبرة بالفعل لا بالقول. وفي ذلك معنى من التعريض بهم ورميهم باضطراب الحال ومناقضة الأقوال للأفعال.

جواهر التفسير للخليلي 2001 هـ :

... وما أدق هذه التفاسير المأثورة عن السلف الصالح رضي الله عنهم في معنى الأنداد، وما أعزب فهم كثير من الناس عنها، فلعلهم يتصورون ان اتخاذهم الأنداد لا يعدو عبادة الأصنام المنحوتة من الأحجار، ولا يدركون أن الأمر أعم منه، فقد تكون أصنام البشر أضر من أصنام الحجر إذا ما عُظِّم الطواغيت وانقادت لهم الناس، وخضعوا لأحكامهم الجائرة، وآثروا ضلالهم على هدى الله، ورددوا شعاراتهم الزائفة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يقصد بها إلا نقض عرى الدين وهدم صرح التوحيد، وإذا كان من شأن عقيدة التوحيد تطهير النفوس من الأوهام، وتزكية الأعمال بإخلاصها لله، فإن من شأنها أيضا تحرير الإِنسانية حتى لا تخضع لغير الله ولا تتحاكم إلى غير شرعه ولا تنقاد إلا لحكمه، ولا تذعن لغير طاعته، فلله الخلق ولله الأمر، وكل من تطاول فأمر بما يخالف أمره تعالى فهو متطاول على سلطان الله...

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (22)

والله سبحانه أجدر أن يعبده الناس كافة ولا يعصوه في شيء لما أسبغه على الخلائق والبشر من نعماء ومنن ، فهو سبحانه قد ( جعل لكم الأرض فراشا ( أي مهدها ، ويسرها الممهد الذي يصلح للافتراش .

وكذلك قد جعل الله السماء للناس بناء كأنما هي مظلة ، وهي مظلة ممتدة وكبيرة وغير محدودة قد صيرها الله على هذه الصورة الهائلة من البناء المرفوع الذي تتكاثف فيه الخلائق والأجرام في غاية من التوازن الدقيق والإحكام المنظم المضبوط .

بناء سماوي رفيع لا تدرك منه الأبصار والعقول إلا قليلا مما تحقق بأسباب شتى من النظر والرصد والعلم ، وما في السماء من حقائق ومخبوءات لهو كثير لا يقف الإنسان إلا على جزء يسير منه كلما امتد به الزمان وتعاظمت له أسباب البحث والاكتشاف يقول سبحانه في ذلك : ( الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ( والفعل جعل يأخذ مفعولين وهو يعني صير من الصيرورة ويأتي على معان أخرى ترد في موضعها .

وقوله : ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ( السماء اسم مذكر ومؤنث وجمعه سماوات وأسمية ، وهو يطلق على كل ما علاك فأظلك ويقال لسقف البيت سماء ، وكذلك فإن السماء تسمى المطر فيقال : ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم ، وأصل السماء من السمو وهو الارتقاء والعلو ، نقول سموت وسميت أي علوت وعليت ، ونقول فلان لا يسامى وقد علا من ساماه .

فقد أنزل الله المطر من السماء العالية المرتفعة بعد أن كان ( المطر ) حبات من الماء المنتشر المحمول عبر درات الهواء حتى إذا علا ذلك وتسامى فوق الأرض لامس أجواء باردة فتقاطر الماء من خلاله ليؤوب الى الأرض منهمرا تستقي منه الخلائق من بشر وزروع وأنعام ، ثم تنبت به الأرض من خيراتها وثمراتها بما يقتات به الناس ويرتزقون أو ما يستمتعون به ويستطيبون .

وحول هذه العملية الربانية العجيبة في إنزال المطر بدءا بتصريف الرياح الموقرة بحبات الماء المتبخر ، وانتهاء بالنزول الهاطل المنهمر يقول سبحانه : ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله ، فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمسلمين فانظر إلى ءاثر رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير ( .

قوله : ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ( الأنداد ، مفردها ند وهو يرادف النديد الذي يستعمل للمبالغة ، والأنداد بمعنى الأكفاء والنظراء والأمثال .

فالند أو النديد معناه الكفء أو النظير أو المثيل ، وقيل : الأنداد تعني الأضداد ، وأصل الكلمة من الفعل ند ندودا أو ندادا ، نقول ند البعير أي نفر وذهب على وجهه شاردا ، وفي قراءة بعضهم لقوله تعالى : ( يوم التناد ( أي يوم الشرود والهرب في جموح ، ومنه التنديد من الفعل ندد أي أظهر العيب في تشهير وافتضاح والله سبحانه يحذر الناس أن يتخذوا من دونه شركاء عدلاء يجعلون لهم من الحظ في الخوف والتقديس والانقياد مثلما يجعلونه لله سبحانه ، وذلك هو الإشراك المستشبع الذي تدنو دونه كل خطيئة أو محظور ، على أن الإشراك ضروب شتى تورد الإنسان المشرك موارد الكفران الذي يفضي إلى غضب الله والنار . كأن يتجه الإنسان بحسه وهواه صوب آلهة مصطنعة لا تملك شيئا من ضر أو نفع ، ولا تملك أن تغير من مقادير الله أدنى تغيير ، ولكنه الوهم الفاسد المريب الذي يمس طبائع جانفة مريضة فيزين لها أن تتثبت بهذه الآلهة المختلفة الموهومة .

ومن ضروب الإشراك أن تخشع القلوب للأصنام في انقياد مضلل فاسد ، كالذي كان عليه الناس في الأزمنة الغابرة ، إذ كانوا يخرون للأصنام ساجدين وهي أصنام يصطنعونها من الحجر أو المدر أو التمر على شواكل مختلفة من هيئة الإنسان أو الطير أو الحيوان ، وفي طليعة ذلك اللات والعزى ومناة ثم هبل وأسماء غير ذلك مما يفتعل أولئك في سفاهة وعمه ، ومن ضروب الشرك كذلك أن ينصاع الإنسان في شعوره ووجدانه وفي تفكيره وجوارحه لأمر الحكام والساسة الذين يقضون بالباطل وبغير ما أنزل الله ، فهم بذلك يضادون الله ويستنكفون عما أنزل من كتاب ودين ، وأمثال هؤلاء الحكام والساسة إنما يقفون في غاية الضلال والجريمة التي تتجسد في الافتتات على سلطان الله والاعتداء على جلاله وجنابه العظيمين وذلك بانتحال الخصائص الأساسية الكبرى كالمعبودية أو الملكوت أو التشريع وهي خصائص كبريات لا تتسنى لأحد من الخليقة كائنا من كان ، وما انتحالها أو جزء منها إلا التعدي الصارخ المستكبر على الله في عليائه .

وعلى ذلك فإن اللحاق بمثل هؤلاء الحكام والساسة الذين يضادون الله لهو ضرب مستبين من ضروب الشرك الذيب تنشغل القلوب والأهواء لتسير في غير صراط الله ، والذي يتثبت الطبع من خلاله بهؤلاء الفساق ليتلهى في خضم الرغائب والشهوات فيسدر مع السادرين إلى حيث السقوط في الأذلين .

ومن أحسن ما روي عن حبر هذه الأمة وإمام المفسرين عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ) في هذا الصدد وهو أن الأنداد تعني الشرك وهو أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن يقول : والله وحياتك يا فلان وحياتي ، ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة ، وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت ، وقول الرجل : لولا الله وفلان .

وقد ورد في الحديث : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شاء الله وشئت فقال له النبي : " أجعلتني لله ندا ؟   ! " .

قوله : ( وأنتم تعلمون ( الواو للحال ، والضمير في محل رفع مبتدأ والميم للجمع ، ( تعلمون( جملة فعلية في محل رفع خبر ، والجملة الاسمية المبتدأ والخبر في محل نصب حال .

وهذا الجزء من الآية خطاب للكافرين والمنافقين الذين يتخذون أندادا من دون الله ، مع أنهم يعلمون في قرارة صدورهم وفي العميق من نفوسهم أنهم ليسوا على شيء إلا الضلال والباطل ، وأنهم ناكبون عن الطريق المستقيمة ، عن صراط الله الذي لا يخالطه أمت أو اعوجاج ، وأنهم يعلمون أن هذا النبي صادق في تبليغه عن ربه وأن شريعة الإسلام لهي الحق المبين .

إن هذا الجزء من الآية خطاب جدير به أن ينفذ إلى قلوب المشركين وأذهانهم أولئك الذين يتخذون مع الله آلهة أخرى وهو في نفاذه إليها يقرعها في مواجهة مكشوفة لا تعرف الموارية أو الميل كما يعلم هؤلاء الكذناكبون أنهم متعصبون وأنهم مفترون عسى أن تتململ فيهم بقية من وازع أو فطرة . {[25]}


[25]:تفسير القرطبي جـ 1 ص 204-230 وتفسير البيضاوي ص 11-15 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 45-58 وفي ظلال القرآن لسيد قطب جـ 1 ص 44-54 ومختار الصحاح ص 652، والقاموس المحيط جـ 1 ص 353.