الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (112)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك}: هل يقدر على أن يعطيك ربك إن سألته {أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله}، فلا تسألوه البلاء، {إن كنتم مؤمنين}، فإنها إن نزلت ثم كذبتم عوقبتم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

واذكر يا عيسى أيضا نعمتي عليك، إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي، إذ قالوا لعيسى ابن مريم:"هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبّكَ أنْ يُنَزّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السّماءِ" ف «إذ» الثانية من صلة «أوحيت».

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: "يَسْتَطِيعُ رَبّكَ "فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين: «هَلْ تَسْتَطِيِعُ» بالتاء «رَبّكَ» بالنصب، بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك، وهل تستطيع أن تدعو ربك أو هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكّين أن الله تعالى ذكره قادر أن ينزل عليهم ذلك، وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟

وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والعراق: "هَلْ يَسْتَطِيعُ" بالياء "رَبّكَ" بمعنى: أن ينزّل علينا ربّك، كما يقول الرجل لصاحبه: أتستطيع أن تنهض معنا في كذا؟ وهو يعلم أنه يستطيع، ولكنه إنما يريد: أتنهض معنا فيه؟ وقد يجوز أن يكون مراد قارئه كذلك: هل يستجيب لك ربك ويطيعك أن تنزّل علينا؟

وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ ذلك: هَلْ يَسْتَطِيعُ بالياء رَبّكَ برفع الربّ، بمعنى: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟

وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب لما بينا قبل من أن قوله: "إذْ قالَ الحَوَارِيّونَ" من صلة «إذ أوحيت»، وأن معنى الكلام: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي "إذْ قالَ الحَوَارِيّونَ يا عيِسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبّكَ"؛ فبين إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكره قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قيلهم ذلك، والإقرار لله بالقدرة على كلّ شيء، وتصديق رسوله فيما أخبرهم عن ربهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظاما منه لما قالوا: "اتّقُوا اللّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" ففي استتابة الله إياهم، ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك، واستعظام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم، الدلالة الكافية من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع الربّ إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى لو كانوا قالوا له: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزّل علينا مائدة من السماء؟ أن تستكبر هذا الاستكبار.

فإن ظنّ ظانّ أن قولهم ذلك له إنما هو استعظام منهم، لأن ذلك منهم كان مسألة آية، فإن الآية إنما يسألها الأنبياء من كان بها مكذّبا، ليتقرّر عنده حقيقة ثبوتها وصحة أمرها، كما كانت مسألة قريش نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحوّل لهم الصفا ذهبا ويفجّر فجاج مكة أنهارا من سأله من مشركي قومه، وكما كانت مسألة صالح الناقة من مكذّبي قومه، ومسألة شعيب أن يسقط كِسْفا من السماء من كفار من أرسل إليهم. وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزّل عليهم مائدة من السماء، على هذا الوجه كانت مسألتهم، فقد أحلهم الذين قرأوا ذلك بالتاء ونصب الربّ محلاّ أعظم من المحلّ الذي ظنوا أنهم نزّهوا ربهم عنه، أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبيّ مبعوث ورسول مرسل، وأن الله تعالى على ما سألوا من ذلك قادر. فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتهم إياه ذلك على نحو ما يسأل أحدهم نبيه، إذا كان فقيرا أن يسأل له ربه أن يغنيه، وإن عرضت به حاجة أن يسأل له ربه أن يقضيها، فأنّى ذلك من مسألة الآية في شيء؟ بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيه مسألة ربه أن يقضيها له. وخبر الله تعالى عن القوم ينبئ بخلاف ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى، إذ قال لهم: "اتّقُوا اللّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أنْ نَأكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا". فقد أنبأ هذا من قيلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالطوا قلوبهم مرض وشكّ في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختبارا.

وأما المائدة فإنها الفاعلة، من ماد فلان القوم يَمِيدُهم مَيْدا: إذا أطعمهم ومارهم، فالمائدة المطعِمة سميت «الخِوانَ» بذلك، لأنها تطعم الآكل مما عليها. والمائد: المدارُ به في البحر، يقال: ماد يَمِيدُ مَيْدا.

" قالَ اتّقُوا اللّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ": قال عيسى للحواريين القائلين له:"هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبّكَ أنْ يُنَزّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السّماءِ ": راقبوا الله أيها القوم، وخافوا أن ينزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا، فإن الله لا يعجزه شيء أراده، وفي شككم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء كفر به، فاتقوا الله أن ينزل بكم نقمته إن كنتم مؤمنين يقول: إن كنتم مصدقيّ على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم: "هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبّكَ أنْ يُنَزّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السّماءِ".

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

طلبوا المائدةَ لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة، فعُذِرُوا وأجيبوا إليها؛ إذ كان مرادُهم حصولَ اليقين وزيادةَ البصيرة. ويقال كلٌ يطلب سُؤْله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه في مائدة من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه في فائدة من الموارد يَرِدُها، وعزيز منهم من يجد الفناء عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه.

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

(قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين): نهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان، وقيل: أراد به أي: اكتفوا بطعام الأرض عن طعام السماء...

معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :

وقيل: اتقوا الله أن تسألوه شيئاً لم يسأله الأمم قبلكم،...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: كيف قالوا: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} بعد إيمانهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: {إِذَ قَالُواْ} فآذن إنّ دعواهم كانت باطلة، وإنهم كانوا شاكين، وقوله: (هل يستطيع ربك) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.

التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي 741 هـ :

{إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم} نداؤهم له باسمه: دليل على أنهم لم يكونوا يعظمونه كتعظيم المسلمين لمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا لا ينادونه باسمه، وإنما يقولون يا رسول الله يا نبي الله، وقولهم ابن مريم: دليل على أنهم كانوا يعتقدون فيه الاعتقاد الصحيح من نسبته إلى أم دون والد، بخلاف ما اعتقده النصارى.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

هذه قصة المائدة، وإليها تنسب السورة فيقال:"سورة المائدة". وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى، عليه السلام، لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة باهرة وحجة قاطعة...

قال: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي: فأجابهم المسيح، عليه السلام، قائلا لهم: اتقوا الله، ولا تسألوا هذا، فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} قال أبو السعود العمادي في تفسير «إذ قال الحواريون» ما نصه: كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام وبين قومه منقطع عما قبله كما ينبئ عنه الإظهار في موقع الإضمار. و«إذ» منصوب بمضمر خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام، بطريق تلوين الخطاب والالتفات، لكن لا لأن الخطاب السابق لعيسى عليه السلام فإنه ليس بخطاب وإنما هو حكاية خطاب، بل لأن الخطاب لمن خوطب بقوله تعالى: {واتقوا الله} – الآية – فتأمل، كأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم عقيب حكاية ما صدر عن الحواريين من المقالة المعدودة من نعم الله تعالى الفائضة على عيسى عليه السلام: اذكر للناس وقت قولهم الخ وقيل هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص، لم يكن عن تحقيق وإيقان، ولا يساعده النظم الكريم. اه.

أقول: في متعلق الظرف قولان للمفسرين رجح أبو السعود المشهور منهما وهو الأول ورد الثاني الذي جرى عليه الزمخشري في الكشاف وهو أنه متعلق بقوله تعالى: {قالوا آمنا} أي ادعوا الإيمان وأشهدوا الله على أنفسهم أنهم مسلمون مخلصون في إيمانهم في الوقت الذي قالوا فيه ما ينافي ذلك وهو قولهم: {يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} ويقول الزمخشري إن الله تعالى ما وصفهم بالإيمان والإسلام وإنما حكى قولهم حكاية ووصله بما يدل على كذبهم فيه وهو سؤالهم هذا وجوابه عليه السلام لهم إذ أمرهم بتقوى الله إن كانوا مؤمنين حقا، وإصرارهم على السؤال بعد ذلك، ووجه رد هذا القول أنه لو كان هو المراد لقيل: «إذ قالوا يا عيسى ابن مريم» ولم يقل: «إذ قال الحواريون» ولما صح أن تكون دعوى الإيمان من الحواريين نعمة من الله على عيسى – وهي كاذبة – ولا أن تكون عن وحي من الله تعالى. ولكن هذا الأخير لا يرد على الزمخشري لأنه فسر الوحي إلى الحواريين بالإيمان بأنه أمر الله إياهم بذلك على ألسنة الرسل، أي أمر إياهم مع غيرهم إذ كلف الناس كافة بأن يؤمنوا بما تجيئهم به الرسل، ولكن يرد قوله أيضا تسميتهم بالحواريين وما في سورتي آل عمران والصف من إجابتهم عيسى إلى نصره. ولعله يرى أن هذا شأنهم في أول الدعوة ثم آمنوا بعد ذلك وصاروا أنصار الله ورسوله عيسى عليه السلام.

وقد حكى أبو السعود بعد ما ذكرناه عنه الخلاف في إيمانهم. ومنشأ هذا الخلاف كلمة «يستطيع» وقد قرأ الكسائي «هل تستطيع ربك» قالوا أي سؤال ربك، وهذه القراءة مروية عن علي وعائشة وابن عباس ومعاذ من علماء الصحابة رضي الله عنهم وقد صحح الحاكم عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه «تستطيع ربك» ومثله في ذلك غيره لأن تلقين القرآن لا يتوقف على تصريح الصحابي برفعه، وقرأ الجمهور «يستطيع ربك» وهذا الذي استشكل بأنه لا يصدر عن مؤمن صحيح الإيمان. وأجاب عنه القائلون بصحة إيمانهم من وجوه.

- أن هذا السؤال لأجل اطمئنان القلب بإيمان العيان لا للشك في قدرة الله تعالى على ذلك، فهو على حد سؤال إبراهيم صلى الله عليه وعلى آله وسلم رؤية كيفية إحياء الموتى ليطمئن قلبه بإيمان الشهادة والمعاينة مع إقراره بإيمانه بذلك بالغيب.

- أنه سؤال عن الفعل دون القدرة عليه فعبر عنه بلازمه.

- أن السؤال عن الاستطاعة بحسب الحكمة الإلهية لا بحسب القدرة، أي هل ينافي حكمة ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء أم لا، فإن ما ينافي الحكمة لا يقع وإن كان مما تتعلق به القدرة، كعقاب المحسن على إحسانه، وإثابة الظالم المسيء على ظلمه.

- أن في الكلام حذفا تقديره: هل تستطيع سؤال ربك. ويدل عليه قراءة: هل تستطيع ربك، والمعنى هل تستطيع أن تسأله من غير صارف يصرفك عن ذلك.

- أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة، والمعنى هل يطيعك ويجيبك دعاءك ربك إذا سألته ذلك.

وأقول ربما يظن الأكثرون أن هذا الوجه الأخير تكلف بعيد وليس كذلك. فالاستطاعة استفعال من الطوع وهو ضد الكره. قال تعالى {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها} [فصلت:11] وفي لسان العرب: الطوع نقيض الكره، والاسم الطواعة والطواعية ثم قال: ويقال طعت له وأنا أطيع طاعة، ولتفعلنه طوعا أو كرها، وطائعا أو كارها، وجاء فلان طائعا غير مكره...

قال ابن سيده: وطاع يطاع وأطاع – لان وانقاد، وأطاعه إطاعة وانطاع له كذلك. وفي التهذيب: وقد طاع له يطوع إذا انقاد له بغير ألف، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه. فإذا وافقه فقد طاوعه. اه. فيفهم من هذا أن إطاعة الأمر فعله عن اختيار ورضا ولذلك عبر به عن امتثال أوامر الدين لأنها لا تكون دينا إلا إذا كانت عن إذعان ووازع نفسي. والذي أفهمه أن الاستفعال في هذه المادة كالاستفعال في مادة الإجابة، فإذا كان «استجاب له» بمعنى أجاب دعاءه أو سؤاله – فمعنى استطاعه أطاعه، أي انقاد له وصار في طوعه أو طوعا له. والسين والتاء في المادتين على أشهر معانيهما وهو الطلب، ولكنه طلب دخل على فعل محذوف دل عليه المذكور المترتب على المحذوف. فأصل استطاع الشيء- طلب وحاول أن يكون ذلك الشيء طوعا له فأطاعه وانقاد له، ومعنى استجاب – سئل شيئا وطلب منه أن يجيب إليه فأجاب.

فبهذا الشرح الدقيق تفهم صحة قول من قال من المفسرين أن يستطيع هنا بمعنى يطيع، وأن معنى يطيع يفعل مختارا راضيا غير كاره، فصار حاصل معنى الجملة هل يرضى ربك ويختار أن ينزل علينا مائدة من السماء إذا نحن سألناه أو سألته لنا ذلك؟ والمائدة في اللغة الخوان الذي عليه الطعام، فإذا لم يكن عليه طعام العيد لا يسمى مائدة، وقد يطلق لفظ المائدة على الطعام نفسه حقيقة أو مجازا من إطلاق اسم المحل على الحال، وهو اسم فاعل من ماد بمعنى تحرك أو من ماد أهله بمعنى نعشهم كما في الأساس أي أعاشهم وسد فقرهم، كأنها هي تميد من يجلس إليها ويأكل منها وقيل إنها بمعنى اسم المفعول على حد: عيشة راضية.

{قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112)} أي قال عيسى لهم اتقوا الله أن تقترحوا عليه أمثال هذه الاقتراحات التي كان سلفكم يقترحها على موسى لئلا تكون فتنة لكم فإن من شأن المؤمن الصادق الإيمان أن لا يجرب ربه – أو أن يعمل ويكسب ولا يطلب من ربه أن يعيش بخوارق العادات، وعلى غير السنن التي جرت عليها معايش الناس. أو المعنى: اتقوا الله وقوموا بما يوجبه الإيمان من العمل والتوكل عسى أن يعطيكم ذلك، من باب قوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق:2، 3].

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... وجرى قوله تعالى: {هل يستطيع ربّك} على طريقة عربية في العرض والدعاء، يقولون للمستطيع لأمر: هل تستطيع كذا، على معنى تطلّب العذر له إن لم يجبك إلى مطلوبك وأنّ السائل لا يحبّ أن يكلّف المسؤول ما يشقّ عليه، وذلك كناية فلم يبق منظوراً فيه إلى صريح المعنى المقتضي أنّه يشكّ في استطاعة المسؤول، وإنّما يقول ذلك الأدنى للأعلى منه، وفي شيء يعلم أنه مستطاع للمسؤول، فقرينة الكناية تحقّقُ المسؤول أنّ السائل يعلم استطاعته. ومنه ما جاء في حديث يحيى المازني « أنّ رجلاً قال لعبد الله بن زيد: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله يتوضّأ». فإنّ السائل يعلم أنّ عبد الله بن زيد لا يشقّ عليه ذلك. فليس قول الحواريّين المحكي بهذا اللفظ في القرآن إلاّ لفظاً من لغتهم يدلّ على التلطّف والتأدّب في السؤال، كما هو مناسب أهل الإيمان الخالص. وليس شكّاً في قدرة الله تعالى ولكنّهم سألوا آية لزيادة اطمئنان قلوبهم بالإيمان بأن ينتقلوا من الدليل العقلي إلى الدليل المحسوس. فإنّ النفوس بالمحسوس آنس، كما لم يكن سؤال إبراهيم بقوله {ربّ أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: 260] شكّاً في الحال..

. واسم {مائدة} هو الخوان الموضوع عليه طعام، فهو اسم لمعنى مركّب يدلّ على طعامٍ وما يوضع عليه. والخِوان بكسر الخاء وضمّها تخت من خشب له قوائم مجعول ليوضع عليه الطعام للأكل، اتّفقوا على أنّه معرّب. قال الجواليقي: هو أعجمي. وفي حديث قتادة عن أنس قال: ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان قطّ، ولا في سُكُرُّجَة، قال قتادة: قلت لأنس: فعلاَم كنتم تأكلون قال: على السُّفَر، وقيل: المائدة اسم الطعام، وإن لم يكن في وعاء ولا على خِوان. وجزم بذلك بعض المحقّقين من أهل اللغة، ولعلّه مجاز مرسل بعلاقة المحلّ. وذكر القرطبي أنّه لم تكن للعرب موائد إنّما كانت لهم السفرة. وما ورد في الحديث من قول ابن عباس في الضبّ: لو كان حراماً ما أُكل على مائدة رسول الله، إنّما يعني به الطعام الموضوع على سفرة. واسم السفرة غلب إطلاقه على وعاء من أديم مستدير له معاليق ليرفع بها إذا أريد السفر به. وسمّيت سفرة لأنّها يتّخذها المسافر. وإنّما سأل الحواريّون كون المائدة منزّلة من السماء لأنّهم رغبوا أن تكون خارقة للعادة فلا تكون ممّا صنع في العالم الأرضي فتعيّن أن تكون من عالم علوي.

وقول عيسى حين أجابهم {اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين} أمر بملازمة التقوى وعدم تزلزل الإيمان، ولذلك جاء بِ {إن} المفيدة للشكّ في الإيمان ليعلم الداعي إلى ذلك السؤال خشية أن يكون نشأ لهم عن شكّ في صدق رسولهم، فسألوا معجزة يعلمون بها صدقه بعد أن آمنوا به، وهو قريب من قوله تعالى لإبراهيم المحكي في قوله: {قال أو لم تؤمن}، أي ألم تكن غنيّاً عن طلب الدليل المحسوس. فالمراد بالتقوى في كلام عيسى ما يشمل الإيمان وفروعه. وقيل: نهاهم عن طلب المعجزات، أي إن كنتم مؤمنين فقد حصل إيمانكم فما الحاجة إلى المعجزة.

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (112)

{ إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم } نداؤهم له باسمه : دليل على أنهم لم يكونوا يعظمونه كتعظيم المسلمين لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فإنهم كانوا لا ينادونه باسمه ، وإنما يقولون يا رسول الله يا نبي الله ، وقولهم ابن مريم : دليل على أنهم كانوا يعتقدون فيه الاعتقاد الصحيح من نسبته إلى أم دون والد ، بخلاف ما اعتقده النصارى .

{ هل يستطيع ربك } ظاهر هذا اللفظ أنهم شكوا في قدرة الله تعالى على إنزال المائدة وعلى هذا أخذه الزمخشري ، وقال : ما وصفهم الله بالإيمان ، ولكن حكى دعواهم في قولهم آمنا وقال ابن عطية وغيره : ليس كذلك لأنهم شكوا في قدرة الله لكنه بمعنى هل يفعل ربك هذا ، وهل يقع منه إجابة إليه ، وهذا أرجح ، لأن الله أثنى على الحواريين في مواضع من كتابه ، مع أن في اللفظ بشاعة تنكر ، وقرئ تستطيع بتاء الخطاب ربك بالنصب أي هل تستطيع سؤال ربك ، وهذه القراءة لا تقتضي أنهم شكوا ، وبها قرأت عائشة رضي الله عنها ، وقالت : كان الحواريون أعرف بربهم من أن يقولوا : هل يستطيع ربك .

{ أن ينزل علينا مائدة من السماء } موضع أن مفعول بقوله يستطيع على القراءة بالياء ، ومفعول بالمصدر ، وهو السؤال المقدر على القراءة بالتاء ، والمائدة هي التي عليها طعام ، فإن لم يكن عليها طعام فهي خوان .

{ قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } فقوله لهم :{ اتقوا الله } : يحتمل أن يكون زجرا عن طلب المائدة ، واقتراح الآيات ، ويحتمل أن يكون زجرا عن الشك الذي يقتضيه قولهم هل يستطيع ربك على مذهب الزمخشري ، أو عن البشاعة التي في اللفظ وإن لم يكن فيه شك ، وقوله :{ إن كنتم مؤمنين } هو على ظاهره على مذهب الزمخشري ، وأما على مذهب ابن عطية وغيره ، فهو تقرير لهم كما تقول افعل كذا إن كنت رجلا ، ومعلوم أنه رجل ، وقيل : إن هذه المقالة صدرت منهم في أول الأمر قبل أن يروا معجزات عيسى .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (112)

ولما كان من المقصود بذكر معجزات عيسى عليه السلام تنبيه الكافر ليؤمن ، والمؤمن ليزداد إيماناً ، وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتوبيخ اليهود المدعين{[28216]} أنهم أبناء وأحباء - إلى غير ذلك مما{[28217]} أراد الله ، قرعت به الأسماع{[28218]} ، ولم يتعلق بما يجيب به يوم القيامة عند أمره بذلك غرض فطوي ؛ ولما كان أجلّ المقاصد تأديب هذه الأمة لنبيها عليه السلام لتجلّه عن أن تبدأه{[28219]} بسؤال أو تقترح عليه شيئاً في حال من الأحوال ، ذكر لهم شأن الحواريين في اقتراحهم بعدما تقدم من امتداحهم بِعَدِّهم في عداد أولي الوحي ومبادرتهم{[28220]} إلى الإيمان امتثالاً للأمر ثم إلى الإشهاد على سبيل التأكيد بتمام الانقياد وسلب الاختيار ، فقال معلقاً ب " قالوا آمنا " مقرباً لزمن تعنتهم من زمن إيمانهم ، مذكراً لهذه الأمة بحفظها على الطاعة ، ومبكتاً لبني إسرائيل بكثرة تقلبهم وعدم تماسكهم إبعاداً لهم عن درجة المحبة فضلاً عن البنوة ، وهذه القصة قبل قصة الإيحاء إليهم فتكون{[28221]} " إذ " هذه ظرفاً لتلك ، فيكون الإيحاء إليهم بالأمر{[28222]} بالإيمان في وقت سؤالهم هذه بعد ابتدائه{[28223]} ، وتكون فائدته حفظهم من أن يسألوا آية أخرى كما سألوا هذه بعد ما رأوا{[28224]} منه صلى الله عليه وسلم من الآيات : { إذ قال } وأعاد وصفهم ولم يضمره تنصيصاً عليهم لبُعد ما يذكر من حالهم هذا من حالهم{[28225]} الأول فقال : { الحواريون } وذكر أنهم نادوه باسمه واسم أمه فقالوا{[28226]} : { يا عيسى ابن مريم } ولم يقولوا : يا رسول الله ولا يا روح الله ، ونحو هذا من التبجيل{[28227]} أو التعظيم{[28228]} { هل يستطيع ربك } بالياء مسنداً إلى الرب{[28229]} وبالتاء الفوقانية مسنداً إلى عيسى عليه السلام ونصب الرب{[28230]} ، ومعناهما واحد يرجع إلى التهييج والإلهاب{[28231]} بسبب الاجتهاد في الدعاء بحيث تحصل الإجابة ، وتكون هذه{[28232]} العبارة أيضاً للتلطف كما يقول الإنسان لمن يعظمه : هل تقدر أن تذهب معي إلى كذا ؟ وهو يعلم أنه قادر ، ولكنه يكنى بذلك عن أن السائل يحب ذلك ولا يريد المشقة على{[28233]} المسؤول { أن ينزل } أي الرب المحسن إليك { علينا مائدة } وهي الطعام ، ويقال أيضاً : الخوان إذا كان عليه الطعام{[28234]} ، والخوان شيء يوضع عليه الطعام للأكل ، هو في العموم بمنزلة السفرة لما يوضع فيه طعام المسافر بالخصوص ، وهي من ماده - إذا{[28235]} أعطاه وأطعمه . {[28236]}

ولما كان هذا ظاهراً في أنها سماوية ، صرحوا به احترازاً عما عوَّدهم به صلى الله عليه وسلم من أنه يدعو بالقليل{[28237]} من الطعام{[28238]} فيبارك فيه فيمده الله فيكفي فيه{[28239]} القيام{[28240]} من الناس فقالوا : { من السماء } أي لا صنع للآدميين فيها لنختص بها عمن تقدمنا من الأمم .

ولما كان المقصود من هذا وعظنا وإرشادنا إلى أن لا نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم شيئاً{[28241]} ، اكتفاء بما يرحمنا به ربنا{[28242]} الذي رحمنا بابتدائنا بإرساله إلينا لإيصالنا إليه سبحانه ، وتخويفاً من أن نكون مثل من{[28243]} مضى من المقترحين الذين كان اقتراحهم سببَ هلاكهم ؛ دل على ذلك بالنزوع من أسلوب الخطاب إلى الغيبة فقال مستأنفاً إرشاداً إلى السؤال من جوابهم{[28244]} : { قال } ولم يقل : فقلت { اتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم الذي له الكمال وقاية تمنعكم عن الاجتراء{[28245]} على الاقتراح { إن كنتم مؤمنين * } أي بأنه قادر وإني رسوله ، فلا تفعلوا فعل من وقف إيمانه على رؤية ما{[28246]} يقترح من الآيات .


[28216]:في ظ: المدعنين- كذا.
[28217]:في ظ: ما.
[28218]:في ظ: الأسماء.
[28219]:في ظ: يبدوه.
[28220]:من ظ، وفي الأصل: مبادرته.
[28221]:من ظ، وفي الأصل: فيكون.
[28222]:من ظ، وفي الأصل: الأمر.
[28223]:من ظ، وفي الأصل: تطيه- كذا.
[28224]:في ظ: أراد.
[28225]:في ظ: حاله.
[28226]:من ظ، وفي الأصل: فقال.
[28227]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28228]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28229]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28230]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28231]:في ظ: الاهاب.
[28232]:في ظ: بهذه.
[28233]:في ظ: إلى.
[28234]:سقط من ظ.
[28235]:في ظ: أطعمه وأعطاه.
[28236]:في ظ: أطعمه وأعطاه.
[28237]:في ظ: بالطعام.
[28238]:في ظ: بالطعام.
[28239]:زيد من ظ.
[28240]:في ظ: السام- كذا.
[28241]:سقط من ظ.
[28242]:سقط من ظ.
[28243]:في ظ: ما
[28244]:في ظ: جوابه.
[28245]:في ظ: الاخيراء- كذا.
[28246]:من ظ، وفي الأصل: من.