الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ} (107)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{خالدين فيها}، لا يموتون، {ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك}، يقول: كما تدوم السماوات والأرض لأهل الدنيا، ولا يخرجون منها، فكذلك يدوم الأشقياء في النار، ثم قال: {إلا ما شاء ربك}، فاستثنى الموحدين الذين يخرجون من النار لا يخلدون... {إن ربك فعال لما يريد}...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله: {خالِدِينَ فِيها ما دَامَتِ السّمَوَاتُ والأرْضُ إلاّ ما شاءَ رَبّكَ إنّ رَبّكَ فَعّالٌ لِمَا يرِيدُ}، يعني تعالى ذكره بقوله: {خالِدِينَ فِيها}، لابثين فيها، ويعني بقوله: {ما دَامَتِ السّماوَاتُ والأرْضُ}: أبدا؛ وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا، قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، بمعنى: إنه دائم أبدا، وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليل والنهار، وما سمر لنا سمير، وما لألأت العفر بأذنابها، يعنون بذلك كله: أبدا. فخاطبهم جلّ ثناؤه بما يتعارفون به بينهم، فقال: {خالِدِينَ فِيها ما دَامَتِ السمَواتُ والأرْضُ}، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدا...

ثم قال: {إلاّ ما شاءَ رَبّكَ}.

واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك؛

فقال بعضهم: هذا استثناء استثناه الله في أهل التوحيد أنه يخرجهم من النار إذا شاء، بعد أن أدخلهم النار...

وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: {إلاّ ما شاءَ رَبّكَ}، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار، ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: {فأمّا الّذِينَ شَقُوا فَفِي النارِ... إلاّ ما شاءَ رَبّكَ}، لا من الخلود...

وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكل من دخلها...

وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرفنا معنى ثنياه بقوله: {عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}، أنها في الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض، قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار، وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان...

وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب... أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدا إلا ما شاء من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم، فيدخلهم الجنة، كما قد بيّنا في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغير جائز أن يكون استثناء في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يدخل قوما من أهل الإيمان به بذنوب أصابوها النار، ثم يخرجهم منها، فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء أهل التوحيد قبل دخولها مع صحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا، وأنا إن جعلناه استثناء في ذلك كنا قد دخلنا في قول من يقول: لا يدخل الجنة فاسق ولا النار مؤمن، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم وما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القدوة من أهل العلم إلا الثالث. ولأهل العربية في ذلك مذهب غير ذلك سنذكره بعد، ونبينه إن شاء الله تعالى.

وقوله: {إنّ رَبّكَ فَعّالٌ لِمَا يُرِيدُ}، يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاءه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{مَا دَامَتِ السماوات والأرض} فيه وجهان، أحدهما: أن تراد سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد. والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض} [إبراهيم: 48] وقوله: {وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء} [الزمر: 74] ولأنه لا بدّ لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم: إمّا سماء يخلقها الله، أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك فهو سماء. والثاني أن يكون عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع. كقول العرب: ما دام تعار، وما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وغير ذلك من كلمات التأبيد...

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

ولعل النكتة في هذا الاستثناء على ما قيل: إرشاد العبد إلى تفويض الأمور إليه جل شأنه وإعلامهم بأنها منوطة بمشيئته جل وعلا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا حق لأحد عليه ولا يجب عليه شيء كما قال تبارك وتعالى: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ}. وذكر بعض الأفاضل أن فائدته دفع توهم كون الخلود أمراً واجباً عليه تعالى لا يمكن له سبحانه نقضه...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} أي ماكثين فيها مكث بقاء وخلود لا يبرحونها مدة دوام السماوات التي تظلهم والأرض التي تقلهم، وهذا معنى قوله في آيات أخرى {خالدين فيها أبدا} [النساء: 57]، فإن العرب تستعمل هذا التعبير بمعنى الدوام، وغلط من قالوا: المراد مدة دوامهما في الدنيا، فإن هذه الأرض تبدل وتزول بقيام الساعة، وسماء كل من أهل النار وأهل الجنة ما هو فوقهم، وأرضهم ما هم مستقرون عليه وهو تحتهم، قال ابن عباس: لكل جنة أرض وسماء، وروي مثله عن السدي والحسن.

{إلا ما شاء ربك} أي إن هذا الخلود الدائم هو المعد لهم في الآخرة المناسب لصفة أنفسهم الجهول الظالمة التي أحاطت بها ظلمة خطيئاتها وفساد أخلاقها -كما فصلناه مرارا -إلا ما شاء ربك من تغيير في هذا النظام في طور آخر، فهو إنما وضع بمشيئته، وسيبقى في قبضة مشيئته، وقد عهد مثل هذا الاستثناء في سياق الأحكام القطعية للدلالة على تقييد تأبيدها بمشيئته تعالى فقط، لا لإفادة عدم عمومها، كقوله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} [الأعراف: 188]، أي لا أملك شيئا من ذلك قدرتي وإرادتي إلا ما شاء الله أن يملكنيه منه بتسخير أسبابه وتوفيقه، ومثله في [10: 49] مع تقديم الضر. وقوله: {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله} [الأعلى: 6، 7} على أن الاستثناء لتأكيد النفي، أي إنه تعالى ضمن لنبيه حفظ هذا القرآن الذي يقرئه إياه بقدرته وعصمه أن لا ينسى منه شيئا بمقتضى الضعف البشري، فهو لا يقع إلا أن يكون بمشيئة الله، فهو وحده هو القادر عليه.

{إن ربك فعال لما يريد} فهو إن شاء غير ذلك فعله، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وإنما تتعلق مشيئته بما سبق به علمه واقتضته حكمته، وما كان كذلك لم يكن إخلافا لشيء من وعده، ولا من وعيده، كخلود أهل النار فيها، فإن هذا الوعيد مقيد بمشيئته، وهي تجري بمقتضى علمه وحكمته، ولهذا قال في مثل هذا الاستثناء من سورة الأنعام: {قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 128] وقد فصلنا في تفسير تلك الآية ما قاله العلماء من المفسرين وغيرهم من الخلاف في أبدية النار وعذابها، ووعدنا بالعودة إليه في تفسير هذه الآية، وسنجعله في الخلاصة الإجمالية للسورة لتبقى سلسلة التفسير هنا متصلة.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هؤلاء وأولئك خالدون حيث هم (ما دامت السماوات والأرض). وهو تعبير يلقي في الذهن صفة الدوام والاستمرار. وللتعبير ظلال. وظل هذا التعبير هنا هو المقصود. وقد علق السياق هذا الاستمرار بمشيئة الله في كلتا الحالتين. وكل قرار وكل سنة معلقة بمشيئة الله في النهاية. فمشيئة الله هي التي اقتضت السنة وليست مقيدة بها ولا محصورة فيها. إنما هي طليقة تبدل هذه السنة حين يشاء الله:...

.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْض} فلا مجال للتخلص من العذاب في أيّ وقت، بل يمتد بهم ذلك بامتداد السماوات والأرض، {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ} لأن الأشياء كلها تخضع لمشيئته، فلا حتميّة لشيء في الدنيا أو في عالم الخلود إلا من خلال إرادته التي تعطي الأشياء وجودها، وتمنح الموجودات استمرارها، فمشيئة الله تحكم كل شيء في البداية، والاستمرار، والنهاية... ولعل هذا هو الملحوظ في هذا الاستثناء، لتأكيد الإرادة الإلهية التي إذا حكمت على الأشقياء بالخلود في العذاب، فإنه من الممكن أن ترفع ذلك عنهم في المستقبل، لأنّ هذا الحكم مربوط بالمشيئة الإلهية، التي قد تعلق حكم خلودهم في النار أو تمد بذاك الحكم إلى الأبد، {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} فهو المهيمن على كل شيء، فكل شيء خاضع لإرادته...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ} (107)

قوله تعالى : " خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض " " ما دامت " في موضع نصب على الظرف ، أي دوام السماوات والأرض ، والتقدير : وقت ذلك . واختلف في تأويل هذا ، فقالت . طائفة منهم الضحاك : المعنى ما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما والسماء كل ما علاك فأظلك ، والأرض ما استقر عليه قدمك ، وفي التنزيل : " وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء{[8859]} " [ الزمر : 74 ] . وقيل : أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار . عن دوام الشيء وتأبيده ، كقولهم : لا آتيك ما جن ليل ، أو سال سيل ، وما اختلف الليل والنهار ، وما ناح الحمام ، وما دامت السماوات والأرض ، ونحو هذا مما يريدون به . طولا من غير نهاية ، فأفهمهم الله تخليد الكفرة بذلك . وإن كان قد أخبر بزوال السماوات . والأرض . وعن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش ، وأن السماوات والأرض في الآخرة تردان إلى النور الذي أخذتا منه ، فهما دائمتان أبدا في نور العرش .

قوله تعالى : " إلا ما شاء ربك " في موضع نصب ؛ لأنه استثناء ليس من الأول ، وقد اختلف فيه على أقوال عشرة : الأولى : أنه استثناء من قوله : " ففي النار " كأنه قال : إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك ، وهذا قول رواه أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر رضي الله عنهما . وإنما لم يقل من شاء ؛ لأن المراد العدد لا الأشخاص ، كقوله : " ما طاب لكم{[8860]} " [ النساء : 3 ] . وعن أبي نضرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إلا من شاء ألا يدخلهم وإن شقوا بالمعصية ) . الثاني : أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة من النار ، وعلى هذا يكون قوله : " فأما الذين شقوا " عاما في الكفرة والعصاة ، ويكون الاستثناء من " خالدين " ، قاله قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم . وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحُمَمَة{[8861]} أخرجوا منها ودخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون ) وقد تقدم هذا المعنى في " النساء " {[8862]} وغيرها . الثالث : أن الاستثناء من الزفير والشهيق ، أي لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب الذي لم يذكره ، وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر ، وما لم يذكر . حكاه ابن الأنباري . الرابع : قال ابن مسعود : " خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض " لا يموتون فيها ، ولا يخرجون منها " إلا ما شاء ربك " وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم ، ثم يجدد خلقهم .

قلت : وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل ، وتجديد الخلق . الخامس : أن " إلا " بمعنى " سوى " كما تقول في الكلام : ما معي رجل إلا زيد ، ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك{[8863]} . قيل : فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود . السادس : أنه استثناء من الإخراج ، وهو لا يريد أن يخرجهم منها . كما تقول في الكلام : أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره ، وأنت مقيم على ذلك الفعل ، فالمعنى أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم ، ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها ، ذكر هذين القولين الزجاج عن أهل اللغة ، قال : ولأهل المعاني قولان آخران ، فأحد القولين : " خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك " من مقدار موقفهم على رأس قبورهم ، وللمحاسبة ، وقدر مكثهم في الدنيا ، والبرزخ ، والوقوف للحساب . والقول الآخر : وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب ، وتقديره : " خالدين فيها ما دامت السماوات ولأرض إلا ما شاء ربك " من زيادة النعيم لأهل النعيم ، وزيادة العذاب لأهل الجحيم . قلت : فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض المعهودتين في الدنيا واختاره{[8864]} الترمذي الحكيم أبو عبدالله محمد بن علي ، أي خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض ، وذلك مدة العالم ، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه ، وهو قوله سبحانه : " يوم تبدل الأرض غير الأرض{[8865]} " [ إبراهيم : 48 ] فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم ، واشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة ، وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق ، فمن وفي بذلك العهد فله الجنة ، ومن ذهب برقبته يخلد في النار بمقدار دوام السماوات والأرض ، فإنما دامتا للمعاملة ، وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك ، فإذا تمت هذه المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله ، قال الله تعالى : " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين . ما خلقناهما إلا بالحق{[8866]} " [ الدخان : 39 ] فيخلد أهل الدارين بمقدار دوامهما ، وهو حق الربوبية بذلك المقدار من العظمة ، ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحق الأحدية ، فمن لقيه موحدا لأَحَدِيته بقي في داره أبدا ، ومن لقيه مشركا بأحديته إلها بقي في السجن أبدا ، فأعلم الله العباد مقدار الخلود ، ثم قال : " إلا ما شاء ربك " من زيادة المدة التي تعجز القلوب عن إدراكها لأنه لا غاية لها ، فبالاعتقاد دام خلودهم في الدارين أبدا . وقد قيل : إن " إلا " بمعنى الواو ، قاله الفراء وبعض أهل النظر وهو : الثامن : والمعنى : وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدة دوام السماوات والأرض في الدنيا . وقد قيل في قوله تعالى : " إلا الذين ظلموا{[8867]} " [ البقرة : 150 ] أي ولا الذين ظلموا . وقال الشاعر{[8868]} :

وكل أخٍ مفارقُه أخُوه *** لعمر أبيك إلا الفَرْقَدَانِ

أي والفرقدان . وقال أبو محمد مكي : وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون " إلا " بمعنى الواو ، وقد مضى في " البقرة " {[8869]} بيانه . وقيل : معناه كما شاء ربك ؛ كقوله تعالى : " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف{[8870]} " [ النساء : 22 ] أي كما قد سلف ، وهو : التاسع ، العاشر : وهو أن قوله تعالى : " إلا ما شاء رب " إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام ، فهو على حد قوله تعالى : " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين{[8871]} " [ الفتح : 27 ] فهو استثناء في واجب ، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك ، كأنه قال : إن شاء ربك ، فليس يوصف بمتصل ولا منقطع ، ويؤيده ويقويه قوله تعالى : " عطاء غير مجذوذ " ونحوه عن أبي عبيد قال : تقدمت عزيمة المشيئة من الله تعالى في خلود الفريقين في الدارين ، فوقع لفظ الاستثناء ، والعزيمة قد تقدمت في الخلود ، قال : وهذا مثل قوله تعالى : " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " [ الفتح : 27 ] وقد علم أنهم يدخلونه حتما ، فلم يوجب الاستثناء في الموضعين خيارا ؛ إذ المشيئة قد تقدمت ، بالعزيمة في الخلود في الدارين والدخول في المسجد الحرام ، ونحوه عن الفراء . وقول حادي عشر : وهو أن الأشقياء هم السعداء ، والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم ، والاستثناء في الموضعين راجع إليهم ، وبيانه أن " ما " بمعنى " من " استثنى الله عز وجل من الداخلين في النار المخلدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما معهم من الإيمان ، واستثنى من الداخلين في الجنة المخلدين فيها الذين يدخلون النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى الجنة . وهم الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني ، كأنه قال تعالى : " فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك " ألا يخلده فيها ، وهم الخارجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإيمانهم وبشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء ، وبدخلهم الجنة يسمون السعداء ، كما روى الضحاك عن ابن عباس إذ قال : الذين سعدوا شقوا بدخول النار ثم سعدوا بالخروج منها ودخولهم الجنة . وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي " وأما الذين سعدوا " بضم السين . وقال أبو عمرو : والدليل على أنه سعدوا أن الأول شقوا ولم يقل أشقوا . قال النحاس : ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي " سعدوا " مع علمه بالعربية ! إذ كان هذا لحنا لا يجوز ؛ لأنه إنما يقال : سعد فلان وأسعده الله ، وأسعد مثل أمرض ، وإنما احتج الكسائي بقولهم : مسعود ولا حجة له فيه ؛ لأنه يقال : مكان مسعود فيه ، ثم يحذف فيه ويسمى به . وقال المهدوي : ومن ضم السين من " سعدوا " فهو محمول على قولهم : مسعود وهو شاذ قليل ؛ لأنه لا يقال : سعده الله ؛ إنما يقال : أسعده الله . وقال الثعلبي : " سعدوا " بضم السين أي رزقوا السعادة ، يقال : سعد وأسعد بمعنى واحد وقرأ الباقون " سعدوا " بفتح السين قياسا على " شقوا " واختاره أبو عبيد وأبو حاتم . وقال الجوهري : والسعادة خلاف الشقاوة ، تقول : منه سعد الرجل بالكسر فهو سعيد ، مثل سلم فهو سليم ، وسعد فهو مسعود ، ولا يقال فيه : مُسْعَد ، كأنهم استغنوا عنه بمسعود . وقال القشيري أبو نصر عبد الرحيم : وقد ورد سعده الله فهو مسعود ، وأسعده الله فهو مسعد ، فهذا يقوي قول الكوفيين وقال سيبويه : لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان ؛ لأنه مما لا يتعدى . " عطاء غير مجذوذ " أي غير مقطوع ، من جذه يجذه أي قطعه ، قال النابغة :

تَجَذُّ السَّلُوقِيَ المُضَاعَفَ نَسْجُه *** وتُوقِدُ بالصِّفَاح نارُ الحُبَاحِبِ{[8872]}


[8859]:راجع ج 15 ص 274.
[8860]:راجع ج 5 ص 12.
[8861]:الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة: حمة.
[8862]:راجع ج 5 ص 332.
[8863]:وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بمعنى سوى تلك الألف.
[8864]:يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.
[8865]:راجع ص 382 من هذا الجزء.
[8866]:راجع ج 16 ص 147 و ص 289.
[8867]:راجع ج 2 ص 128.
[8868]:البيت لعمرو ابن معدي كرب.وقيل: لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون "إلا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت "كلا" بها.
[8869]:راجع ج 2 ص 128.
[8870]:راجع ج 5 ص 103.
[8871]:راجع ج 16 ص 147 و ص 289.
[8872]:البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب. إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف : الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ} (107)

قوله : { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك } { خالدين } ، منصوب على حال . وذلك إخبار من الله عن حال الأشقياء الخاسرين أنهم خالدون في النار خلود السموات والأرض . والمراد بذلك السموات الآخرة وأرضها ؛ فهي باقية بقاء لا يعرف الزوال أو الفناء . ومما يدل على أن للآخرة سماوات وأرضا غير ما في الدنيا قوله سبحانه { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات } وقيل : إنما المراد بذلك التأييد وعدم الانقطاع ؛ فقد أجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأييده ؛ فإن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا قالت : هذا دائم دوام السموات والأرض ، بمعنى أنه دائم أبدا { إلا ما شاء ربك } الاستثناء للعصاة من المؤمنين ، إذ يخرجهم الله من النار بعد مدة . وقيل : المعنى : وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدة دوام السموات والأرض في الدنيا . وقيل غير ذلك .

قوله : { إن ربك فعال لما يريد } يخاطب الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم مبينا له أنه سبحانه لا يمنعه شيء من فعل ما يريد أن يفعله بالعصاة والمخالفين عن أمره فينتقم منهم ويعذبهم تعذيبا{[2179]} .


[2179]:تفسير الطبري جـ 12 ص 71 وفتح القدير جـ 2 ص 524 وتفسير القرطبي 9 ص 99 والنسفي جـ 2 ص 205.