تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
... {إنما الصدقات للفقراء} الذين لا يسألون الناس، {والمساكين} الذين يسألون الناس، {والعاملين عليها} يعطون مما جبوا من الصدقات على قدر ما جبوا من الصدقات، وعلى قدر ما شغلوا به أنفسهم عن حاجتهم، {والمؤلفة قلوبهم} يتألفهم بالصدقة، يعطيهم منها... {وفي الرقاب} يعني وفي فك الرقاب، يعني أعطوا المكاتَبين، {والغارمين} وهو الرجل يصيبه غرم في ماله من غير فساد ولا معصية، {وفي سبيل الله} يعني في الجهاد، يعطى على قدر ما يبلغه في غزاته، {وابن السبيل}، يعني المسافر المجتاز وبه حاجة، يقول: {فريضة من الله} لهم هذه القسمة؛ لأنهم أهلها، {والله عليم} بأهلها، {حكيم} حكم قسمتها...
... يحيى: قال مالك: الأمر عندنا في قسم الصدقات أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي. فأي الأصناف كانت فيه الحاجة والعدد، أوثر ذلك الصنف. بقدر ما يرى الوالي. وعسى أن ينتقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عام أو عامين أو أعوام، فيؤثر أهل الحاجة والعدد، حيثما كان ذلك. وعلى هذا أدركت من أرضى من أهل العلم. قوله تعالى: {للفقراء}
- ابن رشد: قال ابن القاسم: سألت مالكا عن قوله عز وجل: {إنما الصدقات للفقراء}، فقال: الفقراء، المتعففون وهم أهل فاقة وحاجة.
- الباجي: قال مالك: إن الفقير: الذي له البلغة من العيش لا تقوم به. قوله تعالى: {والمساكين}.
- الباجي: قال مالك: والمسكين، الذي لا شيء له، فالمسكين أسوأ حالا من الفقير.
- ابن رشد: قال مالك: والمساكين: الذين يسألون الناس على الأبواب والطرق، وهم السائلون.
قوله تعالى: {والعاملين عليها}.
- يحيى: قال مالك: وليس للعامل على الصدقات فريضة مسماة، إلا على قدر ما يرى الإمام.
- الباجي: روى أشهب عن مالك: يعطون بقدر السعي في قربهم وبعدهم، وبقدر غنائه، لأنه إنما يأخذ على وجه العوض عن عمله. قوله تعالى: {والمؤلفة قلوبهم}.
- ابن رشد: قال مالك: والمؤلفة قلوبهم، قوم كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم إلى الإسلام بالصدقة من الزكاة... قال مالك: إن النبي صلى الله عليه وسلم، أعطى المؤلفة قلوبهم فحسن إسلامهم. قال مالك: وبلغني أن حكيم بن حزام أخرج ما كان أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم في المؤلفة، فتصدق بعد ذلك به. -ابن رشد: قال مالك: لا مؤلفة اليوم. قال مالك: لا حاجة إلى المؤلفة الآن لقوة الإسلام. قوله تعالى: {وفي الرقاب}.
- ابن رشد: قال مالك: هم العبيد يعتقهم الإمام، ويكون ولاؤهم للمسلمين. قوله تعالى: {والغارمين}.
- ابن رشد قال مالك: والغارمين، ناس كانت تكون عليهم الديون فلا يجدون ما يقضون به دينهم، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعطوا من الزكاة ما يقضون به دينهم. قوله تعالى: {وفي سبيل الله}.
- ابن العربي: قال مالك: سبل الله كثيرة: وأفضلها الجهاد.
- القرطبي: روى ابن وهب عن مالك أنه يعطى منها الغزاة ومواضع الرباط، فقراء كانوا أو أغنياء.
- ابن رشد: قال مالك وابن السبيل المنقطع به الذي لا يجد دابة يركبها، ولا ثمنا يتكارى به...
... الفقراء ههنا كل من لزمه اسم حاجة ممن سمى الله تعالى من الأصناف الثمانية، وذلك أن كلهم إنما يعطى بموضع الحاجة لا بالاسم. فلو أن ابن السبيل كان غنيا لم يعط، وإنما يعطى ابن السبيل المحتاج إلى السلاح في وقته الذي يعطى فيه. فإن لم يوجد من أهل الصدقات الذين يوجد منهم أحد من أهل السهمان الذين سمى الله عز وجل، ردت حصة من لم يوجد على من وجد، كأن وجد فيهم فقراء، ومساكين، وغارمون، ولم يوجد غيرهم، فقسم الثمانية الأسهم على ثلاثة أسهم... فأهل السهمان يجمعهم أنهم أهل حاجة إلى مالهم منها كلهم، وأسباب حاجاتهم مختلفة، وكذلك أسباب استحقاقهم بمعَانٍ مختلفة، يجمعها الحَاجَةُ، ويفرق بينها صفاتها. (الأم: 2/83. ون الأم: 2/71 و 4/126 و 7/23. ومختصر المزني ص: 155. وأحكام الشافعي: 1/160-161.)...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: لا تنال الصدقات إلا للفقراء والمساكين ومن سماهم الله جلّ ثناؤه.
ثم اختلف أهل التأويل في صفة الفقير والمسكين؛
فقال بعضهم: الفقير: المحتاج المتعفف عن المسألة، والمسكين: المحتاج السائل... وقال آخرون: الفقير هو ذو الزمانة من أهل الحاجة، والمسكين: هو الصحيح الجسم...
وقال آخرون: الفقراء فقراء المهاجرين، والمساكين: من لم يهاجر من المسلمين وهو محتاج...
وقال آخرون: المسكين: الضعيف الكَسْب... وقال بعضهم الفقير من المسلمين والمسكين أهل الكتاب...
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: الفقير: هو ذو الفقر أو الحاجة ومع حاجته يتعفف عن مسألة الناس والتذلل لهم في هذا الموضع، والمسكين: هو المحتاج المتذلل للناس بمسألتهم. وإنما قلنا إن ذلك كذلك وإن كان الفريقان لم يعطيا إلا بالفقر والحاجة دون الذلة والمسكنة، لإجماع الجميع من أهل العلم أن المسكين إنما يعطى من الصدقة المفروضة بالفقر، وأن معنى المسكنة عند العرب: الذلة، كما قال الله جلّ ثناؤه:"وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالمَسْكَنَةُ" يعني بذلك الهون، والذلة لا الفقر. فإذا كان الله جلّ ثناؤه قد صنف من قسم له من الصدقة المفروضة قسما بالفقر فجعلهم صنفين، كان معلوما أن كل صنف منهم غير الآخر. وإذ كان ذلك كذلك كان لا شكّ أن المقسوم له باسم الفقير غير المقسوم له باسم الفقر والمسكنة، والفقير المعطى ذلك باسم الفقير المطلق هو الذي لا مسكنة فيه، والمعطى باسم المسكنة والفقر هو الجامع إلى فقره المسكنة، وهي الذلّ بالطلب والمسألة.
فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه: إنما الصدقات للفقراء المتعفف منهم الذي لا يسأل، والمتذلل منهم الذي يسأل، وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك خبر.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ المِسْكِينُ بالّذِي تَرُدّهُ اللّقْمَةُ وَاللّقْمَتانِ والتّمْرَةُ والتّمْرَتانِ، إنّمَا المسْكِينُ المُتَعَفّفُ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ لا يَسْألونُ النّاسَ إلْحافا».
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّمَا المِسْكِينُ المُتَعَفّفُ» على نحو ما قد جرى به استعمال الناس من تسميتهم أهل الفقر مساكين، لا على تفصيل المسكين من الفقير. ومما ينبئ عن أن ذلك كذلك، انتزاعه صلى الله عليه وسلم لقول الله: «اقرءوا إن شِئتم لا يَسأَلُونَ النّاسَ إلْحافا» وذلك في صفة من ابتدأ الله ذكره ووصفه بالفقر، فقال "للْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التّعَفّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسأَلُونَ النّاسَ إلْحافا".
وقوله: "وَالعامِلِينَ عَلَيْها": وهم السعاة في قبضها من أهلها، ووضعها في مستحقيها يعطون ذلك بالسعاية، أغنياء كانوا أو فقراء...
ثم اختلف أهل التأويل في قدر ما يُعْطَى العامل من ذلك؛
فقال بعضهم: يُعْطَى منه الثمن...
وقال آخرون: بل يعطى على قدر عمالته...
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يعطى العامل عليها على قدر عمالته أجر مثله.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه لم يقسم صدقة الأموال بين الأصناف الثمانية على ثمانية أسهم، وإنما عرّف خلقه أنّ الصدقات لن تجاوز هؤلاء الأصناف الثمانية إلى غيرهم. وإذ كان كذلك بما سنوضح بعد وبما قد أوضحناه في موضع آخر، كان معلوما أن من أُعطي منها حقا، فإنما يعطى على قدر اجتهاد المعطي فيه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان العامل عليها إنما يعطى على عمله لا على الحاجة التي تزول بالعطية، كان معلوما أن الذي أعطاه من ذلك إنما هو عوض من سعيه وعمله، وأن ذلك إنما هو قدر يستحقه عوضا من عمله الذي لا يزول بالعطية وإنما يزول بالعزل.
وأما المؤلّفة قلوبهم، فإنهم قوم كانوا يُتألّفون على الإسلام ممن لم تصحّ نصرته استصلاحا به نفسه وعشيرته، كأبي سفيان بن حرب وعيينة بن بدر والأقرع بن حابس، ونظرائهم من رؤساء القبائل...
ثم اختلف أهل العلم في وجود المؤلفة اليوم وعدمها، وهل يعطى اليوم أحد على التألف على الإسلام من الصدقة؟
فقال بعضهم: قد بطلت المؤلّفة قلوبهم اليوم، ولا سهم لأحد في الصدقة المفروضة إلا لذي حاجة إليها وفي سبيل الله أو لعامل عليها.. وقال آخرون: المؤلفة قلوبهم في كلّ زمان، وحقهم في الصدقات... والصواب من القول في ذلك عندي: أن الله جعل الصدقة في معنيين: أحدهما سدّ خلة المسلمين، والآخر معونة الإسلام وتقويته؛ فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه فإنه يعطاه الغنيّ والفقير، لأنه لا يعطاه من يعطاه بالحاجة منه إليه وإنما يعطاه معونة للدين، وذلك كما يعطى الذي يعطاه بالجهاد في سبيل الله، فإنه يعطى ذلك غنيا كان أو فقيرا للغزو لا لسدّ خلته. وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء، استصلاحا بإعطائهموه أمر الإسلام وطلب تقويته وتأييده. وقد أعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم من أعطى من المؤلفة قلوبهم، بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وعزّ أهله، فلا حجة لمحتجّ بأن يقول: لا يتألف اليوم على الإسلام أحد لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم وقد أعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم من أعطى منهم في الحال التي وصفت.
وأما قوله: "وفِي الرّقابِ "فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه؛
فقال بعضهم، وهم الجمهور الأعظم: هم المكاتبون، يعطون منها في فكّ رقابهم... والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: عنى بالرقاب في هذا الموضع المكاتبون، لإجماع الحجة على ذلك فإن الله جعل الزكاة حقا واجبا على من أوجبها عليه في ماله يخرجها منه، لا يرجع إليه منها نفع من عرض الدنيا ولا عوض، والمعتق رقبة منها راجع إليه ولاء من أعتقه، وذلك نفع يعود إليه منها.
وأما الغارمون: فالذين استدانوا في غير معصية الله، ثم لم يجدوا قضاء في عين ولا عرض...
عن مجاهد، قال: الغارمون: من احترق بيته، أو يصيبه السيل فيذهب متاعه، ويدّان على عياله فهذا من الغارمين...
وأما قوله: "وفِي سَبِيلِ اللّهِ" فإنه يعني: وفي النفقة في نصرة دين الله وطريقه وشريعته التي شرعها لعباده بقتال أعدائه، وذلك هو غزو الكفار...
وأما قوله: "وَابْنِ السّبِيلِ": فالمسافر الذي يجتاز من بلد إلى بلد، والسبيل: الطريق، وقيل للضارب فيه ابن السبيل للزومه إياه... وكذلك تفعل العرب، تسمي اللازم للشيء يعرف بابنه...
وقوله: "فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ" يقول جلّ ثناؤه: قسم قسمه الله لهم، فأوجبه في أموال أهل الأموال لهم، والله عليم بمصالح خلقه فيما فرض لهم وفي غير ذلك لا يخفى عليه شيء، فعلى علم منه فرض ما فرض من الصدقة وبما فيها من المصلحة، حكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
واختلف أهل العلم في كيفية قسم الصدقات التي ذكرها الله في هذه الآية، وهل يجب لكل صنف من الأصناف الثمانية فيها حقّ أو ذلك إلى ربّ المال، ومن يتولى قسمها في أن له أن يعطي جميع ذلك من شاء من الأصناف الثمانية؟ فقال عامة أهل العلم: للمتولي قسمها ووضعها في أيّ الأصناف الثمانية شاء، وإنما سمى الله الأصناف الثمانية في الآية إعلاما منه خلقه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف الثمانية إلى غيرها، لا إيجابا لقسمها بين الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء} قصر لجنس الصدقات على الأصناف المعدودة وأنها مختصة بها، لا تتجاوزها إلى غيرها، كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم... فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها وأن تصرف إلى بعضها،... والرقاب: المكاتبون يعانون منها، وقيل: الأسارى، وقيل: تبتاع الرقاب فتعتق. {والغارمين} الذين ركبتهم الديون ولا يملكون بعدها ما يبلغ النصاب. وقيل: الذين تحملوا الحمالات فتداينوا فيها وغرموا. {وَفِى سَبِيلِ الله} فقراء الغزاة والحجيج المنقطع بهم. {وابن السبيل} المسافر المنقطع عن ماله فهو فقير حيث هو غنيّ حيث ماله. {فَرِيضَةً مّنَ الله} في معنى المصدر المؤكد، لأن قوله إنما الصدقات للفقراء معناه فرض الله الصدقات لهم... فإن قلت: لم عدل عن اللام إلى «في» في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأن «في» للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها ومصباً، وذلك لما في فكّ الرقاب من الكتابة أو الرقّ أو الأسر، وفي فكّ الغارمين من الغرم من التخليص والإنقاذ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال، وتكرير «في» في قوله: {وَفِى سَبِيلِ الله وابن السبيل} فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين. فإن قلت: فكيف وقعت هذه الآية في تضاعف ذكر المنافقين ومكايدهم؟ قلت: دلّ بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم، حسماً لأطماعهم وإشعاراً باستيجابهم الحرمان، وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها، فما لهم وما لها؟ وما سلطهم على التكلم فيها ولمز قاسمها صلوات الله عليه وسلامه؟...
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
فِيهَا ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ من أُمَّهَاتِ الْآيَاتِ، إنَّ اللَّهَ بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ، وَأَحْكَامِهِ الْمَاضِيَةِ الْعَالِيَةِ، خَصَّ بَعْضَ النَّاسِ بِالْأَمْوَالِ دُونَ الْبَعْضِ، نِعْمَةً مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ شُكْرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إخْرَاجَ سَهْمٍ يُؤَدُّونَهُ إلَى مَنْ لَا مَالَ لَهُ، نِيَابَةً عَنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَا ضَمِنَهُ بِفَضْلِهِ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا من دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}؛ وَقَدَّرَ الصَّدَقَاتِ عَلَى حَسَبِ أَجْنَاسِ الْأَمْوَالِ، فَجَعَلَ فِي النَّقْدَيْنِ رُبْعَ الْعُشْرِ، وَجَعَلَ فِي النَّبَاتِ الْعُشرَ، وَمَعَ تَكَاثُرِ الْمُؤْنَةِ نِصْفَ الْعُشْرِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي مَعْنَى تَسْمِيَتِهَا صَدَقَةً: وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ من الصِّدْقِ فِي مُسَاوَاةِ الْفِعْلِ لِلْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا. وَبِنَاءُ (ص د ق) يَرْجِعُ إلَى تَحْقِيقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ وَعَضده بِهِ، وَمِنْهُ صَدَاقُ الْمَرْأَةِ؛ أَيْ تَحْقِيقُ الْحِلِّ وَتَصْدِيقُهُ بِإِيجَابِ الْمَالِ وَالنِّكَاحِ عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ.
وَيُخْتَلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِتَصْرِيفِ الْفِعْلِ، يُقَالُ: صَدَّقَ فِي الْقَوْلِ صَدَاقًا وَتَصْدِيقًا، وَتَصَدَّقَتْ بِالْمَالِ تَصَدُّقًا، وَأَصْدَقَتْ الْمَرْأَةُ إصْدَاقًا. وَأَرَادُوا بِاخْتِلَافِ الْفِعْلِ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمَعْنَى الْمُخْتَصِّ بِهِ فِي الْكُلِّ. وَمُشَابَهَةُ الصِّدْقِ هَاهُنَا لِلصَّدَقَةِ أَنَّ مَنْ أَيْقَنَ من دِينِهِ أَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ، وَأَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ هِيَ الْمَصِيرُ، وَأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الدَّانِيَةَ قَنْطَرَةٌ إلَى الْأُخْرَى، وَبَابٌ إلَى السُّوأَى أَوْ الْحُسْنَى عَمِلَ لَهَا، وَقَدَّمَ مَا يَجِدُهُ فِيهَا؛ فَإِنْ شَكَّ فِيهَا أَوْ تَكَاسَلَ عَنْهَا وَآثَرَ عَلَيْهَا بَخِلَ بِمَالِهِ، وَاسْتَعَدَّ لِآمَالِهِ، وَغَفَلَ عَنْ مَآلِهِ. وَفِي كُتُبِ الذِّكْرِ تَحْقِيقُ ذَلِكَ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى {لِلْفُقَرَاءِ}: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أَفَادَتْ هَذِهِ اللَّامُ [فَقِيلَ] لَامُ الْأَجَلِ؛ كَقَوْلِك: هَذَا السَّرْجُ لِلدَّابَّةِ، وَالْبَابُ لِلدَّارِ؛ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذِهِ لَامُ التَّمْلِيكِ؛ كَقَوْلِك: هَذَا الْمَالُ لِزَيْدٍ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ...
وَالصَّدَقَةُ مَتَى أُطْلِقَتْ فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ صَدَقَةُ الْفَرْضِ. وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أُمِرْت أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ من أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ}. وَهَذَا نَصٌّ فِي ذِكْرِ أَحَدِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ قُرْآنًا وَسُنَّةً.
وَحَقَّقَ عُلَمَاؤُنَا الْمَعْنَى، فَقَالُوا: إنَّ الْمُسْتَحِقَّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ أُحَالَ بِحَقِّهِ لِمَنْ ضَمِنَ لَهُمْ رِزْقَهُمْ بِقَوْلِهِ: {وَمَا من دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}؛ فَكَانَ كَمَا لَوْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرو: إنَّ لِي حَقًّا عَلَى خَالِدٍ يُمَاثِلُ حَقَّك يَا عَمْرُو أَوْ يُخَالِفُهُ، فَخُذْهُ مِنْهُ مَكَانَ حَقِّك؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيَانًا لِمَصْرِفِ حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ لَا لِلْمُسْتَحِقِّ، وَالصِّنْفُ الْوَاحِدُ فِي جِهَةِ الْمَصْرِفِ وَالْمَحَلِّيَّةِ كَالْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ... وَتَحْقِيق الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْمُتَحَصِّلَ من أَصْنَافِ الْآيَةِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: وَهُمْ الْفُقَرَاءُ، وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَسَائِرُ الْأَصْنَافِ دَاخِلَةٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْهَا...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
لما ذكر [الله] تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي صلى الله عليه وسلم ولمزهم إياه في قَسْم الصدقات، بين تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يَكلْ قَسْمها إلى أحد غيره، فجزّأها لهؤلاء المذكورين، كما رواه الإمام أبو داود في سننه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم -وفيه ضعف- عن زياد بن نعيم، عن زياد بن الحارث الصُدَائي، رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له:"إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك"...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما أخبر عن لمزهم في الصدقات وقرر ما هو خير لهم إرشاداً إلى النجاة، علل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وبين أنه لا يفعل غيره لأنه الحق الذي لا يجوز في شرعه الأكمل غيره لمزوا أو تركوا زهدوا أو رغبوا فقال معبراً بأداة القصر على ما ذكر: {إنما الصدقات} أي هذا الجنس بجميع ما صدق من أفراده، والظاهر أنه قدم الأهم فالأهم، فلذا قال الشافعي: إن الفقير أشدهم حاجة لكونه ابتدأ به، فقال: {للفقراء} أي الذين لا شيء لهم أو لهم شيء يقع موقعاً من كفايتهم {والمساكين} أي الذين لا كفاية لهم بدليل {أما السفينة} [الكهف: 79] وأما {مسكيناً ذا متربة} [البلد: 16] فتقييده دل على أن المطلق بخلافه {والعاملين عليها} أي المؤتمنين في السعاية والولاية على جمعها {والمؤلفة قلوبهم} أي ليسلموا أو يسلم بسببهم غيرهم أو يثبتوا على إسلامهم... ولما فرغ من هذه الأصناف الأربعة الذين يعطون الصدقة في أيديهم يتصرفون فيها كيف شاؤوا، كما دل عليه التعبير باللام، ذكر الذين يعطون الصدقة لقضاء ما بهم كما دل عليه التعبير ب "في "فقال: {وفي الرقاب} أي والمكاتبين بسبب فك رقابهم من الرق {والغارمين} أي الذين استدانوا في غير معصية، يصرف ما يعطونه إلى قضاء ديونهم فقط {وفي} أي والمجاهدين في {سبيل الله} أي الذي له الأمر كله بالنفقة والحمل والإعانة بالسلاح وغير ذلك، ونقل القفال عن بعض الفقهاء أنه عمم السبيل فأجاز صرفه إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وعمارة المساجد ونحوها {وابن السبيل} وهو المسافر المنقطع عن بلده، يعطى ما يوصله إليه، ففيه إشارة إلى أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يفعل ما أدى إلى لمزهم له بسببه إلا بأمر حقاً، فإنا قد عينّا له أهل الصدقات فهو لا يعدل عنهم لشيء من الأشياء لأنه واقف عند ما يرضينا، فإن كانوا منهم أعطاهم وإلا منعهم رضي من رضي وسخط من سخط، وقد فرض ذلك، أو ثابتة للفقراء حال كونها {فريضة} كائنة {من الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لعلمه بأن في ذلك أعظم صلاح، وهذا كالزجر عن مخالفة الظاهر {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عليم} أي بالغ العلم بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب المؤمنين {حكيم*} أي فهو يجعل أفعاله من الإحكام بحيث لا يقدر غيره على نقضها؛ قال أبو حيان: "إنما" إن كانت وضعت للحصر فالحصر مستفاد من لفظها، وإن كانت لم توضع للحصر فالحصر مستفاد من الأوصاف إذ مناط الحكم بالوصف يقتضي التعليل به، والتعليل بالشيء يقتضي الاقتصار عليه. وحكمة الزكاة من جهة المالك أن المال محبوب لأنه يحصل المحبوب والتمادي في حبه يوجب الإعراض عن الله المعطي له، فكان من الحكمة تذكير المالك له بالمالك الحقيقي في أنه أوجب عليه إخراج طائفة منه ليكف منه انصباب النفس بالكلية إليه ويطهر النفس عن محبتها له ويطهره عن محض الإنفاق في الشهوات، ومن جهة الآخذ أنه لما اجتمعت حاجته إليه وحاجة -المالك- ولو احتمالاً- كان هناك سببان للتسلط على المال: أحدهما اكتساب المالك له، والثاني احتياج الآخذ إليه، فروعي السببان بقدر الإمكان، ورجح المالك بإبقاء الكثير، وصرف إلى الآخذ اليسير...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
لما كان طمع البشر في المال لا حد له، وقد يكون الغني أشد طمعاً فيه من الفقير، وكان ضعيف الإيمان لا يرضيه قسمة الرسول المعصوم له إذا لم يعطه ما يرضي طمعه، وكان غير المعصوم من أولياء الأمور ومن الأغنياء عرضة لاتباع الهوى في قسمة الصدقات، بين الله تعالى مصارفها بنص كتابه فقال: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} هذه الآية ناطقة بوجوب قصر الصدقات الواجبة -وهي زكاة النقود عيناً أو تجارة والأنعام والزرع والركاز والمعدن- على الأصناف السبعة أو الثمانية المنصوصة فيها دون غيرهم، وهي حجة على من لمز النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين بعدم إعطائهم منها وهم ليسوا منهم وقاطعة لأطماع أمثالهم، واللام في قوله {للفقراء} للملك وللاستحقاق أو بتقدير مفروضة كما يدل عليه قوله في آخر الآية {فريضة من الله} وسيأتي حكم سائر المعطوفات. وجمهور الفقهاء على أن الفقراء والمساكين صنفان مستقلان، وقد اختلفوا في تعريف كل منهما بما ذهب به بعضهم إلى أن الفقير أسوأ حالاً وأشد حاجة من المسكين، وبعضهم إلى العكس، وجعلوا ذلك من تقاليد المذاهب التي يتعصب لها بعضهم على بعض. ويرى بعض العلماء المستقلين أنهما قسمان لصنف واحد يختلفان بالوصف لا بالجنس، وهو المختار لنا، ولم يجمع الذكر الحكيم بينهما إلا في هذه الآية، ويكفي من دلالة العطف فيها على المغايرة ما اخترناه في تغايرهما في الوصف. فالفقير في اللغة خلاف الغني ومقابله مقابلة التضاد كما يدل عليه قوله تعالى: {إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما} [النساء:135]، وقوله: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} [النور: 32]، والغني المطلق هو الله تعالى وكل عباده فقير إليه، كما قاله: {والله الغني وأنتم الفقراء} [محمد: 38]، وأما فقر الناس بعضهم إلى بعض فهو أمر نسبي، فما من غني إلا وهو مفتقر إلى غيره ممن فوقه وممن دونه أيضاً، ولكن ذكر الفقير في مقابلة الغني أو إطلاق ذكره يدل على المحتاج في معيشته إلى مواساة غيره لعدم وجود ما يكفيه بحسب حاله، ويطلق الفقير في اللغة على الكسير الفقار، ومن يشتكي فقاره وهي جمع فقرة وفقارة [بفتحهما] عظام الظهر المنضودة من لدن الكاهل إلى عجب الذنب في الصلب وهذا هو المعنى الأصلي، والمعنى الأول مأخوذ منه كما قيل. ومنه الفاقرة وهي الداهية والمصيبة التي تكسر فقار الظهر. وأما المسكين فمأخوذ من مادة السكون المراد به قلة الحركة والاضطراب الحسي من الضعف والعجز، أو النفسي من القناعة والصبر، وإنما يطلق على الفقير إذا كان الفقر سبب سكونه. قال في الصحاح: المسكين الفقير، وقد يكون بمعنى الذلة والضعف اه. وقال بعضهم: إنه الفقير القانع الذي لا يسأل، وقيل خلاف ذلك، والأول أولى.
وقالوا: إن لفظ المسكين يستعمل بمعنى الذليل والضعيف، وبمعنى المتواضع المخبت والخاشع لله تعالى، ومقابله والجعظري الجواظ المتكبر، ويقال سكن الرجل وتسكن وتمسكن إذا صار مسكيناً. ولكن صيغة تمسكن يدل على تكلف المسكنة ومحاولتها بالتخلق والتعود. وقال اللحياني: تمسكن لربه تضرع. وفي الحديث المرفوع (اللهم أحيني مسكيناً وتوفني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين) رواه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وصححه وأقره الذهبي ولكن ضعفه النووي، ورواه الترمذي من حديث أنس بسند ضعيف. وقال ابن الجوزي: إنه موضوع، وخطأه السيوطي، وفيه زيادة عند الحاكم وأخرى عند الترمذي، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يستعيذ بالله من الفقر، وقد امتن عليه ربه بقوله: {ووجدك عائلا فأغنى} [الضحى: 8]، فلا يعقل مع هذا أن يسأله أشد الفقر، وقد عاش صلى الله عليه وسلم مكفيا ومات مكفياً. وقال الفيروزأبادي: والمسكين من لا شيء له أو الفقير المحتاج. والمسكين من أذله الفقر أو غيره من الأحوال اه. قال شارحه: قال ابن عرفة: فإذا كانت مسكنته من جهة الفقر حلت له الصدقة، وكان فقيراً مسكيناً، وإذا كان مسكيناً قد أذله سوى الفقر فالصدقة لا تحل له، إذ كان شائعاً في اللغة أن يقال ضرب فلان المسكين وظلم المسكين وهو من أهل الثروة واليسار وإنما لحقه اسم المسكين من جهة الذلة، فمن لم تكن مسكنته من جهة الفقر فالصدقة عليه حرام اه. فعلم من هذا كله أن الفقير في اللغة المحتاج، وهو ضد الغني أي المكفي ما يحتاج إليه، من الغناء (بالفتح) وهو الكفاية، وأن المسكين وصف من السكون يوصف به الفقير وغيره. وقد اختلف العلماء فيه هل هو أسوأ حالا وأشد حاجه من الفقير أو أحسن كما تقدم؟ ويقال في الترجيح بين القولين زيادة عما قلناه في الحديث آنفا: إما أن يكون المسكين في الآية صنفاً مستقلاً مبايناً للفقير، وإما أن يكون أخص منه لأن المسكنة فيه وصف للفقير، كما ذكر الوجهين ابن عرفة وغيره، فإن كان صنفا مستقلا وجب أن يكون غير فقير؛ لأن وصف المسكنة فيه لم يكن له بسبب فقره بل بتواضعه وأدبه مثلا كما هو المراد بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه آنفا، فكيف يكون أسوأ من الفقير في شدة الحاجة التي يستحق بها الصدقة؟ وإن كان أخص من الفقير بوصف المسكنة التي كان سببها الفقر فلا يظهر أن يكون المراد بها شدة الفقر وسوء الحال فيه؛ لأن ذكر الفقراء في هذه الحالة يغني عن ذكر المساكين لأنه يشملهم بعمومه لهم، ويكون استحقاق الشديد الفقر للصدقة أولى من استحقاق من دونه فيه، فلا يصح في الكلام البليغ أن يقال أعط هذه الصدقة أو أطعم هذا الطعام للفقراء ولأشد الناس فقراً، لأن ذكر أشدهم فقرا بعد ذكر الفقراء يكون لغواً إلا أن يراد به الإضراب عما قبله، وحينئذ يقال: بل لأشدهم فقرا، ولا يظهر هنا إرادة التأكيد للاهتمام، فترجح أو تعين أن يراد بالمساكين من جعلتهم مسكنة الفقر أقل اضطراباً فيه، وأكثر تجملاً وسكوناً لخفته عليهم وعدم وصوله بهم إلى الدرجة التي لا تطلق ولا يمكن إخفاؤها بالتجمل، ولا يرد على هذا قوله تعالى: {أو مسكيناً ذا متربة} [البلد: 16]؛ لأن شدة الحاجة الملصقة بالتراب لا تنافي التجمل والتعفف، ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم {لا يسألون الناس إلحافا}، وفي لفظ (ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس) والحديث بلفظيه متفق عليه، وهو صريح فيما اخترناه، وإنما أطلنا في المسألة لتنفيد ما أطاله فيها كثير من المقلدين. فالفقراء في آية الصدقات هم المستحقون لها بفقرهم كما قال في آية سورة البقرة: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271]، وكما قال في مال الفيء من سورة البقرة {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً} [البقرة: 273] ثم خص المساكين من الفقراء بالذكر لأنهم ربما لا يفطن لهم لتجملهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن والياً وقاضياً: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) رواه الجماعة كلهم من حديث ابن عباس رضي الله عنه. وكرائم أموال الناس خيارها ونفائسها التي تضن الأنفس بها، فلا يجوز للحكام والعاملين على الصدقات أخذها في الصدقة لتعطى للفقراء، ولا بالرشوة المحرمة بالأولى. والمساكين يدخلون في عموم الفقراء في هذا الحديث وأمثاله كالآيات لغة، وحيث يذكر المسكين أو المساكين في القرآن يراد به ما يعم الفقراء بالتغليب أو بطريق الأولى، إذ ورد ذلك في الأمر بالإحسان بهم وفي كفارات الظهار واليمين وصيد الحرم والغنائم وصدقة التطوع، فهما صنفان لجنس أو نوع واحد من المستحقين. وجملة القول إن بين الفقير والمسكين عموماً وخصوصاً وجهياً في اللغة، وعموماً وخصوصاً مطلقا في استعمال الشرع للفظين في آية الصدقات الجامعة بينهما، وحيث ذكر أحدهما وحده يراد به ما يعم الآخر، فاللفظان مختلفان في مفهومهما متحدان فيما يصدقان عليه، وما يعطاه الفقير والمسكين من الصدقة يختلف باختلاف الأحوال، ومقدار المال، وهو خاص بالمسلمين بخلاف صدقة التطوع. {والعاملين عليها} أي الذين يوليهم الإمام أو نائبه العمل على جمعها من الأغنياء وهم الجباة، وعلى حفظها وهم الخزنة، وكذا الرعاة للأنعام منها، والكتبة لديوانها، ويجب أن يكونوا من المسلمين، يقال كان فلان عامل الإمام أو السلطان على بلد كذا أو على الزكاة أو الخراج، وفي الأساس: ويقال: من الذي عُمِّل [بالتشديد والبناء للمفعول] عليكم؟ أي نصب عاملاً عليكم اه وقال في أول المادة: تقول أعط العامل عمالته، ووفه جعالته، وهو بالضم فيهما جزاء العمل وأجرته المعينة. وقال الجوهري: رزق العامل على عمله، ولا يشترط في العامل على الصدقات أن يكون مستحقا للصدقة بفقره مثلاً، ولكن إن وجد من هو أهل للعمل من المستحقين يكون أولى من غيره، وإنما عمالته على عمله لا على فقره، فإن لم تكفه كان له أن يأخذ بفقره ما يأخذه أمثاله، وإن كانت زائدة على حاجته أو كان غير محتاج فله أن يأكل منها ويهدي ويتصدق، وقد تجب عليه الزكاة بما يأخذه منها بشروطها من النصاب والحول، وقد يستغنى عنه فيسقط سهمه. ولا تجوز العمالة لمن تحرم عليهم الصدقة من آل الرسول صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم بالاتفاق، وكذا بنو المطلب، ودليله أن الفضل بن عباس والمطلب بن ربيعة بن عبد المطلب سألا النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمرهما على الصدقات بالعمالة كما يؤمر الناس فقال لهما: (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس)، وفي لفظ (لا تنبغي) بدل (لا تحل) رواه أحمد ومسلم. وروى أحمد والشيخان عن بسر بن سعيد أن ابن السعدي المالكي قال: استعملني عمر على الصدقة فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالة، فقلت: إنما عملت لله، فقال خذ ما أعطيت، فأني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني، فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق). {والمؤلفة قلوبهم} أي الجماعة الذين يراد تأليف قلوبهم بالاستمالة إلى الإسلام، أو التثبت فيه، أو بكف شرهم عن المسلمين، أو رجاء نفعهم في الدفاع عنهم أو نصرهم على عدو لهم، لا في تجارة وصناعة ونحوهما. فإن من يرى أن مخالفه في الدين مصدر نفع له يوشك أن يواده فإن لم يواده لم يحاده كالعدو الذي يخشى ضرره ولا يرجو نفعه. وذكر الفقهاء أن المؤلفة قلوبهم قسمان: كفار ومسلمون، والكفار ضربان والمسلمون أربعة، فمجموع الفريقين ستة، وهذا بيانهم بالتفصيل والاختصار: الأول: قوم من سادات المسلمين وزعمائهم لهم نظراء من الكفار إذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم، واستشهدوا له بإعطاء أبي بكر رضي الله عنه لعدي بن حاتم والزبرقان بن بدر مع حسن إسلامهما لمكانتهما في أقوامهما. الثاني: زعماء ضعفاء الإيمان من المسلمين مطاعون في أقوامهم يرجى بإعطائهم تثبيتهم وقوة إيمانهم ومناصحتهم في الجهاد وغيره، كالذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم العطايا الوافرة من غنائم هوازن، وهم بعض الطلقاء من أهل مكة الذين أسلموا، فكان منهم المنافق ومنهم ضعيف الإيمان، وقد ثبت أكثرهم بعد ذلك وحسن إسلامهم. الثالث: قوم من المسلمين في الثغور وحدود بلاد الأعداء، يعطون لما يرجى من دفاعهم عمن وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدو. وأقول: إن هذا العمل هو الرابطة، وهؤلاء الفقهاء يدخلونها في سهم سبيل الله كالغزو المقصود منها. وأولى منهم بالتأليف في زماننا قوم من المسلمين يتألفهم الكفار ليدخلوهم تحت حمايتهم أو في دينهم، فإننا نجد دول الاستعمار الطامعة في استعباد جميع المسلمين وفي ردهم عن دينهم يخصصون من أموال دولهم سهماً للمؤلفة قلوبهم من المسلمين، فمنهم من يؤلفونه لأجل تنصيره وإخراجه من حظيرة الإسلام، ومنهم من يؤلفونه لأجل الدخول في حمايتهم ومشاقة الدول الإسلامية والوحدة الإسلامية، ككثير من أمراء جزيرة العرب وسلاطينها!!أفليس المسلمون أولى بهذا منهم؟ الرابع: قوم من المسلمين يحتاج إليهم لجباية الزكاة ممن لا يعطيها إلا بنفوذهم وتأثيرهم إلا أن يقاتلوا فيختار بتأليفهم وقيامهم بهذه المساعدة للحكومة أخف الضررين وأرجح المصلحتين، وهذا سبب جزئي قاصر فمثله ما يشبه من المصالح العامة. الخامس: من الكفار من يرجى إيمانه بتأليفه واستمالته كصفوان بن أمية الذي وهب النبي صلى الله عليه وسلم له الأمان يوم فتح مكة، وأمهله أربعة أشهر لينظر في أمره بطلبه، وكان غائباً فحضر وشهد مع المسلمين غزوة حنين قبل أن يسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم استعار سلاحه منه لما خرج إلى حنين... السادس: من الكفار من يخشى شره فيرجى بإعطائه كف شره وشر غيره معه. قال ابن عباس: إن قوماً كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أعطاهم مدحوا الإسلام وقالوا هذا دين حسن، وإن منعهم ذموا وعابوا. وكان من هؤلاء أبو سفيان بن حرب وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس الذين تقدم في قسمة غنائم هوازن من تفسير هذه السورة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل. وعن أبي حنيفة أن سهم هؤلاء قد انقطع بإعزاز الله للإسلام، وهو قول للشافعي. واحتجوا بما روي أن مشركا جاء يلتمس من عمر مالا فلم يعطه، وقال: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29]، ولا حجة في هذا؛ بل قد يكون في غير الموضوع إذ لم يقل أحد أن كل مشرك يعطى لتأليفه. وقالوا أيضا: إن عيينة بن حصن والأقرع بن حابس جاءا يطلبان من أبي بكر رضي الله عنه أرضا فكتب لهما خطا بذلك فمزقه عمر رضي الله عنه وقال: هذا شيء كان يعطيكموه رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليفا لكم، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر، فقال: هو إن شاء، فقد وافقه، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة. وهذه الرواية لا تقتضي سقوط هذا السهم، وإنما ذلك اجتهاد من عمر بأنه ليس من المصلحة استمرار هذا التأليف لهذين الرجلين الطامعين وأمثالهما، بعد الأمن من ضرر ارتدادهما لو ارتدا، لأن الإسلام قد ثبت في أقوامهما حتى أنه لا يترتب على قتلهما لو ارتدا أدنى فتنة. واحتجوا أيضا بأنه لم ينقل أن عثمان وعليا أعطيا أحدا من هذا الصنف، وهذا لا يدل على سقوط السهم وإنما هو خبر سلبي لا حجة فيه، وقصارى ما يدل عليه أن الخليفتين لم يعرض لهما حاجة إلى تأليف أحد من الكفار لذلك، وهو لا ينافي ثبوته لمن احتاج إليه من الأئمة بعدهما. وأما من ادعى أنه منسوخ بالإجماع لما تقدم من عمل الخلفاء والسكوت عليه من سائر الصحابة فدعواه ممنوعة. لا الإجماع بثابت بما ذكر، ولا كونه حجة على نسخ الكتاب والسنة صحيحا، وإن اختلف فيه الأصوليون بما لا محل لذكره هنا. وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار: وقد ذهب إلى جواز التأليف العترة والجبائي والبلخي وابن بشر، وقال الشافعي: لا نتألف كافرا، فأما الفاسق فيعطى من سهم التأليف. وقال أبو حنيفة وأصحابه: قد سقط بانتشار الإسلام وغلبته، واستدلوا على ذلك بامتناع أبي بكر من إعطاء أبي سفيان وعيينة والأقرع وعباس بن مرداس. والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه، فإن كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب، فله أن يتألفهم، ولا يكون لفشو الإسلام تأثير؛ لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة اه. وهذا هو الحق في جملته، وإنما يجيء الاجتهاد في تفصيله من حيث الاستحقاق ومقدار الذي يعطى من الصدقات ومن الغنائم إن وجدت وغيرها من أموال المصالح، والواجب فيه الأخذ برأي أهل الشورى كما كان يفعل الخلفاء في الأمور الاجتهادية. وفي اشتراط العجز عن إدخال الإمام إياهم تحت طاعته بالغلب نظر، فإن هذا لا يطرد؛ بل الأصل فيه ترجيح الضررين وخير المصلحتين. {وفي الرقاب} أي وللصرف في إعانة المكاتبين من الأرقاء في فك رقابهم من الرق الذي هو من أكبر الإصلاح البشري المقصود من رحمة الإسلام، أو لشراء العبيد من قن ومبعّض وغير ذلك وإعتاقهم. والمختار الجمع بينهما كما قال الزهري. قال في منتقى الأخبار عند ذكر الوارد في هذا الصنف: وهو يشمل المكاتب وغيره. وقال ابن عباس: لا بأس أن يعتق من زكاة ماله. ذكره عنه أحمد والبخاري، وعن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويبعدني من النار، فقال: (أعتق النسمة، وفك الرقبة). فقال: يا رسول الله أوليسا واحدا؟ قال: (لا، عتق الرقبة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين بثمنها) رواه أحمد والدارقطني. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة، كلّ حق على الله عونه: الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح المتعفف) رواه الخمسة إلا أبا داود اه. ويعني بالخمسة: الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة. قال الشوكاني: حديث البراء قال في مجمع الزوائد رجاله ثقات، وحديث أبي هريرة، قال الترمذي: حسن صحيح. ثم قال: قد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: {وفي الرقاب}، فروي عن علي بن أبي طالب وسعيد بن جبير والليث والثوري والعترة والحنفية والشافعية وأكثر أهل العلم أن المراد به المكاتبون يعانون من الزكاة على الكتابة. وروي عن ابن عباس والحسن البصري ومالك وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد، وإليه مال البخاري وابن المنذر أن المراد بذلك أنها تشترى رقاب لتعتق. واحتجوا بأنها لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين لأنه غارم، وبأن شراء الرقبة لتعتق أولى من إعانة المكاتب لأنه قد يعان ولا يعتق؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولأن الشراء يتيسر في كل وقت بخلاف الكتابة. وقال الزهري: إنه يجمع بين الأمرين، وإليه أشار المصنف وهو الظاهر؛ لأن الآية تحتمل الأمرين. وحديث البراء المذكور فيه دليل على أن فك الرقاب غير عتقها، وعلى أن العتق وإعانة المكاتبين على مال الكتابة من الأعمال المقربة من الجنة والمبعدة من النار اه وهو الحق. {والغارمين} الظاهر أن هذا معطوف على قوله للفقراء والمساكين لأنه صرف لأشخاص موصوفين، لا على ما قبله وهو {في الرقاب} أي وللغارمين، وهم الذين عليهم غرامة من المال بديون ركبتهم وتعذر عليهم أداؤها، واشترط الفقهاء أن تكون الديون في غير معصية الله تعالى إلا إذا علم أن الغارم تاب إلى الله تعالى، وفي غير إسراف وسفاهة إلا إذا رشد فكانت مساعدته من الصدقة عونا له على رشده، وكذا الغارمون لإصلاح ذات البين، وقد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، وكانوا إذا علموا أن أحدهم التزم غرامة أو تحمل حمالة بادروا إلى معونته على أدائها وإن لم يسأل، وكانوا يعدون سؤال المساعدة على ذلك فخرا، لا ضعة وذلا. عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع) رواه أحمد وأبو داود. وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة فُسحت يأكلها صاحبها سحتا) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود. {وفي سبيل الله} هذا معطوف على قوله: {وفي الرقاب} لا على ما قبله؛ لأنه صرف في مصلحة عامة لا لأشخاص مستهم الحاجة. والسبيل الطريق، وسبيل الله الطريق الاعتقادي العملي الموصل إلى مرضاته ومثوبته كما تقدم مراراً. ولكثرة اقتران الجهاد والقتال الديني في القرآن بكونه في سبيل الله اتفقت المذاهب على أن الغزاة والمرابطين هم المقصودون بهذا الصنف من مستحقي الصدقات إما وحدهم- وهو قول الجمهور- وإما مع غيرهم مما يشمله عموم الإضافة في سبيل الله، على بحث في تخصيصه سيأتي قريبا. وقد جاء في التنزيل ذكر الهجرة في سبيل الله والضرب -أي السفر- في سبيل الله،والإنفاق في سبيل الله، والمخمصة [أي المجاعة] في سبيل الله، وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أن المراد بأصحاب هذا السهم هنا: الحجاج والعمار، وروي عن أحمد وإسحاق بن راهويه أنهما جعلا الحج من سبيل الله. وفي كتاب المقنع من أشهر كتب الحنابلة في عد الأصناف ما نصه: السابع: في سبيل الله، وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم. ولا يعطى منها في الحج، وعنه -أي الإمام أحمد- يعطى الفقير قدر ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه اه. وقد ضعف فقهاء الحنابلة هذه الرواية بأنها خلاف المتبادر، وهو أن الفقير إنما يعطى لفقره ما يسد به حاجته وحاجة من يمونه ممن تجب عليه نفقتهم، والحج غير واجب عليه. ومذهب الشافعية كمذهب الحنابلة في أن سهم سبيل الله للغزاة غير المرتبين في ديوان السلطان سواء أكانوا أغنياء أم فقراء. ونص الشافعي في الأم: ويعطى في سبيل الله جل وعز من غزا من جيران الصدقة فقيراً كان أو غنياً، ولا يعطى منه غيرهم إلا أن يحتاج إلى الدفع عنهم فيعطاه من دفع عنهم المشركين اه... وقال الألوسي في تفسير الكلمة عند الحنفية: أريد بذلك عند أبي يوسف منقطعو الغزاة والحجيج. وقيل المراد طلبة العلم، واقتصر عليه في الفتاوى الظهيرية، وفسره في البدائع بجميع القرب، فيدخل فيه كل سعي في طاعة الله وسبل الخيرات. قال في البحر: ولا يخفى أن قيد الفقر لا بد منه على الوجوه كلها، فحينئذ لا تظهر ثمرته في الزكاة، وإنما تظهر في الوصايا والأوقاف اه. ونقول: إنه بهذا القيد أبطل كون سبيل الله صنفاً مستقلاً إذ أرجعه إلى الصنف الأول وهم الفقراء والمساكين اه. وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في أحكام القرآن: قوله: {وفي سبيل الله} قال مالك: سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافاً في أن المراد بسبيل الله ههنا الغزو من جملة سبيل الله [هكذا] إلا ما يؤثر عن أحمد وإسحاق فإنهما قالا: إنه الحج. والذي يصح عندي من قولهما أن الحج من جملة السبل مع الغزو لأنه طريق بر فأعطي منه باسم السبيل، وهذا يحل عقد الباب، ويخرم قانون الشريعة، وينثر سلك النظر، وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر. وقد قال علماؤنا: ويعطى منها الفقير بغير خلاف لأنه قد سمي في أول الآية، ويعطى الغني عند مالك بوصف سبيل الله تعالى كان غنياً في بلده أو في موضعه الذي يأخذ به لا يلتفت إلى غير ذلك من قوله الذي يؤثر عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة إلا لخمسة: غاز في سبيل الله)، وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا. وهذه زيادة على النص، وعنده أن الزيادة على النص نسخ ولا نسخ في القرآن إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر.
وقد بينا أنه فعل مثل هذا في الخمس في قوله: {ولذي القربى} فشرط في قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر وحينئذ يعطون من الخمس، وهذا كله ضعيف حسبما بيناه. وقال محمد بن عبد الحكم: يعطى من الصدقة في الكراع والسلاح وما يحتاج إليه من آلات الحرب وكف العدو عن الحوزة؛ لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته، وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة مائة ناقة في نازلة سهل بن أبي حثمة إطفاء للثائرة اه. وما قاله مالك وابن عبد الحكم من أصحابه من التعبير بالغزو بدل الغزاة، ومن الصرف في السلاح والكراع الخ هو الحق الظاهر من كون هذا السهم في المصلحة العامة لا لأشخاص الغزاة. وقال السيد حسن صديق في فتح البيان -وهو على مذهب أهل الحديث المستقلين بعد ذكر قول الجمهور أنهم الغزاة والمرابطون وإن كانوا أغنياء، وبعد ذكر الرواية المتقدمة عن ابن عمر وعن أحمد وإسحاق ما نصه: وقيل إن اللفظ عام فلا يجوز قصره على نوع خاص، ويدخل فيه جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد وغير ذلك. والأول أولى لإجماع الجمهور عليه اه. وقال في الروضة الندية: ومن جملة سبيل الله الصرف في العلماء الذين يقومون بمصالح المسلمين الدينية، فإن لهم في مال الله نصيباً سواء كانوا أغنياء أو فقراء. بل الصرف في هذه الجهة من أهم الأمور؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء وحملة الدين وبهم تحفظ بيضة الإسلام وشريعة سيد الأنام، وقد كان علماء الصحابة يأخذون من العطاء ما يقوم بما يحتاجون إليه مع زيادات كثيرة يتفوضون بها في قضاء حوائج من يرد عليهم من الفقراء وغيرهم، والأمر في ذلك مشهور... {وابن السبيل} اتفقوا على أنه المنقطع عن بلده في سفر لا يتيسر له فيه شيء من ماله إن كان له مال، فهو غني في بلده، فقير في سفره، فيعطى لفقره العارض ما يستعين به على العودة إلى بلده، وهو من عناية الإسلام بالسياحة بالإعانة عليها ولا يعرف مثله في دين ولا شرع آخر، واشترطوا أن يكون سفره في طاعة أو في غير معصية على الأقل، ولكن اختلفوا في السفر المباح كالتنزه لا الاستشفاء، وإنما أخذ هذا الشرط من قواعد الدين العامة كالتعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان، ومن الطاعة في السفر كونه بقصد ما أرشد إليه الوحي من النظر في آيات الله وسننه في الأمم كما فصلناه في الأصلين 13 و14 من خلاصة تفسير سورة الأنعام (ج 8 تفسير)، وقلما يوجد غني يسافر في أمصار الحضارة في العصر لا يقدر على جلب المال من بلده إلى بلد آخر.
{فريضة من الله} أي فرض الله لهم ذلك، أو هذه الصدقات فريضة منه تعالى فليس لأحد فيها رأي، أو تقدير الكلام، إنما الصدقات لمن ذكر من أصناف المحتاجين وفيما ذكر من مصالح الأمة حال كونها مفروضة لهم من الله تعالى. {والله عليم حكيم} عليم بحال عباده ومصالحهم، حكيم فيما يشرعه لهم، فهو لتطهير أنفسهم وتزكيتها بما يحمل عليها من الإخلاص والشكر له وإرضائه بنفع عباده، كما قال فيما سيأتي في هذه السورة {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103]، وهو حجة على نفاة المصالح في أفعال الله وأحكامه. هذا ما فتح علينا في معنى الآية، ونعززه بمباحث في نظمها وأحكامها وحكمها، ومدارك الأئمة، وما تقتضيه مصالح الأمة، وحالة هذا العصر فيها، فنقول:
- مصارف الصدقات قسمان: أشخاص ومصالح. علم مما تقدم أن مصارف الصدقات في الآية قسمان:
أحدهما: أصناف من الناس يملكونها تمليكاً بالوصف المقتضي للتمليك وعبر عنه بلام الملك.
وثانيهما: مصالح عامة اجتماعية ودولية لا يقصد بها أشخاص يملكونها بصفة قائمة فيهم وعبر عنه بفي الظرفية وهو قوله تعالى: {وفي الرقاب} وقوله: {وفي سبيل الله}.
والأول الفقراء والمساكين يستحقونها بفقرهم ما داموا فقراء، والعاملون عليها يستحقونها بعملهم وإن كانوا أغنياء، والمؤلفة قلوبهم يستحقها منهم من ثبت عند أولي الأمر الحاجة إلى تأليفه، والغارمون بقدر ما يخرجهم من غرمهم، وابن السبيل بقدر ما يساعده على العود إلى أهله وماله- وهذا في معنى الفقير، ولكن قد يكون فقره عارضاً بسبب السياحة.
والقسم الثاني فك الرقاب وتحريرها وهي مصلحة عامة في الإسلام، وليس فيها تمليك لأشخاص معينين بوصف فيهم، وفي سبيل الله وهو يشمل سائر المصالح الشرعية العامة التي هي ملاك أمر الدين والدولة وأولها وأولاها بالتقديم الاستعداد للحرب بشراء السلاح وأغذية الجند وأدوات النقل وتجهيز الغزاة، وتقدم مثله عن محمد بن عبد الحكم. ولكن الذي يجهز به الغازي يعود بعد الحرب إلى بيت المال إن كان مما يبقى كالسلاح والخيل وغير ذلك، لأنه لا يملكه دائما بصفة الغزو التي قامت به؛ بل يستعمله في سبيل الله، ويبقى بعد زوال تلك الصفة منه في سبيل الله، بخلاف الفقير والعامل عليها والغارم والمؤلف وابن السبيل فإنهم لا يردون ما أخذوا بعد فقد الصفة التي أخذوه بها. ويدخل في عمومه إنشاء المستشفيات العسكرية وكذا الخيرية العامة، وإشراع الطرق وتعبيدها، ومد الخطوط الحديدية العسكرية لا التجارية، ومنها بناء البوارج المدرعة والمناطيد والطيارات الحربية والحصون والخنادق. ومن أهم ما ينفق في سبيل الله في زماننا هذا إعداد الدعاة إلى الإسلام وإرسالهم إلى بلاد الكفار من قبل جمعيات منظمة تمدهم بالمال الكافي كما يفعله الكفار في نشر دينهم. وقد بينا تفصيل هذه المصلحة العظيمة في تفسير قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} [آل عمران: 104] الآية، ويدخل فيه النفقة على المدارس للعلوم الشرعية وغيرها مما تقوم به المصلحة العامة. وفي هذه الحالة يعطى منها معلمو هذه المدارس ما داموا يؤدون وظائفهم المشروعة التي ينقطعون بها عن كسب آخر. ولا يعطى عالم غني لأجل علمه، وإن كان يفيد الناس به. والترتيب في هذه الأصناف لبيان الأحق فالأحق للصدقات على القاعدة الغالبة عند فصحاء العرب في تقديم الأهم فالأهم على ما دونه في الموضوع، وإن كانت الواو لا تفيد الترتيب في معطوفاتها، فالفقراء والمساكين أحق من غيرهم بهذه الصدقات، لأنهم المقصودون بها أولاً وبالذات، بدليل الحديث المتقدم (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)، ويليهم العاملون عليها لأنهم هم الذين يقومون بجمعها وحفظها، وقال بعض الفقهاء: إنهم أول من يعطى عمالته منها إلا إذا كان لهم رواتب من بيت المال أو رأى ولي الأمر إعطاءهم عمالتهم منه، ويليهم المؤلفة قلوبهم عند الحاجة إليهم وهم يعطون من الغنائم أيضاً، فالحاجة إليهم عارضة لا كالعاملين على الصدقات، ويليهم مصلحة فك الرقاب والعتق وهي من المصالح الاجتماعية الكمالية لا الضرورية، فإن تأخيرها لا يرهق معوزاً كالفقير، ولا يضيع مصلحة تشتد الحاجة إليها كتأليف القلوب، ويليها مساعدة الغارم على الخروج من غرمه، فهو دون مساعدة الرقيق على الخروج من رقه، ويليهم المصلحة العامة المعبر عنها بسبيل الله، فهي من قبيل العام الذي يراد به ما وراء ذلك الخاص مما قبلها الذي تكثر الحاجة إليه، وأما ابن السبيل فهو دون جميع ما قبله لندرة وجوده. ولولا إرادة الترتيب لذكر المستحقون من الأفراد بأوصافهم التي اشتقت منها ألقابهم نسقاً (وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون وابن السبيل) ثم ذكرت بعدهم المصالح الذي أدخل عليها «في» وهي الرقاب وسبيل الله. وليس المراد من هذا الترتيب أن كل صنف يحجب ما دونه حجب حرمان أو نقصان كترتيب الوارثين، وإنما يظهر اعتباره في حال قلة المال، فالمتجه حينئذ أنه يقدم فيه الأهم -وهو الفقراء والمساكين- ولكن بعد سهم العاملين عليها إن كانوا هم الذين جمعوها ولم ير الإمام إعطاءهم عمالتهم من بيت المال، وسيأتي ذكر خلاف العلماء في قسمتها في المسألة الثالثة من هذه المباحث. هذا ما نفهمه من الآية عند قراءتها، ولكننا بعد أن كتبنا ما فهمناه راجعنا الكشاف الذي يعنى بهذه النكت الدقيقة قرأنا له رأيا آخر في نكتة اختلاف التعبير من حيث تقسيم الأصناف إلى القسمين يخالف رأينا من بعض الوجوه قال: فإن قلت: لم عدل عن اللام إلى «في» في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره؛ لأن «في» للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها ومصبا، وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق والأسر، وفي فك الغارمين من الغرم، من التخليص والإنقاذ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال. وتكرير «في» في قوله {وفي سبيل الله وابن السبيل} فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين اه. وقد ذكر أحمد بن المنير في [الانتصاف] نكتة أخرى هي أقرب إلى ما قلناه قال: وثم سر آخر هو أظهر وأقرب، وذلك أن الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم، وإنما يأخذونه ملكاً، فكان دخول اللام لائقاً بهم، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم؛ بل ولا يصرف إليهم، ولكن في مصالح تتعلق بهم، فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون والبائعون فليس نصيبهم مصروفا إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بتملكهم لما يصرف نحوهم، وإنما هم محال لهذا الصرف والمصلحة المتعلقة به. وكذلك الغارمون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصا لذممهم لا لهم. وأما سبيل الله فواضح فيه ذلك. وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجاً في سبيل الله وإنما أفرد بالذكر تنبيهاً على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعاً، وعطفه على المجرور باللام ممكن، ولكنه على القريب منه أقرب والله أعلم. وكان جدي أبو العباس أحمد بن فارس الفقيه الوزير استنبط من تغاير الحرفين المذكورين وجهاً في الاستدلال لمالك على أن الغرض بيان المصرف واللام لذلك لام الملك، فيقول: متعلق الجار الواقع خبراً عن الصدقات محذوف فيتعين تقديره، فإما أن يكون التقدير إنما الصدقات مصروفة للفقراء كقول مالك، أو مملوكة للفقراء كقول الشافعي، لكن الأول متعين لأنه تقدير يكتفى به في الحرفين جميعاً يصح تعلق اللام به وفي معاً، فيصح أن تقول: هذا الشيء مصروف في كذا ولكذا بخلاف تقديره مملوكة فإنه إنما يلتئم مع اللام، وعند الانتهاء إلى«في» يحتاج إلى تقدير مصروفة ليلتئم بها فتقديره من اللام عام التعلق شامل الصحة متعين والله الموفق اه. وما قاله ابن المنير يوافق قولنا في الجملة، إلا أنه جعل سهم الغارمين من المصالح وهو محتمل، وما قلناه فيهم أظهر؛ لأنه لا يشترط أن يعطى كل ما يأخذونه لأرباب ديونهم ولا سيما الغارمين لإصلاح ذات البين، فما يعطونه مساعدة على ما يعطون غيرهم أو تعويض عما أعطوا. وأجاز الوجهين في ابن السبيل، وضعفه ظاهر فهو ممن يملكون سهمهم... 2 4- الزكاة المطلقة والمعينة، ومكانتها في الدين، وحكم دار الإسلام ودار الكفر أو الذبذبة فيها فرضت الزكاة المطلقة بمكة في أول الإسلام وترك أمر مقدارها ودفعها إلى شعور المؤمنين وأريحيتهم، ثم فرض مقدارها من كل نوع من أنواع الأموال في السنة الثانية من الهجرة على المشهور، وقيل في الأولى، ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، وكانت تصرف للفقراء كما قال تعالى في سورة البقرة {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271]، وقد نزلت في السنة الثانية، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) وتقدم. ثم نزلت هذه المصارف السبع أو الثمان في سنة تسع، فتوهم بعض العلماء أن فرض الزكاة كان في هذه السنة. والحكمة فيما ذكر أن تعيين المقادير وقيام أولي الأمر بتحصيلها وتوزيعها على من فرضت لهم وتعدد أصنافهم كل ذلك إنما وجد بوجود حكومة إسلامية تناط بها مصالح الأمة في دينها ودنياها في دار تسمى دار الإسلام؛ لأن أحكامه تنفذ فيها بسلطانه، وكانت أول دار للإسلام دار الهجرة؛ إذ كانت مكة دار كفر وحرب، لا ينفذ فيها للإسلام حكم، بل لم يكن لأحد من أهله فيها حرية الجهر بالصلاة إلا بحماية قريب أو جار من المشركين. وإمام المسلمين في دار الإسلام هو الذي تؤدى له صدقات الزكاة، وهو صاحب الحق بجمعها وصرفها لمستحقيها، ويجب عليه أن يقاتل الذين يمتنعون عن أدائها إليه كما فعل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنه فيمن منعوا الزكاة من العرب وقال: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها» وهو متفق عليه. فالزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام -بعد الشهادتين والصلاة المفروضة وأظهر آيات الإيمان، وتقدم في هذه السورة اشتراط أدائها في قبول إسلام الكفار وعدهم إخواناً للمسلمين في الدين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع المسلمين على أدائها، وأجمع المسلمون على كفر جاحدها ومستحل تركها، وقد بينا مكانة الزكاة في الإسلام ودلالتها على صدق الإيمان وضلال تاركيها في هذا الزمان في مواضع كثيرة من هذا التفسير. ولكن أكثر المسلمين لم يبق لهم في هذا العصر حكومات إسلامية تقيم الإسلام بالدعوة إليه والدفاع عنه، والجهاد الذي يوجبه وجوباً عينياً أو كفائياً، وتقيم حدوده، وتأخذ الصدقات المفروضة كما فرضها، وتضعها في مصارفها التي حددها، بل سقط أكثرهم تحت سلطة دول الإفرنج، وبعضهم تحت سلطة حكومات مرتدة عنه أو ملحدة فيه، ولبعض الخاضعين لدول الإفرنج رؤساء من المسلمين الجغرافيين اتخذهم الإفرنج آلات لإخضاع الشعوب لهم باسم الإسلام حتى فيما يهدمون به الإسلام، ويتصرفون بنفوذهم وأمرهم في مصالح المسلمين وأموالهم الخاصة بهم فيما له صفة دينية من صدقات الزكاة والأوقاف وغيرها، فأمثال هذه الحكومات لا يجوز دفع شيء من الزكاة لها مهما يكن لقب رئيسها ودينه الرسمي. وأما بقايا الحكومات الإسلامية التي يدين أئمتها ورؤساؤها بالإسلام ولا سلطان عليهم للأجانب في بيت مال المسلمين فهي التي يجب أداء الزكاة الظاهرة لأئمتها، وكذا الباطنة كالنقدين إذا طلبوها، وإن كانوا جائرين في بعض أحكامهم كما قال الفقهاء، وتبرأ ذمة من أداها إليهم وإن لم يضعوها في مصارفها المنصوصة في الآية الحكيمة بالعدل. والذي نص عليه المحققون كما في شرح المهذب وغيره أن الإمام أو السلطان إذا كان جائراً لا يضع الصدقات في مصارفها الشرعية فالأفضل لمن وجبت عليه أن يؤديها لمستحقيها بنفسه، إذا لم يطلبها الإمام أو العامل من قبله. 5 لا تعطى الزكاة للمرتدين، ولا للملاحدة والإباحيين: من المعلوم بالاختبار أنه قد كثر الإلحاد والزندقة في الأمصار التي أفسد التفرنج تربيتها الإسلامية وتعليم مدارسها، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن المرتد عن الإسلام شر من الكافر الأصلي، فلا يجوز أن يعطى شيئاً من الزكاة ولا من صدقة التطوع، وأما الكافر الأصلي غير الحربي فيجوز أن يعطى من صدقة التطوع دون الزكاة المفروضة. والملاحدة في أمثال هذه الأمصار أصناف: [منهم] من يجاهر بالكفر بالله إما بالتعطيل وإنكار وجود الخالق، وإما بالشرك بعبادته، ومنهم من يجاهر بإنكار الوحي وبعثة الرسل، أو بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم أو في القرآن أو في البعث والجزاء، ومنهم من يدعي الإسلام بمعنى الجنسية السياسية ولكنه يستحل شرب الخمر والزنا وترك الصلاة وغيرها من أركان الإسلام، فلا يصلي ولا يزكي ولا يصوم ولا يحج البيت الحرام مع الاستطاعة، وهؤلاء لا اعتداد بإسلامهم الجغرافي، فلا يجوز إعطاء الزكاة لأحد ممن ذكر، بل يجب على المزكي أن يتحرى بزكاته من يثق بصحة عقيدتهم الإسلامية وإذعانهم للأمر والنهي القطعيين في الدين، ولا يشترط في هؤلاء عدم اقتراف شيء من الذنوب، فإن المسلم قد يذنب ولكنه يتوب. ومن أصول أهل السنة أنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ولا ببدعة عملية أو اعتقادية هو فيها متأول لا جاحد للنص. وإن الفرق عظيم بين المسلم المذعن لأمر الله ونهيه إذا أذنب، والمستحل لترك الفرائض واقتراف الفواحش فهو يصر عليهما بدون شعور ما بأنه مكلف من الله بشيء، ولا بأنه قد عصاه وأنه يجب عليه أن يتوب إليه ويستغفره. ولا ينبغي إعطاء الزكاة لمن يشك المسلم في إسلامه. وما أدري ما يقول فيمن يراهم بعينه في المقاهي والحانات والملاهي يدخنون أو يسكرون في نهار رمضان حتى في وقت صلاة الجمعة، وربما كان الملهى تجاه مسجد من مساجد الجمعة؟ هل يعد هؤلاء من المسلمين المذنبين؟ أم من الملاحدة الإباحيين؟ مهما يكن ظنه فيهم فلا يعطهم من زكاة ماله شيئاً، بل يتحرى بها من يثق بدينه وصلاحه، إلا إذا علم أن في إعطاء الفاسق استصلاحاً له فيكون من المؤلفة قلوبهم.
التزام أداء الزكاة كاف لإعادة مجد الإسلام المال قوام الحياة الاجتماعية والملية أو ملاكها وقيام نظامها كما قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} [النساء: 5]، وإن الإسلام يمتاز على جميع الأديان والشرائع بفرض الزكاة فيه كما يعترف له بهذا حكماء جميع الأمم وعقلاؤها. ولو أقام المسلمون هذا الركن من دينهم لما وجد فيهم بعد أن كثرهم الله ووسع عليهم في الرزق فقير مدقع، ولا ذو غرم مفجع، ولكن أكثرهم تركوا هذه الفريضة فجنوا على دينهم وملتهم وأمتهم، فصاروا أسوأ من جميع الأمم حالاً في مصالحهم الملية والسياسية، حتى فقدوا ملكهم وعزهم وشرفهم، وصاروا عالة على أهل الملل الأخرى حتى تربية أبنائهم وبناتهم، فهم يلقونهم في مدارس دعاة النصرانية أو دعاة الإلحاد فيفسدون عليهم دينهم ودنياهم، ويقطعون روابطهم الملية والجنسية، ويعدونهم ليكونوا عبيداً أذلة للأجانب عنهم. وإذا قيل لهم: لماذا لا تؤسسون لأنفسكم مدارس كمدارس هؤلاء الرهبان والمبشرين؟ أو الملاحدة الإباحيين؟ قالوا: إننا لا نجد من المال ما يقوم بذلك. وإنما الحق أنهم لا يجدون من الدين والعقل وعلو الهمة والغيرة ما يمكنهم من ذلك، فهم يرون أبناء الملل الأخرى يبذلون للمدارس وللجمعيات الخيرية والسياسية ما لا يوجبه عليهم دينهم، وإنما أوجبته عليهم عقولهم وغيرتهم الملية والقومية ولا يغارون منهم، وإنما يرضون أن يكونوا عالة عليهم. تركوا دينهم، فضاعت بإضاعتهم له دنياهم {نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون} [الحشر: 19]. فالواجب على دعاة الإصلاح فيهم أن يبدؤوا بإصلاح من بقي فيه بقية من الدين والشرف بتأليف جمعية لتنظيم جمع الزكاة منهم، وصرفها قبل كل شيء في مصالح المرتبطين بهذه الجمعية دون غيرهم، ويجب أن يراعى في نظام هذه الجمعية أن لسهم المؤلفة قلوبهم مصرفا في مقاومة الردة والإلحاد، وأن لسهم فك الرقاب مصرفا في تحرير الشعوب المستعمرة من الاستعباد، إذا لم يكن له مصرف في تحرير الأفراد، وأن لسهم سبيل الله مصرفاً في السعي لإعادة حكم الإسلام، وهو أهم من الجهاد لحفظه في حال وجوده من عدوان الكفار، ومصرفاً آخر في الدعوة إليه والدفاع عنه بالألسنة والأقلام، إذا تعذر الدفاع عنه بالسيوف وبالأسنة وبألسنة النيران. ألا إن إيتاء جميع المسلمين أو أكثرهم للزكاة وصرفها بالنظام، كاف لإعادة مجد الإسلام، بل لإعادة ما سلبه الأجانب من دار الإسلام، وإنقاذ المسلمين من رق الكفار، وما هي إلا بذل العشر أو ربع العشر مما فضل عن حاجة الأغنياء. وإننا نرى الشعوب التي سادت المسلمين بعد أن كانوا سادتهم يبذلون أكثر من ذلك في سبيل أمتهم وملتهم، وهو غير مفروض عليهم من ربهم. وقد كثر تساؤل أذكياء المسلمين عن إحياء فريضة الزكاة وقوي استعداد أهل الغيرة للقيام به في هذا العصر، وكاد بعض أهل الأهواء يستغلون هذا الاستعداد لمنافعهم، فهل تجد من أهل الاستقامة من ينهض به نهضة تكون أهلاً لأن يثق بها العالم الإسلام ويعززها، قبل أن يقطع عليهم المنافقون والأعداء طريقها؟ طالما طالبنا العقلاء بالدعوة إلى هذا العمل الجليل، وما زلنا نسوف انتظاراً للأنصار الذين أشرنا إلى صفتهم، وقد اضطررنا إلى التصريح بالاقتراح هنا قبل العثور عليهم. وسنعود إن شاء الله تعالى إلى بقية فوائد الزكاة وحكمها وأحكامها في تفسير آية {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] في أواخر هذه السورة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وبعد بيان هذا الأدب اللائق في حق اللّه وحق رسوله، تطوعاً ورضا وإسلاماً، يقرر أن الأمر -مع ذلك -ليس أمر الرسول؛ إنما هو أمر اللّه وفريضته وقسمته، وما الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من رب العالمين. فهذه الصدقات- أي الزكاة -تؤخذ من الأغنياء فريضة من اللّه، وترد على الفقراء فريضة من اللّه. وهي محصورة في طوائف من الناس يعينهم القرآن، وليست متروكة لاختيار أحد، حتى ولا اختيار الرسول: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل اللّه وابن السبيل. فريضة من اللّه واللّه عليم حكيم).. وبذلك تأخذ الزكاة مكانها في شريعة اللّه، ومكانها في النظام الإسلامي، لا تطوعاً ولا تفضلا ممن فرضت عليهم. فهي فريضة محتمة. ولا منحة ولا جزافاً من القاسم الموزع. فهي فريضة معلومة. إنها إحدى فرائض الإسلام تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدي بها خدمة اجتماعية محددة. وهي ليست إحساناً من المعطي وليست شحاذة من الآخذ.. كلا فما قام النظام الاجتماعي في الإسلام على التسول، ولن يقوم! إن قوام الحياة في النظام الإسلامي هو العمل- بكل صنوفه وألوانه -وعلى الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه، وأن تمكنه منه بالإعداد له، وبتوفير وسائله، وبضمان الجزاء الأوفى عليه، وليس للقادرين على العمل من حق في الزكاة، فالزكاة ضريبة تكافل اجتماعي بين القادرين والعاجزين، تنظمها الدولة وتتولاها في الجمع والتوزيع؛ متى قام المجتمع على أساس الإسلام الصحيح، منفذاً شريعة اللّه، لا يبتغي له شرعاً ولا منهجاً سواه. عن ابن عمر- رضي اللّه عنهما -قال: قال رسول اللّه- [صلى الله عليه وسلم] -:"لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي". وعن عبداللّه بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي -[صلى الله عليه وسلم]- يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، فرآهما جلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما. ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب". إن الزكاة فرع من فروع نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام. وهذا النظام أشمل وأوسع كثيراً من الزكاة؛ لأنه يتمثل في عدة خطوط تشمل فروع الحياة كلها، ونواحي الارتباطات البشرية بأكملها، والزكاة خط أساسي من هذه الخطوط: والزكاة تجمع بنسبة العشر ونصف العشر وربع العشر من أصل المال حسب أنواع الأموال. وهي تجمع من كل من يملك حوالي عشرين جنيهاً فائضة عن حاجته يحول عليها الحول. وبذلك يشترك في حصيلتها معظم أفراد الأمة. ثم تنفق في المصارف التي بينتها الآية هنا، وأول المستحق لها هم الفقراء والمساكين. والفقراء هم الذين يجدون دون الكفاية، والمساكين مثلهم ولكنهم هم الذين يتجملون فلا يبدون حاجتهم ولا يسألون. وإن كثيراً ممن يؤدون الزكاة في عام، قد يكونون في العام التالي مستحقين للزكاة. بنقص ما في أيديهم عن الوفاء بحاجاتهم. فهي من هذه الناحية تأمين اجتماعي. وبعضهم يكون لم يؤد شيئا في حصيلة الزكاة ولكنه يستحقها. فهي من هذه الناحية ضمان اجتماعي.. وهي قبل هذا وذاك فريضة من اللّه، تزكو النفس بأدائها وهي إنما تعبد بها اللّه، وتخلص من الشح وتستعلي عليه في هذا الأداء. (إنما الصدقات للفقراء والمساكين).. وقد سبق بيانهما. (والعاملين عليها).. أي الذين يقومون على تحصيلها. (والمؤلفة قلوبهم).. وهم طوائف، منهم الذين دخلوا حديثاً في الإسلام ويراد تثبيتهم عليه. ومنهم الذين يرجى أن تتألف قلوبهم فيسلموا. ومنهم الذين أسلموا وثبتوا ويرجى تأليف قلوب أمثالهم في قومهم ليثوبوا إلى الإسلام حين يرون إخوانهم يرزقون ويزادون.. وهناك خلاف فقهي حول سقوط سهم هؤلاء المؤلفة قلوبهم بعد غلبة الإسلام.. ولكن المنهج الحركي لهذا الدين سيظل يواجه في مراحله المتعددة كثيراً من الحالات، تحتاج إلى إعطاء جماعة من الناس على هذا الوجه؛ إما إعانة لهم على الثبات على الإسلام إن كانوا يحاربون في أرزاقهم لإسلامهم، وإما تقريباً لهم من الإسلام كبعض الشخصيات غير المسلمة التي يرجى أن تنفع الإسلام بالدعوة له والذب عنه هنا وهناك. ندرك هذه الحقيقة، فنرى مظهراً لكمال حكمة اللّه في تدبيره لأمر المسلمين على اختلاف الظروف والأحوال. (وفي الرقاب).. ذلك حين كان الرق نظاماً عالمياً، تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى بين المسلمين وأعدائهم. ولم يكن للإسلام بد من المعاملة بالمثل حتى يتعارف العالم على نظام آخر غير الاسترقاق.. وهذا السهم كان يستخدم في إعانة من يكاتب سيده على الحرية في نظير مبلغ يؤديه له، ليحصل على حريته بمساعدة قسطه من الزكاة. أو بشراء رقيق وإعتاقهم بمعرفة الدولة من هذا المال. (والغارمين).. وهم المدينون في غير معصية. يعطون من الزكاة ليوفوا ديونهم، بدلاً من إعلان إفلاسهم كما تصنع الحضارة المادية بالمدينين من التجار مهما تكن الأسباب! فالإسلام نظام تكافلي، لا يسقط فيه الشريف، ولا يضيع فيه الأمين، ولا يأكل الناس بعضهم بعضاً في صورة قوانين نظامية، كما يقع في شرائع الأرض أو شرائع الغاب! (وفي سبيل اللّه).. وذلك باب واسع يشمل كل مصلحة للجماعة، تحقق كلمة اللّه. (وابن السبيل).. وهو المسافر المنقطع عن ماله، ولو كان غنياً في بلده. هذه هي الزكاة التي يتقول عليها المتقولون في هذا الزمان، ويلمزونها بأنها نظام تسول وإحسان.. هذه هي فريضة اجتماعية، تؤدى في صورة عبادة إسلامية. ذلك ليطهر اللّه بها القلوب من الشح؛ وليجعلها وشيجة تراحم وتضامن بين أفراد الأمة المسلمة، تندّي جو الحياة الإنسانية، وتمسح على جراح البشرية؛ وتحقق في الوقت ذاته التأمين الاجتماعي والضمان الاجتماعي في أوسع الحدود. وتبقى لها صفة العبادة التي تربط بين القلب البشري وخالقه، كما تربط بينه وبين الناس: (فريضة من اللّه) الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية، ويدبر أمرها بالحكمة: (واللّه عليم حكيم)...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
وأخيرا تناول كتاب الله موضوع الزكاة بالتأصيل والتفصيل، وهي الصدقة التي فرضها الله على أغنياء المسلمين في أموالهم لترد على فقرائهم، حماية للمجتمع الإسلامي من عوامل الفرقة والانقسام، وتوجيها له نحو العدالة الاجتماعية والاقتصادية التي هي جزء لا يتجزأ من أصل "العدالة العامة "في الإسلام، فبين كتاب الله وجوب دفعها، وحدد وجوه صرفها، ولفت كتاب الله بذلك أنظار الجميع، إلى أن أمر الصدقات موكول إلى الله لا إلى غيره، فهو الذي أعلن حكمها، وهو الذي تولى قسمها، ولذلك فلا محل لأي لمز أو تقريع، فيما حدده لها من القسم والتوزيع، وذلك قوله تعالى هنا: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله، والله عليم حكيم}. قال القاضي أبو بكر "ابن العربي "ما خلاصته: "هذه الآية من أمهات الآيات فقد خص الله بعض الناس بالأموال دون البعض، نعمة منه عليهم، وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم من مالهم، يردونه إلى من لا مال له، نيابة عنه سبحانه فيما ضمنه بفضله للمحتاجين من رزق في قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلى على الله رزقها}، وقدر الصدقات على حسب أجناس الأموال، فجعل في النقدين ربع العشر، وجعل في النبات العشر، ومع تكاثر المئونة نصف العشر، و {الصدقة} متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض، ولفظ الصدقة مأخوذ من" الصدق "بمعنى مساواة الفعل للقول والاعتقاد، وبناء" ص د ق "يرجع إلى تحقيق شيء بشيء وعضده به، ومنه" صداق المرأة "أي تحقيق الحل وتصديقه بإيجاب المال والنكاح، على وجه مشروع، ومشابهة الصدق ها هنا للصدقة أن من أيقن من دينه أن البعث حق، وأن الدار الآخرة هي المصير، -وأن هذه الدار الدانية قنطرة إلى الأخرى، وباب إلى السوأى أو الحسنى –" مؤنث الأسوأ والأحسن "عمل لها، وقدم ما يجده فيها، فإن شك فيها أو تكاسل عنها وآثر عليها بخل بماله، وغفل عن مآله}. والآن فلنتحدث عن الألفاظ الواردة في هذا السياق لفظا لفظا حتى يتضح المعنى المراد، إذ كل لفظ منها يعبر عن صنف من أصناف المستحقين للزكاة: فلفظ" الفقراء "جمع فقير، وهو المحتاج المتعفف. ولفظ" المساكين "جمع مسكين، وهو المحتاج السائل، وهذا التفسير للاثنين منقول عن الإمام مالك في كتاب ابن سحنون. وجاء في حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المسكين ما هو فقال: (الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا). ولفظ" العاملين عليها "يراد به الجباة والسعاة الذين يذهبون لتحصيل الزكاة ويوكلون على جمعها...
ولفظ" المؤلفة قلوبهم "يشمل المسلم الذي يعطي ليحسن إسلامه ويزداد يقينه، والكافر الذي له ميل إلى الإسلام، فيعطي لتقوية ذلك الميل فيه حتى يسلم، تأثرا بعطاء المسلمين وإحسانهم، وفي حكمهما من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه، ومن يعطى ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد. وروي عن مالك أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم فحسن إسلامهم). ولفظ" الرقاب "المراد به شراء الرقاب وعتقها من الرق، وذلك هو ظاهر القرآن الكريم، فإن الله حيثما ذكر الرقبة في كتابه إنما أراد منها العتق. روى الإمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داوود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة حق على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتب" أي الرقيق "الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف). ولفظ" الغارمين "المراد به من ركبهم الدين ولا قدرة لهم على الوفاء به، اللهم إلا من تداين في سفاهة، فإنه لا يعطى من الزكاة ولا من غيرها، إلا أن يتوب، فإن مات من ركبه الدين في غير سفاهة قضي دينه من الزكاة، لأنه من الغارمين. ولفظ" في سبيل الله "قال الإمام مالك:"سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافا في أن المراد بسبيل الله ها هنا الغزو "الجهاد"، وقال محمد بن عبد الحكم:"يعطى من الصدقة – أي الزكاة – في الكراع والسلاح، وما يحتاج إليه من آلات الحرب وكف العدو عن الحوزة، لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته". ولفظ "ابن السبيل" المراد به من غاب عن بلده ومستقر ماله، وانقطعت به الأسباب فلم يجد ما ينفقه في سفره، ولو كان غنيا في بلده. قال مالك في كتاب ابن سحنون: "وليس يلزمه أن يدخل تحت منة أحد، وقد وجد منة الله ونعمته" قال ابن كثير: "وهذا الحكم يماثله حكم من أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه} إن لم يكن سفر معصية. وقوله تعالى: {فريضة من الله} أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه. وقوله تعالى: {والله عليم حكيم} أي عليم بظواهر الناس وبواطنهم، حكيم فيما يحكم به عليهم، حكيم فيما يشرعه لهم: {والله يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب}...
وأراد الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك أن يبين مصارف الصدقة حتى يعرف هؤلاء الراغبون في متاع الدنيا هذه المصارف ويتعرفوا إلى حقيقة الأمر، وليتبينوا هل هم يستحقون الصدقة أم لا، فقال جل جلاله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين و في سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60)}. وعندما تسمع كلمة {إنما} فافهم أنه يراد بها القصر، فإذا قلت: إنما الرجل زيد، أي: أنك قصرت الرجولة على زيد. وإن قلت: إنما الكريم حاتم، وتكون قد قصرت الكرم على حاتم. وقول الحق سبحانه وتعالى: {إنما الصدقات} معناها: أن الصدقات محصورة في هؤلاء ولا تتعداهم. فمن هم هؤلاء الذين حصر الحق سبحانه وتعالى فيهم الصدقة؟ وما المراد بالصدقة؟ هل هي صدقة التطوع أو الزكاة؟. نقول: ما دام الحق سبحانه وتعالى قد حدد لها مصارف فهي الزكاة، ولسائل أن يسأل: لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى الزكاة وقال الصدقة؟. ونقول: ألا ترى-في المجتمعات غير الإيمانية الملحدة- أن من الناس من يفكرون في إنشاء مؤسسات اجتماعية لرعاية الفقراء؟ إن عطف الإنسان على أخيه الإنسان هو أمر غريزي خلقه الله فينا جميعا، ولذلك كان يجب أن نفهم أن الزكاة صدقة، ولو لم يشرعها الله لكان يجب أن يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان. وحوادث الكون كلها تدل على صدق وصف الحق سبحانه وتعالى للزكاة بأنها صدقة؛ لأنها تأتي تطوعا من غير المؤمن وغير الملتزم بالتشريع، ويحس القادر بالسعادة وهو يعطي لغير القادر، وهي غريزة وضعها الله في خلقه ليخفف من الشقاء في الكون. وهنا يقول الحق: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} وقد احتار العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إن الفقير هو الذي لا يجد شيئا فهو معدم. والمسكين هو من يملك شيئا ولمنه لا يكفيه، على هذا يكون المسكين أحسن حالا من الفقير، واستندوا في ذلك إلى نص قرآني في قوله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر...
(79)} (الكهف). وما دام هؤلاء المساكين يملكون سفينة إذن فعندهم شيء يملكونه. ولمن العائد الذي تأتي به السفينة لا يكفيهم. ولكن بعض العلماء قالوا عكس ذلك، ورأوا أن المسكين هو من لا يملك شيئا مطلقا، والفقير هو الذي يجد الكفاف. وعلى هذا يكون الفقير أحسن حالا من المسكين، ولا أعتقد أن الدخول في هذا الجدل له فائدة؛ لأن الله أعطى الإثنين.. الفقير والمسكين. كلمة "فقير "معناها الذي أتعبت الحياة فقار ظهره أي فقرات ظهره، وحاله للتعبير عنه، والمسكين هو الذي أذهلته المسكنة. ثم يأتي بعد ذلك: {والعاملين عليها} أي: الذين يقومون بجمع الصدقات ويأخذونها ممن يعطيها ويضعنها في بيت المال، ونلاحظ هنا أن {والعاملين عليها} جاءت مطلقة، فلم تحدد هل يستحق الصدقة من كان يجمعها وهو فقير، أو من كان يجمعها وهو غير محتاج. ونقول: إن جمع الصدقة عمل، ولو قلنا: إن غير محتاج ويعمل في جمع الصدقة لا يجب أن يأخذ أجرا، هنا يصبح عمله لونا من التفضل، وما دام العمل تفضلا فلن يكون بنفس الكفاءة التي يعمل بها، إذا كان العمل بالأجر. وأيضا حتى لا يحرم المجتمع من جامع صدقة ذكي نشيط؛ لأنه غير محتاج، ولكن نعطيه أجرا ليكون مسئولا عن عمله، والمسؤولية لا تأتي إلا إذا ارتبطت بالأجر. والعامل على جمع الصدقة إنما يعمل لصالح الدولة الإيمانية، فهو يجمع الصدقات ويعطيها للحاكم أو الوالي الذي يوزعها. وفي هذا مصلحة لمجتمع المسلمين كله. خصوصا إن كانت الصدقة توزع من بيت المال فلا يتعالى أحد على أحد، ولا يذل أحد أمام أحد، وفي هذا حفظ لكرامة المؤمنين؛ لأن من يأخذ من غير بيت المال سيعاني من انكسار يده السفلى. ومن يعطي لغير بيت المال قد يكون في عطائه لون من تعالي صاحب اليد العليا، وكذلك فإن أولاد الفقير لن يروا أباهم وهو ذاهب إلى رجل غني ليأخذ منه الصدقة ويصاب بالذلة والانكسار. ولا يرى أولاد الغني هذا الفقير وهو يأتي إلى أبيهم ليأخذ منه الصدقة، فيتعالون على أبناء الفقير. فإن أخذ الفقراء الصدقة من بيت المال، كان ذلك صيانة لكرامة الجميع، وإن حدث خلاف بين غني وفقير فلن يقول الغني للفقير: أنا أعطيك كذا وكذا، أو يقول أولاد الغني لأولاد الفقير: لولا أبونا لمتم جوعا. إذن: فقد أراد الحق سبحانه بهذا النظام أن يمنع طغيان المعطي، ويمنع-أيضا- ذلة السؤال، فالكل يذهب إلى بيت المال ليأخذ أو يعطي. وحين يذهب الفقير ليأخذ من بيت المال بأمر من الوالي فلا غضاضة؛ لأن المحكومين تحت ولايته مسئولون منه. ثم يأتي الحق إلى فئة أخرى فيقول: {والمؤلفة قلوبهم} وهم من يريد الإسلام أن يستميلهم، أو على الأقل أن يكفروا آذاهم عن المسلمين. وكان المسلمون في الزمن الأول للإسلام ضعافا لا يقدرون على حماية أنفسهم. وعندما أعز الله دولة المسلمين بالقوة والعزة والمكانة، منع الخليفة عمر ابن الخطاب إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيبا من الزكاة؛ لأنه لم يجد أن قوة الإسلام تحتاج أحدا غير صحيحي الإيمان؛ لذلك لم يدخلهم عمر ابن الحطاب في فئات الزكاة. وقول الحق سبحانه: {والمؤلفة قلوبهم} يثير سؤالا: هل يؤلف القلب؟. نقول: نعم، فالإحسان يؤلف قلب الإنسان السوي، وكذلك يؤلف جوارح الإنسان غير السوي، فلا يتعدى على من أحسن إليه باللسان أو باليد. ثم يقول سبحانه: {وفي الرقاب} ومعناها العبيد الذين أسروا في حرب مشروعة. وكانت تصفية الرق من أهداف الإسلام؛ لذلك جعل من مصارف الزكاة تحرير العبيد. وبعض من الناس يدعون أن الإسلام لذلك جاء بالرق وأقره. ونقول: لم يأت الإسلام بالرق؛ لأن الرق كان موجودا قبيل البعثة المحمدية، وجاء الإسلام بالعتق ليصفي الرق، فجعل من فك الرقبة لبعض الذنوب. وجعل من مصارف الزكاة عتق العبيد. وقد نزل القرآن وقت أن كانت منابع الرق متعددة. وكان من المعتاد في تلك الأيام أن المدين الذي يعجز عن سداد ما عليه من دين، فالدائن يأخذه أحد أبنائه كعبد له. وإذا فعلت جناية، فالجاني يأخذ العفو من المجني عليه مقابل أن يعطيه أحد أولاده عبدا. وإذا سرق شيء فإن السارق لا يعاقب، بل يعطي أحد أولاده عبدا للمسروق منه وكان الأقوياء يستعبدون الضعفاء؛ فيخطفون نساءهم وأولادهم بالقوة ويبيعونهم في سوق الرقيق، وهكذا كانت منابع الرق في العالم متعددة، ولا يوجد إلا مصرف واحد هو إرادة السيد؛ إن شاء حرر وإن شاء لم يحرر. وقد كان الرق موجودا في أوروبا وفي آسيا وفي إفريقيا ووجد أيضا في أمريكا. إذن: كانت هناك منابع متعددة للرق؛ ومصرف واحد هو إرادة السيد، وقد كان الرق يتزايد، وجاء الإسلام والعالم غارق في الرق، لماذا؟. لأن الرق في ذلك الوقت كان يشبه حوضا تصب فيه صنابير متعددة، وليس له إلا بالوعة واحدة. ولم يعالج الإسلام المسألة طفرة واحدة، شأن معظم تشريعات الله، ولكنه عالجها على مراحل، تماما كتحريم الخمر حين بدأ التحريم بالمنع عند الصلاة، فقال الحق سبحانه وتعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون... (43)} (النساء) ثم حرمها تحريما قاطعا. وحين جاء الإسلام ليعالج قضية الرق ويحرر الإنسان من العبودية، بدأ بإغلاق مصادر الرزق وجعل المصدر الوحيد هو الحرب الإيمانية المشروعة من ولي الأمر. أما كل الوسائل والألوان الأخرى من أبواب الرق، كأن يتم استعباد أحد كعقوبة جنائية أو لعجزه عن تسديد دين أو غير ذلك، فقد أغلقها الإسلام بالتحريم. أما ناحية المصرف فلم يجعله مصرفا واحدا وهو إرادة السيد، بل جعله مصارف متعددة؛ فالذي يرتكب ذنبا يعرف أن الله لن يغفر له إلا إذا أعتق رقبة، ومن حلف يمينا ويريد أن يتحلل منها؛ يعتق رقبة. فإذا لم يفعل هذا كله أراد أن يحسن إحسانا يزده من أجره عند الله؛ أعتق رقبة. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13)} (البلد). وهكذا جعل الإسلام مصارف كثيرة لتصفية الرق حتى ينتهي في سنوات قليلة، ثم وضع بعد ذلك ما ينهي الرق فعلا، وإن لم ينه شكلا. فإذا كان عند أي سيد لون من الإصرار على أن يستبقي عبده، فلا بد أن يلبسه مما يلبس، ويطعمه مما يطعم، إن كلفه يعينه. وهكذا أصبح الفارق متلاشيا بين السيد وعبده. وحين ألغت بعض الدول الإسلامية الرق بالقانون، ذهب الرقيق إلى أسيادهم وقالوا: دعونا نعش معكم كما كنا. وهم قد فعلوا ذلك لأن حياتهم مع أسيادهم كانت طيبة. وهكذا ألغى الإسلام فوارق الرق كلها. وأصبحت مسألة شكلية لا تساوي شيئا. ولكن بعض الناس يتساءل: وماذا عن قول الحق سبحانه وتعالى: {وما ملكت أيمانكم... (36)} (النساء). نقول: افهم عن الله فهذا الأمر لا يسرى إلا إذا كانت المرأة المملوكة مشتركة في الحرب، أي: كانت تحارب مع الرجل ثم وقعت في الأسر، والذي يسري عليها، ثم من أي مصدر ستعيش وهي في بلد عدوة لها؛ إن تركها في المجتمع فيه خطورة على المجتمع وعليها. كما لأن لهذه المرأة عاطفة سوف تكتب، فأوصى الإسلام السيد بأنه إذا أحب هذه الأمة فلها أن تستمتع كما تستمتع زوجة السيد، وإن أنجبت أصبحت زوجة حرة وأولادها أحرارا، وفي هذا تصفية للرق. ويقول الحق سبحانه وتعالى عن لون آخر من مستحقي الزكاة: {والغارمين} والغارم: هو من استدان في غير معصية، ثم عجز عن الوفاء بدينه. ولم يمهله صاحب الدين كما أمر الله في قوله تعالى: {فنظرة إلى ميسرة... (280)} (البقرة) ولم يسامحه ولم يتنازل عن دينهن وفي هذه الحالة يقوم بيت المال بسداد هذا الدين. لكن لماذا هذا التشريع؟. لقد شاء الحق إعطاء الغارم الذي لا يجد ما يسد به دينه حتى لا يجعل الناس ينقلبون عن الكرم وعن إقراض الذي يمر بعسر، وبذلك يبقى اليسر في المجتمع، وتبقى نجدة الناس للناس في ساعة العسرة، فلا يمتنع أحد عن إعطاء إنسان في عسرة؛ لأنه يعلم أنه إن لم يدفع فسيقوم بيت المال بالسداد من الزكاة. أو: أن الغارم هو الذي أراد أن يصلح بين طرفين، كأن يكون هناك شخصان مختلفان على مبلغ من المال، فيقوم هو بفضّ الخلاف ودفع المبلغ، ثم تسوء حالته؛ لأنه غرم هذا المال بنخوة إيمانية، فنقول له: خذ من بيت المال حتى يشيع في النفوس تصفية الخلافات وإشاعة الحي بين الناس. إذن: فالغارم هو المستدين في غير معصية ولا يقدر على سداد الدين، أو المتحمل لتكلفة إصلاح ذات البين بين طرفين، وهو مستحق لهذا اللون من المال. ويقول الحق سبحانه: {وفي سبيل}. يقول جمهور الفقهاء: إنها تنطبق على الجهاد؛ لأن الذي يضحي بماله مجاهدا في سبيل الله، لو لم يعلم أن الجهاد باب يدخله الجنة لما ضحى بماله، وعندما تضحي بالمال أو النفس في سبيل الله يكون هذا من يقين الإيمان. فلو لم تكن على ثقة أنك إذا استشهدت دخلت الجنة ما حاربت. ولو لم تكن على ثقة أنك إذا أنفقت المال جهادا في سبيل الله دخلت الجنة ما أنفقت. والإسلام يهدف إلى أمرين: دين يبلغ ومنهج يحقق، والمجاهد في سبيل الله أسوة لغير من المؤمنين. والأسوة في الإسلام هي التي تقويه وتثبته في النفوس؛ لأنها الإعلام الحقيقي بأن ما تعطيه من نفسك أو مالك لله ستجازى عنه بأضعاف أضعاف ما أعطيت. {وفي سبيل الله} أيضا كل ما يتعلق بمصارف البر مثل: بناء المساجد والمدارس والمستشفيات... {فريضة من الله} أي: أن كل من حدد الله سبحانه وتعالى استحقاقه للصدقة إنما يستحقها بفرض من الله فالصدقة فريضة للفقراء، فريضة للمساكين، فريضة للعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: {والله عليم حكيم}، والله هو واجب الوجود وخالقه، خلق الإنسان وكرمه فجعله خليفة في الأرض. وقبل أن يخلق سبحانه الإنسان أعد له الكون الذي يعيش فيه؛ الأرض والشمس والقمر والسماء والكواكب والنجوم. ثم جاء الإنسان إلى الكون؛ ليجد كل شيء قد أعد لخدمته خاضعا له، فلا يوجد جنس من الأجناس يتأبى عن خدمة الإنسان، فلا الأرض إذا زرعت رفضت إنبات الزرع، ولا الحيوان الذي سخره الله جل جلاله لخدمة الإنسان يتأبى عليه؛ فالحمار تحمله السباخ والقاذورات فلا يرفض، وتنظفه وتجعله مطية تنقلك من مكان إلى آخر فلا يتأبى عليك. وما دام سبحانه الذي خلق، فهو أدرى بمن خلق، وبما يصلحه وما يفسده...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
في تاريخ صدر الإِسلام مرحلتان يمكن ملاحظتهما بوضوح، إحداهما في مكّة، حيث كان هدف النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين فيها تعليم الأفراد وتربيتهم ونشر التعاليم الإِسلامية. والثّانية في المدينة، حيث أقدم النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تشكيل حكومة إِسلاميّة أجرى من خلالها الأحكام والتعاليم الإِسلامية.
وممّا لا شك فيه أنّ أوّل وأهم مسألة واجهت تشكيل الحكومة هي إيجاد بيت المال، إِذ عن طريقه تُؤمَّن حاجات الدولة الاقتصادية، وهي حاجات طبيعية توجد في كل دولة بدون استثناء، ومن هنا كان إِيجاد بيت المال من أوائل أعمال النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة، وتشكل الزكاة أحد موارده، وعلى المشهور فإنّ هذا الحكم شُرّع في السنة الثّانية للهجرة النبوية.
وكما سنشير بعد حين إِلى إِرادة الله وحكمه، فإنّ حكم الزكاة قد نزل من قبل في مكّة، لكن لا على نحو وجوب جمعها في بيت المال، بل كان الناس يؤدونها ذاتياً، أمّا في المدينة فإنّ قانون جباية الزكاة وجمعها في بيت المال قد صدر من الله تعالى في الآية (103) من سورة التوبة.
إنّ الآية التي نبحثها، والتي نزلت يقيناً بعد آية وجوب الزكاة وإن لم يسبق لها ذكر في القرآن الكريم تبيّن الموارد المختلفة التي تصرف فيها الزكاة. وممّا يلفت النظر أن الآية بدأت بكلمة (إنّما) الدالّة على الحصر، وهي توحي بأنّ بعض الأفراد الأنانيين أو المغفلين كانوا يطمعون في أن يحصلوا على نصيب من الزكاة بدون أي وجه لاستحقاقهم لها، لكن كلمة (إنّما) ردّت أيديهم في أفواههم. وهذا المعنى تبيّنه الآيتان اللتان سبقت هذه الآية، حيث ذكرت أنّ هؤلاء كانوا يعترضون على النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عدم إِعطائهم شيئاً من الزكاة، ويرضون عنه إِذا أعطاهم شيئاً منها.
وعلى أي حال، فإنّ الآية قد بيّنت بوضوح الموارد الحقيقة التي تصرف فيها الزّكاة، وأنهت التوقعات غير المنطقية وحددت موارد صرف الزّكاة في ثمانية أصناف:
المساكين: وسيأتي البحث في نهاية تفسير الآية عن الفرق بين الفقير والمسكين.
العاملين عليها: وهم الذين يسعون في جباية الزكاة، وإدارة بيت المال، وما يُعطى لهم هو في الواقع بمنزلة أجرة عملهم، ولهذا لا يشترط فيهم الفقر على أي حال.
المؤلفة قلوبهم: وهم الذين لا يوجد لديهم الحافز والدافع المعنوي القوي من أجل النهوض بالأهداف الإِسلامية وتحقيقها، ولكن ويمكن استمالتهم بواسطة بذل المال لهم، والاستفادة منهم في الدفاع عن الإِسلام وتحكيم دولته، وإعلاء كلمته. وسيأتي توضيح أوسع حول هذا القسم.
في الرقاب: وهذا يعني أن قسماً من الزكاة يخصّص لمحاربة العبودية والرق وإنهاء هذه الحالة غير الإِنسانية، وكما قلنا في محله فإنّ برنامج الإِسلام في معالجة مسألة الرقيق هو اتباع نظام (التحرير التدريجي) الذي ينتهي إِلى تحرير جميع العبيد بدون مواجهة ردود فعل اجتماعية غير متوقعة، ويشكّل تخصيص قسم من الزكاة لهذا الموضوع جانباً من هذا البرنامج المتكامل.
الغارمون: وهم الذين عجزوا عن أداء ديونهم، ولم يكن هذا العجز نتيجة لتقصيرهم.
في سبيل الله: والمراد منه كما سنشير إِليه في آخر تفسير الآية جميع السبل التي تؤدي إِلى تقوية ونشر الدين الإِلهي، وهي أعم من مسألة الجهاد والتبليغ وأمثالها.
ابن السبيل: وهم الذين تخلفوا في الطريق لعلة ما، وليس معهم من الزاد والراحلة ما يوصلهم إِلى بلدانهم أو إِلى الجهة التي يقصدونها، حتى ولو لم يكونوا فقراء في واقعهم، لكنّهم افتقروا الآن نتيجة سرقة أموالهم أو مرضهم أو قلّة أموالهم أو لأسباب أخر، ومثل هؤلاء يجب أن يُعطَوا من الزكاة ما يوصلهم إِلى مقصدهم أو بلدهم.
وفي خاتمة الآية نلاحظ التأكيد على صرفها في الجهات السابقة، ولذلك قال سبحانه: (فريضة من الله) ولا شك أنّ هذه الفريضة قد حُسبت بصورة دقيقة جدّاً، وبصورة تحفظ مصالح الفرد والمجتمع، لأنّ (الله عليم حكيم)...
إِذا علمنا أنّ الإِسلام يظهر على أنّه مذهب أخلاقي أو فلسفي أو عقائدي بحت، بل ظهر إِلى الوجود كدين وقانون كامل وشامل عولجت فيه كل الحاجات المادية والمعنوية في الحياة، وكذلك إِذا علمنا أن تشكيل وتأسيس الدولة الإِسلامية قد لازم ظهور الإِسلام منذ عصر النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا علمنا أن الإِسلام يهتم اهتماماً خاصّاً بنصرة المحرومين ومكافحة الطبقية في المجتمع اتضح لنا أنّ دور بيت المال والزكاة التي تشكل أحد موارده، من أهم الأدوار.
لا شك أن في كل مجتمع أفراداً عاجزين عن العمل، مرضى، يتامى، معوقين، وأمثالهم، وهؤلاء يحتاجون حتماً إِلى من يحميهم ويرعاهم ويقوم بشؤونهم. وكذلك يحتاج هذا المجتمع إِلى جنود مضحين من أجل حفظ وجوده وكيانه، أمّا مصاريف هؤلاء الجنود ونفقاتهم فإنّ الدولة هي التي تلتزم بتأمينها ودفعها إِليهم. وكذلك العاملون في الدولة الإِسلامية، الحكام والقضاة، وسائل الإِعلام والمراكز الدينية وغيرها، فكل قسم من هذه الأقسام يحتاج إلى ميزانية خاصّة ومبالغ طائلة لا يمكن تهيئتها دون أن يكون هناك نظام مالي محكم منظم.
وعلى هذا الأساس أولى الإِسلام الزكاة التي تعتبر في الحقيقة نوعاً من الضرائب على الإِنتاج والأرباح، وعلى الأموال الراكدة اهتماماً خاصاً، حتى أنّه اعتبرها من أهم العبادات، وقد ذكرت جنباً إلى جنب مع الصلاة في كثير من الموارد، بل إِنّه اعتبرها شرطاً لقبول الصلاة.
وأكثر من هذا أننا نقرأ في الرّوايات الإِسلامية أنّ الدولة الإِسلامية إذا طلبت الزكاة من شخص أو أشخاص وامتنع هؤلاء من ذلك فسوف يحكم بارتدادهم، وإذا لم تنفع النصيحة معهم ولم يؤثر الموعظة فيهم، فإنّ الاستعانة بالقوّة العسكرية لمقابلتهم أمر جائز.
وفي رواية عن الإِمام الصادق (عليه السلام): «من منع قيراطاً من الزكاة فليس هو بمؤمن، ولا مسلم، ولا كرامة».
وممّا يلفت النظر أنّ الرّوايات قد أظهرت أن تعين الزكاة بهذا المقدار يبيّن دقة حسابات الإِسلام، فإنّ المسلمين جميعاً لو أدّوا زكاة أموالهم بصورة دقيقة وكاملة فسوف لن يبقى فقير أو محروم في كافة أنحاء البلاد الإِسلامية. ففي رواية عن الصادق (عليه السلام): «ولو أنّ الناس أدّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً... وإن الناس ما افتقروا، ولا احتاجوا، ولا جاعوا، ولا عروا إلاّ بذنوب الأغنياء».
وكذلك يفهم من الرّوايات أنّ أداء الزكاة سبب لحفظ أصل الملك والأموال وتحكيم أسسها، بحيث أنّ الناس إذا أهملوا تطبيق هذا الأصل الإِسلامي المهم فإنّ الفاصلة والتفاوت بين الطبقات سيصل إِلى حد يعرض أموال الأغنياء إِلى الخطر.
... النقطة الأخيرة التي ينبغي الالتفات إِليها، هي أنّ في الآية التي نبحثها أربعة أقسام ذكرت معطوفة على حرف اللام: (إنّما الصدقات للفقراء والمساكين
والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم)، وهذا التعبير عادة يفيد الملكية. أمّا الأقسام الأربعة الأُخرى فقد سبقها حرف (في): (وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل)، وهذا التعبير عادة يُستعمل لبيان مورد الصرف.
هناك بحث ونقاش بين المفسّرين في سبب اختلاف التعبير، فالبعض يعتقد أن الأصناف الأربعة الأُولى يملكون الزكاة، أمّا الأصناف الأربعة الأُخرى فإنّهم لا يملكونها، بل إن الزكاة يجوز أن تصرف فيهم.
والبعض الآخر يعتقد أن الاختلاف في التعبير يشير إِلى مسألة أُخرى، وهي أنّ الطائفة الثّانية أكثر استحقاقاً للزكاة، لأن كلمة (في) لبيان الظرفية، لهذا فإن هذه المجموعة الرباعية تمثل محتوى ومصرف الزكاة، والزكاة وعاء لها، في حين أن المجموعة الأُولى ليست كذلك.
لكننا نحتمل ونرجح احتمالا آخر، وهو أن الستة أقسام وهم: الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون وابن السبيل التي لم تذكر قبلها (في) متساوون وقد عطفت على بعضها البعض، أمّا القسمان الآخران وهما في الرقاب وفي سبيل الله اللذان بيّنتهما (في) فإنّ لهما وضعاً خاصاً، وربّما كان السبب في اختلاف التعبير من جهة إِمكان تملك الزكاة من قبل الأصناف الستة، ويمكن أداء الزكاة إِليهم (حتى المدينين والعاجزين عن أداء ديونهم، لكن بشرط الاطمئنان إِلى أنّ هؤلاء يصرفونها في سداد ديونهم).
أمّا الصنفان الآخران فلا يملكون الزكاة، ولا يمكن دفع الزكاة إِليهم، بل تصرف في جهتهم، فمثلا يجب شراء العبيد وتحريرهم عن طريق الزكاة، ومن الواضح أنّهم لا يملكون الزكاة في هذه الحالة، بل صرفت الزكاة في جهة تحريرهم. وكذلك الحال بالنسبة إِلى الموارد التي تندرج تحت عنوان (في سبيل الله) كنفقات الجهاد، وإِعداد الأسلحة، أو بناء المساجد والمراكز الدينية، وأمثال هذه المفردات لا تملك الزكاة بل أنّها مورد لصرف الزكاة.
وعلى أي حال، فإنّ التفاوت والاختلاف في التعبير يوضح الدقة المتناهية في التعبيرات القرآنية.
الأولى - قوله تعالى : " إنما الصدقات للفقراء " خص الله سبحانه بعض الناس بالأموال دون بعض نعمة منه عليهم ، وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى من لا مال له ، نيابة عنه سبحانه فيما ضمنه بقوله : " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها{[8061]} " [ هود : 6 ] .
الثانية – قوله تعالى : " للفقراء " تبيين لمصارف الصدقات والمحل ، حتى لا تخرج عنهم . ثم الاختيار إلى من يقسم ، هذا قول مالك وأبي حنيفة وأصحابهما . كما يقال : السرج للدابة والباب للدار . وقال الشافعي : اللام لام التمليك . كقولك : المال لزيد وعمرو وبكر ، فلا بد من التسوية بين المذكورين . قال الشافعي وأصحابه : وهذا كما لو أوصى لأصناف معينين أو لقوم معينين . واحتجوا بلفظة " إنما " وأنها تقتضي الحصر في وقوف الصدقات على الثمانية الأصناف وعضدوا هذا بحديث زياد بن الحارث الصدائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبعث إلى قومي جيشا فقلت : يا رسول الله احبس جيشك فأنا لك بإسلامهم وطاعتهم ، وكتبت إلى قومي فجاء إسلامهم وطاعتهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أخا صداء المطاع في قومه ) . قال : قلت بل من الله عليهم وهداهم ، قال : ثم جاءه رجل يسأل عن الصدقات ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى جزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من أهل تلك الأجزاء أعطيتك ) رواه أبو داود والدارقطني . واللفظ للدارقطني . وحكي عن زين العابدين أنه قال : إنه تعالى علم قدر ما يدفع من الزكاة وما تقع به الكفاية لهذه الأصناف ، وجعله حقا لجميعهم ، فمن منعهم ذلك فهو الظالم لهم رزقهم . وتمسك علماؤنا بقوله تعالى : " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم{[8062]} " [ البقرة : 271 ] . والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض . وقال صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم ) . وهذا نص في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآنا وسنة ، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وحذيفة . وقال به من التابعين جماعة . قالوا : جائز أن يدفعها إلى الأصناف الثمانية ، وإلى أي صنف منها دفعت جاز . روى المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة في قوله : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " قال : إنما ذكر الله هذه الصدقات لتعرف وأي صنف منها أعطيت أجزأك . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " قال : في أيها وضعت أجزأ عنك . وهو قول الحسن وإبراهيم وغيرهما . قال الكيا الطبري : حتى ادعى مالك الإجماع على ذلك .
قلت : يريد إجماع الصحابة ، فإنه لا يعلم لهم مخالف منهم على ما قال أبو عمر ، والله أعلم . ابن العربي : والذي جعلناه فيصلا بيننا وبينهم أن الأمة اتفقت على أنه لو أعطي كل صنف حظه لم يجب تعميمه ، فكذلك تعميم الأصناف مثله . والله أعلم .
الثالثة - واختلف علماء اللغة وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال : فذهب يعقوب بن السكيت والقتبي ويونس بن حبيب إلى أن الفقير أحسن حالا من المسكين . قالوا : الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه ، والمسكين الذي لا شيء له ، واحتجوا بقول الراعي :
أما الفقير الذي كانت حلوبته*** وَفق العيال فلم يترك له سَبَدُ{[8063]}
وذهب إلى هذا قوم من أهل اللغة والحديث منهم أبو حنيفة والقاضي عبدالوهاب ، والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام ، يقال : حلوبته وفق عيال أي لها لبن قدر كفايتهم لا فضل فيه ، عن الجوهري . وقال آخرون بالعكس ، فجعلوا المسكين أحسن حالا من الفقير . واحتجوا بقوله تعالى : " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر{[8064]} " [ الكهف : 79 ] . فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر . وربما ساوت جملة من المال . وعضدوه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ من الفقر . وروي عنه أنه قال : " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا " . فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير لتناقض الخبران ، إذ يستحيل أن يتعوذ من الفقر ثم يسأل ما هو أسوأ حالا منه ، وقد استجاب الله دعاءه وقبضه وله مما أفاء الله عليه ، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية ، ولذلك رهن درعه . قالوا : وأما بيت الراعي فلا حجة فيه ، لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حلوبة في حال . قالوا : والفقير معناه في كلام العرب المفقور الذي نُزعِت فقرة{[8065]}من ظهره من شدة الفقر فلا حال أشد من هذه . وقد أخبر الله عنهم بقوله " لا يستطيعون ضربا في الأرض{[8066]} " [ البقرة : 273 ] . واستشهدوا بقول الشاعر :
لما رأى لُبَدَ النسور تطايرت*** رفعَ القوادمَ كالفقير الأعزل{[8067]}
أي لم يطق الطيران فصار بمنزلة من انقطع صلبه ولصق بالأرض . ذهب إلى هذا الأصمعي وغيره ، وحكاه الطحاوي عن الكوفيين . وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه . وللشافعي قول آخر : أن الفقير والمسكين سواء ، لا فرق بينهما في المعنى وإن افترقا في الاسم ، وهو القول الثالث . وإلى هذا ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك ، وبه قال أبو يوسف .
قلت : ظاهر اللفظ يدل على أن المسكين غير الفقير ، وأنهما صنفان ، إلا أن أحد الصنفين أشد حاجة من الآخر ، فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفا واحدا ، والله أعلم . ولا حجة في قول من احتج بقوله تعالى : " أما السفينة فكانت لمساكين " [ الكهف : 79 ] لأنه يحتمل أن تكون مستأجرة لهم ، كما يقال : هذه دار فلان إذا كان ساكنها وإن كانت لغيره . وقد قال تعالى في وصف أهل النار : " ولهم مقامع من حديد{[8068]} " [ الحج : 21 ] فأضافها إليهم . وقال تعالى : " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم{[8069]} " [ النساء : 5 ] . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من باع عبدا وله مال . . . ) وهو كثير جدا يضاف الشيء إليه وليس له . ومنه قولهم : باب الدار الدابة ، وسرج الفرس ، وشبهه . ويجوز أن يسموا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف ، كما يقال لمن امتحن بنكبة أو دفع إلى بلية مسكين . وفي الحديث ( مساكين أهل النار ) وقال الشاعر :
مساكين أهلُ الحب حتى قبورهم *** عليها تراب الذل بين المقابر
وأما ما تأولوه من قوله عليه السلام : ( اللهم أحيني مسكينا ) الحديث . رواه أنس ، فليس كذلك ، وإنما المعنى ههنا : التواضع لله الذي لا جبروت فيه ولا نخوة ، ولا كبر ولا بطر ، ولا تكبر ولا أشر . ولقد أحسن ، أبو العتاهية حيث قال :
إذا أردت شريف القوم كلهم *** فانظر إلى ملك في زي مسكين
ذاك الذي عظمت في الله رغبته *** وذاك يصلح للدنيا وللدين
وليس بالسائل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كره السؤال ونهى عنه ، وقال في امرأة سوداء أبت أن تزول له{[8070]} عن الطريق : ( دعوها فإنها جبارة{[8071]} ) وأما قوله تعالى : " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض " [ البقرة : 273 ] فلا يمتنع أن يكون لهم شيء . والله أعلم . وما ذهب إليه أصحاب مالك والشافعي في أنهما سواء حسن . ويقرب منه ما قاله مالك في كتاب ابن سحنون ، قال : الفقير المحتاج المتعفف ، والمسكين السائل ، وروي عن ابن عباس وقاله الزهري ، واختاره ابن شعبان{[8072]} وهو القول الرابع . وقول خامس : قال محمد بن مسلمة : الفقير الذي له المسكن والخادم إلى من هو أسفل من ذلك . والمسكين الذي لا مال له .
قلت : وهذا القول عكس ما ثبت في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو ، وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال له عبدالله : ألك امرأة تأوي إليها ؟ قال نعم . قال : ألك مسكن تسكنه ؟ قال نعم . قال : فأنت من الأغنياء . قال : فإن لي خادما قال : فأنت من الملوك . وقول سادس : روي عن ابن عباس قال : الفقراء من المهاجرين ، والمساكين من الأعراب الذين لم يهاجروا وقال الضحاك . وقول سابع : وهو أن المسكين الذي يخشع ويستكن وإن لم يسأل . والفقير الذي يتحمل ويقبل الشيء سرا ولا يخشع ، قاله عبيدالله بن الحسن . وقول ثامن قاله مجاهد وعكرمة والزهري - المساكين الطوافون ، والفقراء فقراء المسلمين . وقول تاسع قاله عكرمة أيضا - أن الفقراء فقراء المسلمين ، والمساكين فقراء أهل الكتاب . وسيأتي .
الرابعة - وهي فائدة الخلاف في الفقراء والمساكين ، هل هما صنف واحد أو أكثر تظهر فيمن أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين ، فمن قال هما صنف واحد قال : يكون لفلان نصف الثلث وللفقراء والمساكين نصف الثلث الثاني . ومن قال هما صنفان يقسم الثلث بينهم أثلاثا .
الخامسة - وقد اختلف العلماء في حد الفقر الذي يجوز معه الأخذ - بعد إجماع أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم - أن من له دارا وخادما لا يستغني عنهما أن له أن يأخذ من الزكاة ، وللمعطي أن يعطيه . وكان مالك يقول : إن لم يكن في ثمن الدار والخادم فضلة عما يحتاج إليه منهما جاز له الأخذ وإلا لم يجز ، ذكره ابن المنذر . وبقول مالك قال النخعي والثوري . وقال أبو حنيفة : من معه عشرون دينارا أو مائتا درهم فلا يأخذ من الزكاة . فاعتبر النصاب لقوله عليه السلام : ( أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم ) . وهذا واضح ، ورواه المغيرة عن مالك . وقال الثوري وأحمد وإسحاق وغيرهم : لا يأخذ من له خمسون درهما أو قدرها من الذهب ، ولا يعطي منها أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما ، قاله أحمد وإسحاق . وحجة هذا القول ما رواه الدارقطني عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحل الصدقة لرجل له خمسون درهما ) . في إسناده عبدالرحمن بن إسحاق ضعيف ، وعنه بكر بن خنيس ضعيف أيضا . ورواه حكيم بن جبير عن محمد بن عبدالرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، وقال :( خمسون درهما ) وحكيم بن جبير ضعيف تركه شعبة وغيره ، قال الدارقطني رحمه الله . وقال أبو عمر : هذا الحديث يدور على حكيم بن جبير وهو متروك . وعن علي وعبدالله قالا : لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو قيمتها من الذهب ، ذكره الدارقطني وقال الحسن البصري : لا يأخذ من له أربعون درهما . ورواه الواقدي عن مالك . وحجة هذا القول ما رواه الدارقطني عن عبدالله بن مسعود قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من سأل الناس وهو غني جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح وخدوش ) . فقيل : يا رسول الله وما غناؤه ؟ قال : ( أربعون درهما ) . وفي حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا والأوقية أربعون درهما ) . والمشهور عن مالك ما رواه ابن القاسم عنه أنه سئل : هل يعطى من الزكاة من له أربعون درهما ؟ قال نعم . قال أبو عمر : يحتمل أن يكون الأول قويا على الاكتساب حسن التصرف . والثاني ضعيفا عن الاكتساب ، أو من له عيال . والله أعلم . وقال الشافعي وأبو ثور : من كان قويا على الكسب والتحرف مع قوة البدن وحسن التصرف حتى يغنيه ذلك عن الناس فالصدقة عليه حرام . واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة{[8073]} سوي ) رواه عبدالله بن عمر ، وأخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني . وروى جابر قال : جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة فركبه الناس ، فقال : ( إنها لا تصلح لغني ولا لصحيح ولا لعامل ) أخرجه الدارقطني . وروى أبو داود عن عبيدالله بن عدي بن الخيار قال : أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها ، فرفع فينا النظر وخفضه ، فرآنا جلدين فقال : ( إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ) . ولأنه قد صار غنيا بكسبه كغنى غيره بمال فصار كل واحد منهما غنيا عن المسألة . وقال ابن خويز منداد ، وحكاه عن المذهب . وهذا لا ينبغي أن يعول عليه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطيها الفقراء ووقوفها على الزمن باطل . قال أبو عيسى الترمذي في جامعه : إذا كان الرجل قويا محتاجا ولم يكن عنده شيء فتصدق عليه أجزأ عن المتصدق عند أهل العلم . ووجه الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة . وقال الكيا الطبري : والظاهر يقتضي جواز ذلك ؛ لأنه فقير مع قوته وصحة بدنه . وبه قال أبو حنيفة وأصحابه . وقال عبيدالله بن الحسن : من لا يكون له ما يكفيه ويقيمه سنة فإنه يعطى الزكاة . وحجته ما رواه ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخر مما أفاء الله عليه قوت سنة ، ثم يجعل ما سوى ذلك في الكراع{[8074]} والسلاح مع قوله تعالى : " ووجدك عائلا فأغنى{[8075]} " [ الضحى : 8 ] . وقال بعض أهل العلم : لكل واحد أن يأخذ من الصدقة فيما لا بد له منه . وقال قوم : من عنده عشاء ليلة فهو غني وروي عن علي . واحتجوا بحديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها من رضف{[8076]} جهنم ) قالوا : يا رسول الله ، وما ظهر الغنى ؟ قال : ( عشاء ليلة ) أخرجه الدارقطني وقال : في إسناده عمرو بن خالد وهو متروك . وأخرجه أبو داود عن سهل بن الحنظلية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : ( من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار ) . وقال النفيلي في موضع آخر ( من جمر جهنم ) . فقالوا : يا رسول الله وما يغنيه ؟ وقال النفيلي في موضع آخر : وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة ؟ قال : ( قدر ما يغديه ويعشيه ) . وقال النفيلي في موضع آخر : ( أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم ) . قلت : فهذا ما جاء في بيان الفقر الذي يجوز معه الأخذ . ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة ، ولكن تظاهرت الأخبار في أن الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد في فقرائهم . وقال عكرمة : الفقراء فقراء المسلمين ، والمساكين فقراء أهل الكتاب . وقال أبو بكر العبسي : رأى عمر بن الخطاب ذميا مكفوفا مطروحا على باب المدينة فقال له عمر : مالك ؟ قال : استكروني في هذه الجزية ، حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي أحد يعود علي شيء . فقال عمر : ما أنصفت إذا ، فأمر له بقوته وما يصلحه . ثم قال : ( هذا من الذين قال الله تعالى فيهم{[8077]} : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " الآية . وهم زمنى أهل الكتاب ) ولما قال تعالى : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " الآية ، وقابل الجملة بالجملة وهي جملة الصدقة بجملة المصرف بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فقال لمعاذ حين أرسله إلى اليمن : ( أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) . فاختص أهل كل بلد بزكاة بلده . وروى أبو داود أن زيادا أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصدقة ، فلما رجع قال لعمران : أين المال ؟ قال : وللمال أرسلتني أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى الدارقطني والترمذي عن عون بن أبي جحيفة [ عن أبيه ]{[8078]} قال : قدم علينا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني منها قلوصا . قال الترمذي : وفي الباب عن ابن عباس حديث ابن أبي جحيفة حديث حسن .
السادسة - وقد اختلفت العلماء في نقل الزكاة عن موضعها على ثلاثة أقوال : لا تنقل ، قاله سحنون وابن القاسم ، وهو الصحيح لما ذكرناه . قال ابن القاسم أيضا : وإن نقل بعضها لضرورة رأيته صوابا . وروي عن سحنون أنه قال : ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره إليه ، فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج ( والمسلم أخو المسلم لا يسلمه{[8079]} ولا يظلمه ) . والقول الثاني تنقل . وقاله مالك أيضا . وحجة هذا القول ما روي أن معاذا قال لأهل اليمن : ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير في الصدقة فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة . أخرجه الدارقطني وغيره . والخميس لفظ مشترك ، وهو هنا الثوب طوله خمس أذرع . ويقال : سمي بذلك لأن أول من عمله الخمس ملك من ملوك اليمن ، ذكره ابن فارس في المجمل والجوهري أيضا . وفي هذا الحديث دليلان : أحدهما : ما ذكرناه من نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة ، فيتولى النبي صلى الله عليه وسلم قسمتها . ويعضد هذا قوله تعالى : " إنما الصدقات للفقراء " ولم يفصل بين فقير بلد وفقير آخر . والله أعلم . الثاني : أخذ القيمة في الزكاة . وقد اختلفت الرواية عن مالك في إخراج القيم في الزكاة{[8080]} ، فأجاز ذلك مرة ومنع منه أخرى ، فوجه الجواز - وهو قول أبي{[8081]} حنيفة - هذا الحديث . وثبت في صحيح البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من بلغت عنده من الإبل{[8082]} صدقة الجذعة وليست عنده جذعة{[8083]} وعنده حقة فإنه تؤخذ منه وما استيسرنا من شاتين أو عشرين درهما . . . ) . الحديث . وقال صلى الله عليه وسلم : ( اغنوهم عن سؤال هذا اليوم ) يعني يوم الفطر . وإنما أراد أن يغنوا بما يسد حاجتهم ، فأي شيء سد حاجتهم جاز . وقد قال تعالى : " خذ من أموالهم صدقة{[8084]} " [ التوبة : 103 ] ولم يخص شيئا من شيء . ولا يدفع عند أبي حنيفة سكنى دار بدل الزكاة ، مثل أن يجب عليه خمسة دراهم فأسكن فيها فقيرا شهرا فإنه لا يجوز . قال : لأن السكنى ليس بمال . ووجه قوله : لا تجزي القيم - وهو ظاهر المذهب - فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( في خمس من الإبل شاة وفي أربعين شاة شاة ) فنص على الشاة ، فإذا لم يأت بها لم يأت بمأمور به ، وإذا لم يأت بالمأمور به فالأمر باق عليه . القول الثالث وهو أن سهم الفقراء والمساكين يقسم في الموضع ، وسائر السهام تنقل باجتهاد الإمام . والقول الأول أصح . والله أعلم .
السابعة - وهل المعتبر مكان المال وقت تمام الحول فتفرق الصدقة فيه ، أو مكان المالك إذ هو المخاطب ، قولان . واختار الثاني أبو عبدالله محمد بن خويز منداد في أحكامه قال : لأن الإنسان هو المخاطب بإخراجها فصار المال تبعا له ، فيجب أن يكون الحكم فيه بحيث المخاطب . كابن السبيل فإنه يكون غنيا في بلده فقيرا في بلد آخر ، فيكون الحكم له حيث هو .
مسألة : واختلفت الرواية عن مالك فيمن أعطى فقيرا مسلما فانكشف في ثاني حال أنه أعطى عبدا أو كافرا أو غنيا ، فقال مرة : تجزيه ومرة لا تجزيه . وجه الجواز - وهو الأصح - ما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية قال : اللهم لك الحمد على زانية لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني قال : اللهم لك الحمد على غني لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق فقال : اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق فأتي فقيل له أما صدقتك فقد قبلت أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله ولعل السارق يستعف بها عن سرقته ) . وروي أن رجلا أخرج زكاة ماله فأعطاها أباه ، فلما أصبح علم بذلك ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ( قد كتب لك أجر زكاتك وأجر صلة الرحم فلك أجران ) . ومن جهة المعنى أنه سوغ له الاجتهاد في المعطى ، فإذا اجتهد وأعطى من يظنه من أهلها فقد أتى بالواجب عليه . ووجه قوله : لا يجزي . أنه لم يضعها في مستحقها ، فأشبه العمد ، ولأن العمد والخطأ في ضمان الأموال واحد فوجب أن يضمن ما أتلف ، على المساكين حتى يوصله إليهم .
الثامنة - فإن أخرج الزكاة عند محلها فهلكت من غير تفريط لم يضمن ؛ لأنه وكيل للفقراء . فإن أخرجها بعد ذلك بمدة فهلكت ضمن ، لتأخيرها عن محلها فتعلقت بذمته فلذلك ضمن والله أعلم .
التاسعة - وإذا كان الإمام يعدل في الأخذ والصرف لم يسغ للمالك أن يتولى الصرف بنفسه في الناضّ{[8085]} ولا في غيره . وقد قيل : إن زكاة الناض على{[8086]} أربابه . وقال ابن الماجشون : ذلك إذا كان الصرف للفقراء والمساكين خاصة ، فإن احتيج إلى صرفها لغيرهما من الأصناف فلا يفرق عليهم إلا الإمام . وفروع هذا الباب كثيرة ، هذه أمهاتها .
العاشرة - قوله تعالى : " والعاملين عليها " يعني السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة بالتوكيل على ذلك . روى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأسد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية{[8087]} ، فلما جاء حاسبه . واختلف العلماء في المقدار الذي يأخذونه على ثلاثة أقوال : قال مجاهد والشافعي : هو الثمن . ابن عمر ومالك : يعطون قدر عملهم من الأجرة ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . قالوا : لأنه عطل نفسه لمصلحة الفقراء ، فكانت كفايته وكفاية أعوانه في مالهم ، كالمرأة لما عطلت نفسها لحق الزوج كانت نفقتها ونفقة أتباعها من خادم أو خادمين على زوجها . ولا تقدر بالثمن ، بل تعتبر الكفاية ثمنا كان أو أكثر ، كرزق القاضي . ولا تعتبر كفاية الأعوان في زماننا لأنه إسراف محض . القول الثالث - يعطون من بيت المال . قال ابن العربي : وهذا قول صحيح عن مالك بن أنس من رواية ابن أبي أويس وداود بن سعيد بن زنبوعة ، وهو ضعيف دليلا ، فإن الله سبحانه قد أخبر بسهمهم فيها نصا فكيف يخلفون عنه استقراء وسبرا . والصحيح الاجتهاد في قدر الأجرة ؛ لأن البيان في تعديد الأصناف إنما كان للمحل لا للمستحق ، على ما تقدم . واختلفوا في العامل إذا كان هاشميا ، فمنعه أبو حنيفة لقوله عليه السلام : ( إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ) . وهذه صدقة من وجه ، لأنها جزء من الصدقة فتلحق بالصدقة من كل وجه كرامة وتنزيها لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسالة الناس . وأجاز عمله مالك والشافعي ، ويعطى أجر عمالته ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب مصدقا ، وبعثه عاملا إلى اليمن على الزكاة ، وولى جماعة من بني هاشم وولى الخلفاء بعده كذلك . ولأنه أجير على عمل مباح فوجب أن يستوي فيه الهاشمي وغيره اعتبارا بسائر الصناعات . قالت الحنفية : حديث علي ليس فيه أنه فرض له من الصدقة ، فإن فرض له من غيرها جاز . وروي عن مالك .
الحادية عشرة - ودل قوله تعالى : " والعاملين عليها " على أن كل ما كان من فروض الكفايات كالساعي والكاتب والقسام والعاشر وغيرهم فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه . ومن ذلك الإمامة ، فإن الصلاة وإن كانت متوجهة على جميع الخلق فإن تقدم بعضهم بهم من فروض الكفايات ، فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها . وهذا أصل الباب ، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ما تركت بعد نفقة نسائي{[8088]} ومؤنة عاملي فهو صدقة )قاله ابن العربي .
الثانية عشرة - قوله تعالى : " والمؤلفة قلوبهم " لا ذكر للمؤلفة قلوبهم في التنزيل في غير قسم الصدقات ، وهم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يظهر الإسلام ، يتألفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم . قال الزهري : المؤلفة من أسلم من يهودي أو نصراني وإن كان غنيا . وقال بعض المتأخرين : اختلف في صفتهم ، فقيل : هم صنف من الكفار يعطون ليتألفوا على الإسلام ، وكانوا لا يسلمون بالقهر والسيف ، ولكن يسلمون بالعطاء والإحسان . وقيل : هم قوم أسلموا في الظاهر ولم تستيقن قلوبهم ، فيعطون ليتمكن الإسلام في صدورهم . وقيل : هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يعطون ليتألفوا أتباعهم على الإسلام . قال : وهذه الأقوال متقاربة والقصد بجميعها الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلا بالعطاء ، فكأنه ضرب من الجهاد . والمشركون ثلاثة أصناف : صنف يرجع بإقامة البرهان . وصنف بالقهر . وصنف بالإحسان . والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببا لنجاته وتخليصه من الكفر . وفي صحيح مسلم من حديث أنس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعني للأنصار - : ( فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم . . . ) الحديث . قال ابن إسحاق : أعطاهم يتألفهم ويتألف بهم قومهم . وكانوا أشرافا ، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ، وأعطى ابنه مائة بعير ، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير ، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير ، وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير ، وأعطى حويطب بن عبدالعزى مائة بعير ، وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير . وكذلك أعطى مالك بن عوف والعلاء بن جارية . قال : فهؤلاء أصحاب المئين . وأعطى رجالا من قريش دون المائة منهم مخرمة بن نوفل الزهري وعمير بن وهب الجمحي ، وهشام بن عمرو العامري . قال ابن إسحاق : فهؤلاء لا أعرف ما أعطاهم . وأعطى سعيد بن يربوع خمسين بعيرا ، وأعطى عباس بن مرداس السلمي أباعر قليلة فسخطها . فقال في ذلك :
كانت نهابا تلافيتها *** بكري على المهر في الأجرع{[8089]}
وإيقاظي القوم أن يرقدوا *** إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد *** بين عيينة والأقرع{[8090]}
وقد كنت في الحرب ذا تُدْرَإٍ *** فلم أعط شيئا ولم أمنع{[8091]}
إلا أفائل أعطيتها *** عديد قوائمه الأربع{[8092]}
وما كان حصنٌ ولا حابس*** يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما *** ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اذهبوا فاقطعوا عني لسانه ) فأعطوه{[8093]} حتى رضي ، فكان ذلك قطع لسانه . قال أبو عمر : وقد ذكر في المؤلفة قلوبهم النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة ، أخو النضر بن الحارث المقتول ببدر صبرا . وذكر آخرون أنه فيمن هاجر إلى الحبشة ، فإن كان منهم فمحال أن يكون من المؤلفة قلوبهم ، ومن هاجر إلى أرض ، الحبشة فهو من المهاجرين الأولين ممن رسخ الإيمان في قلبه وقاتل دونه ، وليس ممن يؤلف عليه . قال أبو عمر : واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف بن سعد بن يربوع{[8094]} النصري على من أسلم من قومه من قبائل قيس ، وأمره بمغاورة ثقيف ففعل وضيق عليهم ، وحسن إسلامه وإسلام المؤلفة قلوبهم ، حاشا عيينة بن حصن فلم يزل مغموزا{[8095]} عليه . وسائر المؤلفة متفاضلون ، منهم الخير الفاضل المجتمع على فضله ، كالحارث بن هشام ، وحكيم بن حزام ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو ، ومنهم دون هؤلاء . وقد فضل الله النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض وهو أعلم بهم . قال مالك : بلغني أن حكيم بن حزام أخرج ما كان أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم في المؤلفة قلوبهم فتصدق به بعد ذلك .
قلت : حكيم بن حزام وحويطب بن عبدالعزى عاش كل واحد منهما مائة وعشرين سنة ستين في الإسلام وستين في الجاهلية . وسمعت الإمام{[8096]} شيخنا الحافظ أبا محمد عبدالعظيم يقول : شخصان من الصحابة عاشا في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين سنة ، وماتا بالمدينة سنة أربع وخمسين ، أحدهما حكيم بن حزام ، وكان مولده في جوف الكعبة قبل عام الفيل بثلاث عشرة سنة . والثاني حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري . وذكر هذا أيضا أبو عمر وعثمان الشهرزوري في كتاب معرفة أنواع علم الحديث له ، ولم يذكرا غيرهما . وحويطب ذكره أبو الفرج الجوزي في كتاب الوفا في شرف المصطفى . وذكره أبو عمر في كتاب الصحابة أنه أدرك الإسلام وهو ابن ستين سنة ، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة . وذكر أيضا حمنن بن عوف أخو عبدالرحمن بن عوف ، أنه عاش في الإسلام ستين سنة وفي الجاهلية ستين سنة . وقد عد في المؤلفة قلوبهم معاوية وأبوه أبو سفيان بن حرب . أما معاوية فبعيد أن يكون منهم ، فكيف يكون منهم وقد ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم على وحي الله وقراءته وخلطه بنفسه . وأما حاله في أيام أبي بكر فأشهر من هذا وأظهر . وأما أبوه فلا كلام فيه أنه كان منهم . وفي عددهم اختلاف ، وبالجملة فكلهم مؤمن ولم يكن فيهم كافر على ما تقدم ، والله أعلم وأحكم .
الثالثة عشرة - واختلف العلماء في بقائهم ، فقال عمر والحسن والشعبي وغيرهم : انقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره . وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي . قال بعض علماء الحنفية : لما أعز الله الإسلام وأهله وقطع دابر الكافرين - لعنهم الله - اجتمعت الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين في خلافة أبي بكر{[8097]} رضي الله عنه على سقوط سهمهم . وقال جماعة من العلماء : هم باقون لأن الإمام ربما أحتاج أن يستألف على الإسلام . وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين . قال يونس : سألت الزهري عنهم فقال : لا أعلم نسخا في ذلك . قال أبو جعفر النحاس : فعلى هذا الحكم فيهم ثابت ، فإن كان أحد يحتاج إلى تألفه ويخاف أن تلحق المسلمين منه آفة أو يرجى أن يحسن إسلامه بعد دفع إليه . قال القاضي عبدالوهاب : إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة . وقال القاضي{[8098]} ابن العربي : الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا ، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم ، فإن في الصحيح : ( بدأ{[8099]} الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ) .
الرابعة عشرة - فإذا فرّعنا على أنه لا يرد إليهم سهمهم فإنه يرجع إلى سائر الأصناف أو ما يراه الإمام . وقال الزهري : يعطى نصف سهمهم لعمار المساجد . وهذا مما يدلك على أن الأصناف الثمانية محل لا مستحقون تسوية ، ولو كانوا مستحقين لسقط سهمهم بسقوطهم ولم يرجع إلى غيرهم ، كما لو أوصى لقوم معينين فمات أحدهم لم يرجع نصيبه إلى من بقي منهم . والله أعلم .
الخامسة عشرة - قوله تعالى : " وفي الرقاب " أي في فك الرقاب ، قاله ابن عباس وابن عمر ، وهو مذهب مالك وغيره . فيجوز للإمام أن يشتري رقابا من مال الصدقة يعتقها عن المسلمين ، ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين . وإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم جاز . هذا تحصيل مذهب مالك ، وروي عن ابن عباس والحسن ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد . وقال أبو ثور : لا يبتاع منها صاحب الزكاة نسمة يعتقها بجَرّ ولاء . وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي ورواية عن مالك . والصحيح الأول ، لأن الله عز وجل قال : " وفي الرقاب " فإذا كان للرقاب سهم من الصدقات كان له أن يشتري رقبة فيعتقها . ولا خلاف بين أهل العلم أن للرجل أن يشتري الفرس فيحمل عليه في سبيل الله . فإذا كان له أن يشتري فرسا بالكمال من الزكاة جاز أن يشتري رقبة بالكمال ، لا فرق بين ذلك . والله أعلم .
السادسة عشرة - قوله تعالى : " وفي الرقاب " الأصل في الولاء ، قال مالك : هي الرقبة تعتق وولاؤها للمسلمين ، وكذلك إن أعتقها الإمام . وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته . وقال عليه السلام : ( الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ) . وقال عليه السلام : ( الولاء لمن أعتق ) . ولا ترث النساء من الولاء شيئا ، لقوله عليه السلام : ( لا ترث النساء من الولاء شيئا إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن ) وقد ورث النبي صلى الله عليه وسلم ابنة حمزة من مولى لها النصف ولابنته النصف . فإذا ترك المعتق أولادا ذكورا وإناثا فالولاء للذكور من ولده دون الإناث . وهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم . والولاء إنما يورث بالتعصيب المحض ، والنساء لا تعصيب فيهن فلم يرثن من الولاء شيئا . فافهم تصب .
السابعة عشرة - واختلف هل يعان منها المكاتب ، فقيل لا . روي ذلك عن مالك ، لأن الله عز وجل ذكر الرقبة دل على أنه أراد العتق الكامل ، وأما المكاتب فإنما هو داخل في كلمة الغارمين بما عليه من دين الكتابة ، فلا يدخل في الرقاب . والله أعلم . وقد روي عن مالك من رواية المدنيين وزياد عنه : أنه يعان منها المكاتب في آخر كتابته بما يعتق . وعلى هذا جمهور العلماء في تأويل قول الله تعالى : " وفي الرقاب " . وبه قال ابن وهب والشافعي والليث والنخعي وغيره وحكى علي بن موسى القمي الحنفي في أحكامه : أنهم أجمعوا على أن المكاتب مراد . واختلفوا في عتق الرقاب ، قال الكيا الطبري : وذكر{[8100]} وجها{[8101]} بينه في منع ذلك فقال : إن العتق إبطال ملك وليس بتمليك ، وما يدفع إلى المكاتب تمليك ، ومن حق الصدقة ألا تجزي إلا إذا جرى فيها التمليك . وقوى ذلك بأنه لو دفع من الزكاة عن الغارم في دينه بغير أمره لم يجزه من حيث لم يملك فلأن لا يجزي ذلك في العتق أولى . وذكر أن في العتق جر الولاء إلى نفسه وذلك لا يحصل في دفعه للمكاتب . وذكر أن ثمن العبد إذا دفعه إلى العبد لم يملكه العبد ، وإن دفعه إلى سيده فقد ملّكه العتق . وإن دفعه بعد الشراء والعتق فهو قاضٍ ديناً وذلك لا يجزي في الزكاة . قلت : قد ورد حديث ينص على معنى ما ذكرنا من جواز عتق الرقبة وإعانة المكاتب معا أخرجه الدارقطني عن البراء قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار . قال : ( لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة{[8102]} أعتق النسمة وفك الرقبة ) . فقال : يا رسول الله ، أو ليستا واحدا ؟ قال : ( لا ، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها . . . ) وذكر الحديث .
الثامنة عشرة - واختلفوا في فك الأسارى منها ، فقال أصبغ : لا يجوز . وهو قول ابن قاسم . وقال ابن حبيب : يجوز ، لأنها رقبة ملكت بملك الرق فهي تخرج من رق إلى عتق ، وكان ذلك أحق وأولى من فكاك الرقاب الذي بأيدينا ، لأنه إذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة وجائزا من الصدقة ، فأحرى وأولى أن يكون ذلك في فك المسلم عن رق الكافر وذله .
التاسعة عشرة - قوله تعالى : " والغارمين " هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به ، ولا خلاف فيه . اللهم إلا من ادّان في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب . ويعطى منها من له مال وعليه دين محيط به ما يقضي به دينه ، فإن لم يكن له مال وعليه دين فهو فقير وغارم فيعطى بالوصفين . روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تصدقوا عليه ) . فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه : ( خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ) .
الموفية عشرين - ويجوز للمتحمل في صلاح وبر أن يُعطى من الصدقة ما يؤدي ما تحمل به إذا وجب عليه وإن كان غنيا ، إذا كان ذلك يجحف بماله كالغريم . وهو قول الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم . واحتج من ذهب هذا المذهب بحديث قبيصة بن مخارق قال : تحملت حمالة{[8103]} فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال : ( أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها - ثم قال - يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه{[8104]} لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال سدادا من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا{[8105]} يأكلها صاحبها سحتا ) . فقوله : ( ثم يمسك ) دليل على أنه غني ، لأن الفقير ليس عليه أن يمسك . والله أعلم . وروي عنه عليه السلام أنه قال : ( إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة لذي فقر مدقع{[8106]} أو لذي غرم مفظع{[8107]} أو لذي دم موجع{[8108]} ) . وروي عنه عليه السلام : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة . . . ) الحديث . وسيأتي .
الحادية والعشرون - واختلفوا ، هل يقضى منها دين الميت أم لا ؟ فقال أبو حنيفة : لا يؤدى من الصدقة دين ميت . وهو قول ابن المواز . قال أبو حنيفة : ولا يعطى منها من عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق الله تعالى ، وإنما الغارم من عليه دين يسجن فيه . وقال علماؤنا وغيرهم : يقضى منها دين الميت لأنه من الغارمين ، قال صلى الله عليه وسلم : ( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا{[8109]} فإلي وعلي ) .
الثانية والعشرون - قوله تعالى : " وفي سبيل الله " وهم الغزاة وموضع الرباط ، يعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء . وهذا قول أكثر العلماء ، وهو تحصيل مذهب مالك رحمه الله . وقال ابن عمر : الحجاج والعمار . ويؤثر عن أحمد وإسحاق رحمهما الله أنهما قالا : سبيل الله الحج . وفي البخاري : ويذكر عن أبي لاس{[8110]} : حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج ، ويذكر عن ابن عباس : يعتق من زكاة{[8111]} ماله ويعطي في الحج . خرج أبو محمد عبدالغني الحافظ حدثنا محمد بن محمد الخياش حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن عبدالرحمن بن أبي نُعم ويكنى أبا الحكم قال : كنت جالسا مع عبدالله بن عمر فأتته امرأة فقالت له : يا أبا عبدالرحمن ، إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله . قال ابن عمر : فهو كما قال في سبيل الله . فقلت له : ما زدتها فيما سألت عنه إلا غما . قال : فما تأمرني يا ابن أبي نُعم ، آمرها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون فيفسدون في الأرض ويقطعون السبيل ، قال : قلت فما تأمرها ؟ قال : آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين ، إلى حجاج بيت الله الحرام ، أولئك وفد الرحمن ، أولئك وفد الرحمن ، أولئك وفد الرحمن ، ليسوا كوفد الشيطان ، ثلاثا يقولها . قلت : يا أبا عبدالرحمن ، وما وفد الشيطان ؟ قال : قوم يدخلون على هؤلاء الأمراء فيُنِمُّون إليهم الحديث ، ويسعون في المسلمين بالكذب ، فيجازون الجوائز ويعطون عليه العطايا . وقال محمد بن عبدالحكم : ويعطى من الصدقة في الكراع والسلاح وما يحتاج إليه من آلات الحرب ، وكف العدو عن الحوزة ؛ لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته . وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة في نازلة سهل بن أبي حثمة إطفاء للثائرة .
قلت : أخرج هذا الحديث أبو داود عن بشير بن يسار ، أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وداه مائة من إبل الصدقة ، يعني دية الأنصاري الذي قتل بخيبر ، وقال عيسى بن دينار : تحل الصدقة لغاز في سبيل الله ، قد احتاج في غزوته وغاب عنه غناؤه ووفره . قال : ولا تحل لمن كان معه ماله من الغزاة ، إنما تحل لمن كان ماله غائبا عنه منهم . وهذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور أهل العلم . وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا منقطعا به . وهذه زيادة على النص ، والزيادة عنده على النص نسخ ، والنسخ لا يكون إلا بقرآن أو خبر متواتر ، وذلك معدوم هنا ، بل في صحيح السنة خلاف ذلك من قوله عليه السلام : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني ) . رواه مالك مرسلا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار . ورفعه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان هذا الحديث مفسرا لمعنى الآية ، وأنه يجوز لبعض الأغنياء أخذها ، ومفسرا لقوله عليه السلام : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ) لأن قوله هذا مجمل ليس على عمومه بدليل الخمسة الأغنياء المذكورين . وكان ابن القاسم يقول : لا يجوز لغني أن يأخذ من الصدقة ما يستعين به على الجهاد وينفقه في سبيل الله ، وإنما يجوز ذلك لفقير . قال : وكذلك الغارم لا يجوز له أن يأخذ من الصدقة ما يقي به ماله ويؤدي منها دينه وهو عنها غني . قال : وإذا احتاج الغازي في غزوته وهو غني له مال غاب عنه لم يأخذ من الصدقة شيئا يستقرض ، فإذا بلغ بلده أدى ذلك من ماله . هذا كله ذكره ابن حبيب عن ابن القاسم ، وزعم أن ابن نافع وغيره خالفوه في ذلك . وروى أبو زيد وغيره عن ابن القاسم أنه قال : يعطى من الزكاة الغازي وإن كان معه في غزاته ما يكفيه من ماله وهو غني في بلده . وهذا هو الصحيح ، لظاهر الحديث : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة . . . ) . وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطى منها الغزاة ومواضع الرباط فقراء كانوا أو أغنياء .
الثالثة والعشرون - قوله تعالى : " وابن السبيل " السبيل الطريق ، ونسب المسافر إليها لملازمته إياها ومروره عليها ، كما قال الشاعر :
إن تسألوني عن الهوى فأنا الهوى*** وابن الهوى وأخو الهوى وأبوه
والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره وماله ، فإنه يعطى منها وإن كان غنيا في بلده ، ولا يلزمه أن يشغل ذمته بالسلف . وقال مالك في كتاب ابن سحنون : إذا وجد من يسلفه فلا يعطى . والأول أصح ، فإنه لا يلزمه أن يدخل تحت منة أحد وقد وجد منة الله تعالى . فإن كان له ما يغنيه ففي جواز الأخذ له لكونه ابن السبيل روايتان : المشهور أنه لا يعطى ، فإن أخذ فلا يلزمه رده إذا صار إلى بلده ولا إخراجه .
الرابعة والعشرون - فإن جاء وادعى وصفا من الأوصاف ، هل يقبل قوله أم لا ؟ ويقال له أثبت ما تقول . فأما الدين فلا بد أن يثبته ، وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد له ويكتفى به فيها . والدليل على ذلك حديثان صحيحان أخرجهما أهل الصحيح ، وهو ظاهر القرآن . روى مسلم عن جرير [ عن أبيه ]{[8112]} قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في صدر النهار ، قال : فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار{[8113]} أو العباء متقلدي السيوف ، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر ، فتمعر{[8114]} وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة ، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ، ثم خطب فقال : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم - الآية إلى قوله - رقيبا{[8115]} " [ النساء : 1 ] والآية التي في الحشر " ولتنظر نفس ما قدمت لغد{[8116]} " [ الحشر : 18 ] تصدق رجل من ديناره من ثوبه من صاع بره - حتى قال - ولو بشق تمرة . قال : فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت ، قال : ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب ، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة{[8117]} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) . فاكتفى صلى الله عليه وسلم بظاهر حالهم وحث على الصدقة ، ولم يطلب منهم بينة ، ولا استقصى هل عندهم مال أم لا ؟ ومثله حديث أبرص وأقرع وأعمى أخرجه مسلم وغيره . وهذا لفظه : عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحب إليك ؟ فقال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس قال : فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال الإبل - أو قال البقر ، شك إسحاق ، إلا{[8118]} أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر – قال : فأعطي ناقة عشراء قال بارك الله لك فيها قال : فأتى الأقرع فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس قال : فمسحه فذهب عنه قال فأعطي شعرا حسنا قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال البقر فأعطي بقرة حاملا قال : بارك الله لك فيها قال : فأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك ؟ قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس قال : فمسحه فرد الله إليه بصره قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال الغنم فأعطي شاة والدا فأنتج هذان{[8119]} وولد هذا قال : فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم قال : ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال{[8120]} في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله وبك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري فقال له : الحقوق كثيرة . فقال له كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله ؟ فقال إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت فقال : وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا ورد عليه مثل ما رد على هذا فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت قال : وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال : قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت ، فوالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله فقال : أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك ) . وفي هذا أدل دليل على أن من ادعى زيادة على فقره من عيال أو غيره لا يكشف عنه خلافا لمن قال يكشف عنه إن قدر ، فإن في الحديث ( فقال رجل مسكين وابن سبيل أسألك شاة ) ولم يكلفه إثبات السفر . فأما المكاتب فإنه يكلف إثبات الكتابة لأن الرق هو الأصل حتى تثبت الحرية .
الخامسة والعشرون - ولا يجوز أن يعطي من الزكاة من تلزمه نفقته وهم الوالدان والولد والزوجة . وإن أعطى الإمام صدقة الرجل لولده ووالده وزوجته جاز . وأما أن يتناول ذلك هو نفسه فلا ؛ لأنه يسقط بها عن نفسه فرضا . قال أبو حنيفة : ولا يعطى منها ولد ابنه ولا ولد ابنته ، ولا يعطي منها مكاتبه ولا مدبره ولا أم ولده ولا عبدا أعتق نصفه ؛ لأنه مأمور بالإيتاء والإخراج إلى الله تعالى بواسطة كف الفقير ، ومنافع الأملاك مشتركة بينه وبين هؤلاء ؛ ولهذا لا تقبل شهادة بعضهم لبعض . قال : والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم وربما يعجز فيصير الكسب له . ومعتق البعض عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب . وعند صاحبيه أبي يوسف ومحمد بمنزلة حر عليه دين فيجوز أداؤها إليه .
السادسة والعشرون - فإن أعطاها لمن لا تلزمه نفقتهم فقد اختلف فيه ، فمنهم من جوزه ومنهم من كرهه . قال مالك : خوف المحمدة . وحكى مطرف أنه قال : رأيت مالكا يعطي زكاته لأقاربه . وقال الواقدي قال مالك : أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لا تعول . وقد قال صلى الله عليه وسلم لزوجة عبدالله بن مسعود : ( لك أجران أجر القرابة وأجر الصدقة ) . واختلفوا في إعطاء المرأة زكاتها لزوجها ، فذكر عن ابن حبيب أنه كان يستعين بالنفقة عليها بما تعطيه . وقال أبو حنيفة : لا يجوز ، وخالفه صاحباه فقالا : يجوز . وهو الأصح لما ثبت أن زينب امرأة عبدالله أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أريد أن أتصدق على زوجي أيجزيني ؟ فقال عليه السلام : ( نعم لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة ) . والصدقة المطلقة هي الزكاة ، ولأنه لا نفقة للزوج عليها ، فكان بمنزلة الأجنبي . اعتل أبو حنيفة فقال : منافع الأملاك بينهما مشتركة ، حتى لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه . والحديث محمول على التطوع . وذهب الشافعي وأبو ثور وأشهب إلى إجازة ذلك ، إذا لم يصرفه إليها فيما يلزمه لها ، وإنما يصرف ما يأخذه منها في نفقته وكسوته على نفسه وينفق عليها من ماله .
السابعة والعشرون - واختلفوا أيضا في قدر المعطى ، فالغارم يعطى قدر دينه ، والفقير والمسكين يعطيان كفايتهما وكفاية عيالهما . وفي جواز إعطاء النصاب أو أقل منه خلاف ينبني على الخلاف المتقدم في حد الفقر الذي يجوز معه الأخذ . وروى علي بن زياد وابن نافع : ليس في ذلك حد وإنما هو على اجتهاد الوالي . وقد تقل المساكين وتكثر الصدقة فيعطى الفقير قوت سنة . وروى المغيرة : يعطى دون النصاب ولا يبلغه . وقال بعض المتأخرين : إن كان في البلد زكاتان نقد وحرث أخذ ما يبلغه إلى الأخرى . قال ابن العربي : الذي أراه أن يعطى نصابا ، وإن كان في البلد زكاتان أو أكثر ، فإن الغرض إغناء الفقير حتى يصير غنيا . فإذا أخذ ذلك فإن حضرت الزكاة الأخرى وعنده ما يكفيه أخذها غيره . قلت : هذا مذهب أصحاب الرأي في إعطاء النصاب . وقد كره ذلك أبو حنيفة مع الجواز ، وأجازه أبو يوسف ، قال : لأن بعضه لحاجته مشغول للحال ، فكان الفاضل عن حاجته للحال دون المائتين ، وإذا أعطاه أكثر من مائتي درهم جملة كان الفاضل عن حاجته للحال قدر المائتين فلا يجوز . ومن متأخري الحنفية من قال : هذا إذا لم يكن له عيال ولم يكن عليه دين ، فإن كان عليه دين فلا بأس أن يعطيه مائتي درهم أو أكثر ، مقدار ما لو قضى به دينه يبقى له دون المائتين . وإن كان معيلا لا بأس بأن يعطيه مقدار ما لو وزع على عيال أصاب كل واحد منهم دون المائتين ؛ لأن التصدق عليه في المعنى تصدق عليه وعلى عياله . وهذا قول حسن .
الثامنة والعشرون - اعلم أن قوله تعالى : " للفقراء " مطلق ليس فيه شرط وتقييد ، بل فيه دلالة على جواز الصرف إلى جملة الفقراء كانوا من بني هاشم أو غيرهم ، إلا أن السنة وردت باعتبار شروط : منها ألا يكونوا من بني هاشم وألا يكونوا ممن تلزم المتصدق نفقته . وهذا لا خلاف فيه . وشرط ثالث ألا يكون قويا على الاكتساب ؛ لأنه عليه السلام قال : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ) . وقد تقدم القول فيه . ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا لبني هاشم ولا لمواليهم . وقد روي عن أبي يوسف جواز صرف صدقة الهاشمي للهاشمي ، حكاه الكيا الطبري . وشذ بعض أهل العلم فقال : إن موالي بني هاشم لا يحرم عليهم شيء من الصدقات . وهذا خلاف الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال لأبي رافع مولاه : ( وإن مولى القوم منهم )
التاسعة والعشرون - واختلفوا في جواز صدقة التطوع لبني هاشم ، فالذي عليه جمهور أهل العلم - وهو الصحيح - أن صدقة التطوع لا بأس بها لبني هاشم ومواليهم ؛ لأن عليا والعباس وفاطمة رضوان الله عليهم تصدقوا وأوقفوا أوقافا على جماعة من بني هاشم ، وصدقاتهم الموقوفة معروفة مشهورة . وقال ابن الماجشون ومطرف وأصبغ وابن حبيب : لا يعطى بنو هاشم من الصدقة المفروضة ولا من التطوع . وقال ابن القاسم : يعطى بنو هاشم من صدقة التطوع . قال ابن القاسم : والحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم{[8121]} : ( لا تحل الصدقة لآل محمد ) إنما ذلك في الزكاة لا في التطوع . واختار هذا القول ابن خويز منداد ، وبه قال أبو يوسف ومحمد . قال ابن القاسم : ويعطى مواليهم من الصدقتين . وقال مالك في الواضحة : لا يعطى لآل محمد من التطوع . قال ابن القاسم : - قيل له يعني مالكا - فمواليهم ؟ قال : لا أدري ما الموالي . فاحتججت عليه بقوله عليه السلام : ( مولى القوم منهم ) . فقال قد قال : ( ابن أخت القوم منهم ) . قال أصبغ : وذلك في البر والحرمة .
الموفية ثلاثين - قوله تعالى : " فريضة من الله " بالنصب على المصدر عند سيبويه . أي فرض الله الصدقات فريضة . ويجوز الرفع على القطع في قول الكسائي ، أي هن فريضة . قال الزجاج : ولا أعلم أنه قرئ به .
قلت : قرأ بها إبراهيم بن أبي عبلة ، جعلها خبرا ، كما تقول : إنما زيد خارج .
قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن سبيل فرضية من الله والله عليم حكيم } .
{ الصدقات } جمع صدقة . وهي إذا أطلقت في القرآن دلت على أنها الزكاة المفروضة . على أن الزكاة المفروضة قد جعلها الله لأصناف ثمانية من الناس على الخصوص دون غيرهم ، وقد بينهم الآية . ويأتي في طليعة هذه الأصناف من الناس المستحقين للزكاة : الفقراء والمساكين . وثمة خلاف بين العلماء في الفرق بين الفقير والمسكين . وذلك على عدة أقوال نقتضب منها أربعة .
القول الأول : الفقير هو المحتاج المتعفف ، أما المسكين فهو الفقير السائل ، فالفقير لا يسأل الناس ، والمسلكين يسألهم .
القول الثاني : الفقير ، هو الذي ليس له شيء . وأما المسكين فهو الذي له شيء ، وبذلك فإن المسكين أسوأ حالا من الفقير ، ويحتج لذلك بما رسول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ من الفقر . وروي عنه أنه قال : ( اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ) . ولو كان المسلكين أسوأ حالا والفقير لتناقض الخبران . والفقير في اللغة أو المفقور هو الكسير الفقار . أو المكسور فقار الظهر . وهو يدل على شدة الحاجة وسوء الحال . هذا قول الشافعية{[1809]} .
القول الثالث : المسكين هو الذي لا شيء له ، والفقير هو الذي له أدنى بلغة ، أو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه . وهو قول الكرخي . وحكاه أبو العباس ثعلب ، ويحتج لذلك بما روي البخاري عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان ؛ ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحق أو لا يسأل الناس إلحافا ) . وأخرج البخاري كذلك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، ولكن المسلكين الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن به فيتصدق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس ) وذلك يدل على أن المسكين لهم أسوأ حالا من الفقير{[1810]} .
القول الرابع : الفقير هو المحتاج الذي به زمانة ، والمسكين هو المحتاج الصحيح . وهو قول قتادة{[1811]} .
الصنف الثالث : { العاملين عليها } وهم السعاة أو الجباة الذين يبعثهم الإمام لجمع الزكاة من المالكين ؛ فهم بذلك وكلاء عن الإمام في هذه الوجيبة ، وهؤلاء السعاة يستحقون حظا من الزكاة جزاء عملهم .
أما ما يأخذونه من الزكاة ، فقيل : يأخذون الثمن . وذلك بقسمة الله الصدقات على أصناف ثمانية . وهو قول الشافعي . وقيل : يعطون قدر عملهم من الأجرة . وهو قول الحنفية والمالكية . وقال به ابن عمر ، وعمر بن عبد العزيز . وقيل : يعطون من بيت المال ، ومن غير مال الزكاة ، وهو ضعيف ؛ لأن سهمهم في الزكاة مذكورا نصا في الآية { والعاملين عليها } .
الصنف الرابع : { المؤلفة قلوبهم } وهم قوم يتألفهم المسلمون على الإسلام فيعطون نصيبا من الزكاة . وهم ثلاثة أنواع :
النوع الأول : كفار يعطون لدفع معرتهم وكف أذيتهم عن المسلمين والاستعانة بهم على غيرهم من المشركين ، والمعرة هي الإثم وهو يعر قومه ؛ أي يدخل عليهم مكروها ، وعرة بضم العين ، وعارورة ؛ أي قذر{[1812]} .
النوع الثاني : كفار يعطون لاستمالة قلوبهم وقلوب غيرهم من الكفار من اجل الدخول في الإسلام ، ولئلا يمنعوا من أسلم من قومهم من الثبات على الإسلام ، وعلى هذا فالمؤلفة قلوبهم من الكفار صنفان : من يرجي إسلامه ، ومن يخشى شره . فهؤلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من اجل استمالتهم او دفع شرهم{[1813]} .
النوع الثالث : مسلمون حديثو عهد بالكفر ، يتألفهم الإمام من سهم الزكاة أو المصالح ، على الخلاف في ذلك . وذلك لترسيخ العقيدة الإسلامية في قلوبهم ودفع الفتنة عنهم ، المحتملة من الشرك والمشركين .
وما ينبغي لمرتاب أو جاهل أن يعجب أو يتساءل عن وجه الإعطاء لها النصيب من الزكاة من أجل أن تتألف قلوب الكافرين والحاقدين والمترددين ؛ فإنه المسألة معقولة وجلية لمن تدبر أو تفكر . وأساس الأمر في هذه المسألة أن الإسلام يراعي أصناف البشر من حيث اختلاف طبائعهم وأهوائهم وفطرهم فما خلق الله الناس على نسق واحد متحد من الطبع والفطرة . وإنما الناس في ذلك مختلفون متفاوتون . فمن الناس من تستميله الكلمة الرقيقة الرحيمة والأسلوب الكريم الحاني ليسلس لمحدثه القياد والطاعة فيسير معه في لين وود ، ومنهم من يؤثر فيه البرهان الساطع والحجة الدامغة حتى إذا دخله اليقين وغشيته القناعة ؛ جنح للصواب ، واستجاب لنداء الحق المبين ، وسار مع السائرين في ظل الله وفي ضوء منهجه الحكيم الشافي . ومن الناس من لا تستميله حجة ولا برهان ، ولا يؤثر فيه علم ولا بيان ، ولا يعطف عقله أو قلبه أساليب العاطفة الغامرة أو التحنان الندي ؛ بل تؤثر فيه أسباب القوة والسنان ، وتردعه عن ظلمه وترديه في الفاحشة والضلال ؛ شدة البأس وقوة الشكيمة والترهيب . ومن الناس من لا يعطفه أو يؤثر فيه شيء مما ذكر ؛ فلا يجدي معه النقاش والبرهان ، ولا يستميله الخلق وقوة البيان . ولا يستميله أو يستعطفه الترهيب واشتداد الشكيمة . وإنما يستميله المال وحده . فإذا هو أوتي نصيبا من المال رق ولان ، وجنح لحب من يحسن إليه بالعطية . ومن أجل ذلك شرع الإسلام نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة مراعاة لطبائع البشر التي لا يحبط بحقيقتها ولا يعلمها كامل العلم إلا بارئها { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } .
هل انقطع سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ثمة قولان للعلماء في ذلك :
القول الأول : وهو سقوط سهم المؤلفة قلوبهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . وهو قول الحنيفة والشافعية في أحد القولين لهم . وقال به عمر والحسن والشعبي وآخرون ؛ فقد ذهب هؤلاء إلى انقطاع هذا الصنف من مستحقي الزكاة بعز الإسلام وظهوره . وعللوا انتهاء هذا الحكم بانتهاء علته ؛ وذلك كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار . وأجيب عن ذلك : بأن الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علته كما في الرمل والاضطباع{[1814]} في الطواف ، فإن انتهاءها لا يستلزم انتهاءه .
القول الثاني : إثبات سهم المؤلفة قلوبهم وعدم انقطاعه ، وهو قول الحنبلية والشافعية في المعتمد من مذهبهم ، واحتجوا بظاهر الآية ؛ فقد سمى الله المؤلفة قلوبهم في الأصناف الثمانية الذين سمى لهم الصدقة . وكذلك السنة ؛ فقد أخرج البيهقي بإسناده عن زياد بن الحارث الصدائي ( رضي الله عنه ) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام ، ثم أتاه آخر فقال : أعطني من الصدقة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل لم يرض فيها بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى يحكم هو فيها ؛ فجزأها ثمانية أجواء ، فغن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك –أو أعطيناك- حقك ) وقد ثبن عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار مشهورة أنه أعطى المؤلفة قلوبهم ولم يزل كذلك حتى مات . ولا يجوز نرك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ ؛ ولا نسخ .
قال الزهري في هذا المعنى : لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة . وقال ابن العربي أيضا : الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا ، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان يعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم{[1815]} .
والراجح عندي أن إعطاءهم منوط بالإمام ؛ فإن وجد في إعطائهم مصلحة للإسلام أعاطهم ، وإلا توقف إعطاؤهم ؛ فإنما يعول في ذلك على مصلحة الإسلام من حيث ترغيب الناس فيه واستمالتهم إليه ودرء شرهم وكيديهم عنه .
الصنف الخامس : { وفي الرقاب } والمراد بهؤلاء موضع خلاف نوجزه في قولين :
الصنف الأول : المراد بهم المكاتبون ؛ وهو أن يصرف إليهم هذا السهم من الزكاة ؛ فلا يجزي العتق من الزكاة ؛ وهو قول أكثر العلماء ؛ وهو أن إعطاء المكاتبين من الزكاة هو المراد من الآية ، أما عنق الرقبة ؛ فإنه لا يسمى صدقة ؛ لأن إيتاء الزكاة تمليك الأخذ ، وليس العتق تمليكا لمال . ويستدل على ذلك أيضا من السنة بما أخرجه البيهقي عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا مؤمل أول مكاتب في الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعينوا أبا مؤمل ) فأعين ما أعطى كتابه ،
وفضلت فضلة فاستفتى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يجعلها في سبيل الله .
القول الثاني : { وفي الرقاب } معناه فك الرقاب ؛ وبذلك يجوز للإمام أن يشتري رقابا من مال الصدقة ويعتقها عن المسلمين ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين ، وإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم جاز ، وهو قول المالكية ، وقد روي عن ابن عباس والحسن ، وهي رواية عن أحمد ، وقال به إسحاق وأبو عبيد وأبوة ثور . واحتجوا بقوله : { وفي الرقاب } فإن كان للرقاب سهم من الصدقات كان له أن يشتري الفرس فيحمل عليه في سبيل الله . فإذا كان له أن يشتري فرسا من الزكاة ؛ فإنه يجوز له أن يشتري رقبة ، ولا فرق بين ذلك{[1816]} .
الصنف السادس : { والغارمين } وهو جمع ومفرده الغارم . وهو المدين ، وقد يكون الغريم الدائن . والغرامة ما لزم أداؤه . وكذا المغرم والغرم ، وعلى العموم فإن الغارمين هم الذين أثقلهم الدين وليس عندهم ما يوفون به دينهم ، فإن هؤلاء يعطون من الزكاة بغير خلاف إلا إذا كان استدان في سفاهة ؛ فإنه لا يعطي من الزكاة إلا أن يتوب إلى ربه{[1817]} . وثمة مسائل في هذا الصدد :
المسألة الأولى : إذا كان لرجل على معسر دين فأراد أن يجعله عن زكاته فقال له : جعلته عن زكاتي ؛ ففي جواز ذلك قولان :
القول الأول : عمد الجواز ، وهو قول الحنبلية والشافعية ، وكذا المالكية في أحد القولين لهم . ووجه ذلك : أن الزكاة في ذمة المزكي ولا يبرأ إلا بإقباضها . واحتسابها بدلا عن الدين لا يكون إقباضا ؛ فلا يحتسب الدين من الزكاة قبل قبضه . ومعلوم أن الزكاة إيتاء ، أما هذا فهو إسقاط ، وهما مختلفان .
القول الثاني : الجواز ، وعلى هذا لو تصدق على مدينه الفقير جاز ؛ لأن المدين قبض عينا ، والعين تجوز عن العين والدين جميعا ، وهو قول الحنفية وكذا الشافعية والمالكية في قول لهم ، وقد ذهب إليه الحسن البصري وعطاء{[1818]} .
المسألة الثانية : لو مات وعليه دين وليس له تركة ، هل يقضي دينه من سهم الغارمين ؟ ثمة قولان في هذا :
أحدهما : الجواز ، وهو قول المالكية ، والشافعية في أحد قوليهم . وعلى هذا لو مات فإنه يوفى دينه من الزكاة إن استدان في غير فساد كشرب خمر أو قمار ونحو ذلك .
ثانيهما : عدم الجواز ، وهو قول الحنفية ، والشافعية في قولهم الثاني ، وهو مذهب أحمد . ووجه هذا القول : أن قضاء دين الغير لا يقتضي التمليك منه . ودليل ذلك أن ما أخرجه الدراقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا أولى بكل مؤمن من نفشه ؛ من ترك كالا فلورثته ، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي ؛ أنا أقضي دينه ، وأفك عانيه ) {[1819]} .
المسألة الثالثة : وهي نقل الزكاة من بلد على بلد آخر . فثمة خلاف بين العلماء في ذلك ؛ فقد ذهبت الحنفية إلى أن الزكاة تقسم في كل بلد في فقرائه ولا يخرجها إلى غيره من البلدان . وإن أخرجها وأعطاها الفقراء جاز مع الكراهة . وروي عن أبي حنيفة قوله إنه لا بأس أن يبعث الزكاة من بلد إلى آخر إلى ذي قرابته .
وذهبت الشافعية إلى أن صرف الزكاة إلى الأصناف في البلد الذي فيه المال دون غيره واجب . أما إن نقلها إلى بلد آخر ففي المذهب قولان : الجواز ؛ لأنهم من أهل الصدقات . والثاني : عدم الجواز ؛ لأن الزكاة حق واجب لأصناف البلد . فإذا نقل عنهم إلى غيرهم لا يجزئه ذلك .
وذهبت الحنبلية إلى أن الصدقة لا يجوز نقلها من بلدها إلى مسافة القصر واحتجوا بالخبر وهو ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن : ( أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) وهذا يختص بفقراء بلدهم ، ولأن المقصود إغناء الفقراء بها فإذا نقلها أفضى ذلك إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين . على أنه لو خالف ونقلها إلى بلد آخر أجزأه ذلك . وهو قول أكثر العلماء{[1820]} .
الصنف السابع : { وفي سبيل الله } وفي ذلك تفصيل وخلاف بين العلماء ، فالمراد بذلك عند أبي يوسف من الحنفية : فقراء الغزاة وهم المجاهدون . وقال محمد ابن الحسن الشيباني : المراد به منقطع الحاج . واحتج بما روي البخاري عن أبي لاس قال : ( حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج ) ولا تصرف الزكاة باتفاق الحنفية إلى أغنياء الغزاة ، فإن مصرف الزكاة هم الفقراء ؛ وذلك لما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن حنبل حين بعثه إلى اليمن : { فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ) وهذا يدل على أن الزكاة لا تصرف لأغنياء المجاهدين بل للفقراء{[1821]} .
أما الشافعية فذهبوا إلى أن سهم سبيل الله المذكور في الآية يصرف إلى الغزاة الذين لا حق لهم في ديوان السلطان بل يغزون متطوعين ، واحتجوا من السنة بما أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لعامل عليها ، أو لغاز في سبيل الله ، أو لغني اشتراها بماله ، أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني أو غارم ) وبذلك فإنه يعطي المجاهد سواء كان غنيا أو فقيرا ، ويعطي ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والدابة وغير ذلك من أسباب الحرب . على أنه يعطي الدين يتطوعون للجهاد وليس لهم أرزاق مرتبة في الديوان . أما الغزاة المرتبون في ديوانه السلطان ولهم فيه حق : فلا تعطون من الزكاة من غير خلاف في المذهب{[1822]} .
وذهبت المالكية إلى أن المراد بهذا الصنف الغزاة وموضع الرباط ؛ فهم يعطون ما ينفقون في غزوهم سواء كانوا أغنياء أو فقراء{[1823]} واحتجوا بما ٍأخرجه أبو داود عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله ، أو لعامل عليها ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني ) .
أما الحنبلية فقالوا : إن المراد بقوله : { وفي سبيل الله } : الحج . وبذلك يعطي هذا السهم للحجاج والعمار . وهو قول الحسن وإسحق . وقال به محمد بن الحسن من الحنفية . واستدلوا على ذلك بقول أبي لاس : حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج .
الصنف الثامن : { وابن السبيل } والمراد به المسافر الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده وماله وإن كان غنيا في بلده ؛ فإنه يعطي من الصدقة وإن كان له مال في بلده ولا يلزمه إشغال ذمته بالدين .
وعلى هذا فإن ابن سبيل وهو المسافر المجتاز في بلد وليس معه شيء يستعين به على سفره ، يعطي من الصدقات ما يكفيه إلى بلده . وكذلك من أنشأ سفرا من بلده وليس معه شيء ؛ فإنه يعطي من مال الزكاة ما يكفيه في ذهابه وإيابه ، ويستدل على ذلك بظاهر الآية ، وبالخبر : ( لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله ، أو ابن السبيل ، أو جار فقير تصدق عليه فيهدي لك أو يدعوك ) .
ويعطي المسافر ما يحتاجه للمؤونة فيلا سفره ولا يضر غناه في غير سفره . وإن كان سفره في طاعة كحج أو جهاد أو زيارة مفروضة أو مندوبة أو نحو ذلك ؛ دفع إليه من الزكاة . بغير خلاف في ذلك . أما إن كانت سفره في معصية كقطع الطريق ونحو ذلك من وجوه المعصية والإفساد ؛ فلا يعطي من الزكاة بغير خلاف لما في الدفع إليه من عون على المعصية . وأما إن كان السفر في مباح كتحصيل رزق ، أو استيطان في بلد ، أو يقصد التنزه ؛ فإنه يدفع له على الأصح . وذلك على سبيل الرفق بالمسافر في المباح ، قياسا على الرفق به في الطاعة{[1824]} .
أما هل تعطي الزكاة لصنف واحد ، فثمة قولان في ذلك :
القول الأول : جواز إعطاء الزكاة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية ، فإن أعطاها صنفا واحدا أجزأته . وهو قول الحنفية والمالكية والحنبلية ، وقال به من السلف عمر وحذيفة وابن عباس ، وسعيد بن جبير والسحن والنخعي وعطاء وعمر ابن عبد العزيز{[1825]} . واستدلوا على ذلك بظاهر قوله تعالى : { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } وهذا عموم في جميع الصدقات ؛ لأنه اسم جنس لدخول الألف وللام عليه . ويدل ذلك على دفع جميع الصدقات إلى صنف واحد من المذكورين وهم الفقراء . وكذلك قوله تعالى : { في أموالهم حق معلوم 24 للسائل والمحروم } وهذا يجوز إعطاء الصدقة هذين الصنفين والمستحقين وهو ما ينفي وجوب قسمتها على ثمانية أصناف .
واستدلوا من السنة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ( فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ) فدل ذلك على أنه مأمور برد الصدقة بجملتها في الفقراء وهم صنف واحد ولم يذكر سواهم .
واستدلوا بجملة من الآثار منها ما أخرجه البيهقي عن حذيفة قال : إذ أعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية أجزأه . وكذلك ما أخرجه البيهقي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء } قال : يجزيك أن تجعلها في صنف واحد من هذه الأصناف{[1826]} .
القول الثاني : وجوب صرف الزكاة إلى ثمانية أصناف وهم المذكورون في الآية . ودليل ذلك قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغامرين وفي سبيل الله وابن سبيل } فقد أضاف جميع الصدقات إلى الأصناف الثمانية كلهم . وذلك بلام التمليك وأشرك بينهم بواو التشريك . فدل ذلك على أن مال الزكاة مملوك لهم ، مشترك بينهم . على أنه يجب التسوية بين الأصناف الثمانية في التوزيع دون تفضيل بينهم . وهذا قول الشافعية وأهل الظاهر ؛ لأن الله سوى بينهم في الآية . فإن وجدت الأصناف الثمانية وجب لكل صنف ثمن . وإن وجد منهم خمسة أصناف وجب لكل صنف خمس ، ولا يجوز تفضيل صنف على صنف بالاتفاق في المذهب . وإذا فقد بعض الأصناف فلم يوجدوا في البلد ولا غيره ، قسمت الزكاة بكمالها على الموجودين من باقي الأصناف .
صرف الزكاة في غير مصارفها الثمانية
لقد خصت الآية الأصناف الثمانية بالزكاة . وتبين ذلك من قوله : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية ، وإنما ، تفيد الحصر . فالزكاة بذلك يجب حصرها في الأصناف الذين ذكرتهم الآية وهم ثمانية دون غيرهم . وعلى هذا لا تصرف الزكاة في وجوه البر أو المشاريع الخيرية المختلفة كبناء المساجد والقناطير والجسور والسقايات وإصلاح الطرقات وتكفين الموتى والتوسعة على الأضياف ونحو ذلك من وجوه الخير والإصلاح . 3 وقد ذهب إلى ذلك هامة أهل العلم احتجاج بقوله تعالى : { إنما الصدقات } فقوله : { إنما } يفيد الحصر والإثبات ؛ فهي تثبت المذكور وتنفي ما عداه . وذهب أنس والحسن إلى صرف الزكاة في المشاريع الخيرية ومختلفة وجوة البر والإصلاح من غير الأصناف استنادا إلى عموم قوله تعالى : { وفي سبيل الله } {[1827]} .
اختلفوا في وصف الغني الذي لا يجوز معه أخذ الزكاة ؛ فقد ذهبت الحنفية إلى أن الغني هو ملك النصاب ؛ فمن ملك نصابا كان غنيا ، وليس له أن يأخذ من الزكاة{[1828]} .
وذهب الحنبلية في الأظهر من مذهبهم إلى أن الغنة هو مالك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب ، أو وجود ما تحصل به الكفاية من كسب أو تجارة أو عقار أو نحو ذلك . ولو ملك من العروض أو الحبوب أو السائمة أو العقار ما لا تحصل به الكفاية لم يكن غنيا وإن ملك النصاب ، وهو الظاهر من مذهب أحمد ، وقال به الثوري والنخعي وإسحاق{[1829]} .
أما المالكية والشافعية في جملة قولهم : أن الغني من كانت عنده كفاية تغنيه . وعلى هذا فالفقير الذي يستحق سهما في الزكاة هو الذي ليس له كفاية من مال وهو غير متكسب ؛ فمن كان له دار يسكنها أو ثوب يلبسه متجملا به وليس له مال أو كسب فهو فقير{[1830]} .
قوله : { فريضة من الله } { فريضة } منصوب على المصدر ؛ أي فرض الله الصدقات على المسلمين فريضة .
قوله : { والله عليم حكيم } الله عليم بما ينفع الناس وما يصلح عليه حالهم من الأحكام ، وهو كذلك حكيم ؛ إذ يضع الأشياء في مواضعها ، ويدبر الأمور ، خير تدبير وذلك عن حكمة بالغة وعلم أزلي مطلق{[1831]} .