{ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً ( 63 ) }
وعباد الرحمن الصالحون يمشون على الأرض بسكينة متواضعين ، وإذا خاطبهم الجهلة السفهاء بالأذى أجابوهم بالمعروف من القول ، وخاطبوهم خطابًا يَسْلَمون فيه من الإثم ، ومن مقابلة الجاهل بجهله .
بعد كل ذلك جاء الحديث عن عباد الرحمن ، أصحاب المناقب الحميدة ، والصفات الكريمة ، والمزايا التى جعلتهم يتشرفون بالانتساب إلى خالقهم جاء قوله - تعالى - : { وَعِبَادُ . . . } .
هؤلاء هم عباد الرحمن ، وتلك هى صفاتهم التى ميزتهم عن سواهم .
وقد افتتحت هذه الآيات بقوله - تعالى - : { وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً . . } .
وهذه الجملة الكريمة مبتدأ . والخبر قوله - تعالى - : { أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُواْ . . } وما بينهما من الموصولات صفات لهم .
وإضافتهم إلى الرحمن من باب التشريف والتكريم والتفضيل .
و " هونا " مصدر بمعنى اللين والرفق . . . وهو صفة لموصوف محذوف .
أى : وعباد الرحمن الذين رضى الله عنهم وأرضاهم ، من صفاتهم أنهم يمشون على الأرض مشيا لينا رقيقا ، لا تكلف فيه ولا خيلاء ولا تصنع فيه ولا ضعف ، وإنما مشيهم تكسوه القوة والجد ، والوقار والسكينة .
قال الإمام ابن كثير : أى : يمشون بسكينة ووقار . . . كما قال - تعالى - : { وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً } وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من التصانع ، تصنعا ورياء ، فقد كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب - أى : من موضع منحدر - وكأنما الأرض تطوى له ، وعندما رأى عمر - رضى الله عنه - شابا يمشى رويدا قال له : ما بالك ؟ أأنت مريض ؟ قال : لا فعلاه بالدرة ، وأمره أن يسير بقوة . . .
هذا هو شأنهم فى مشيهم ، أما شأنهم مع غيرهم ، فقد وصفهم - سبحانه - بقوله : { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً }
أى : إذا خاطبهم الجاهلون بسفاهة وسوء أدب ، لم يقابلوهم بالمثل ، بل يقابلوهم بالقول الطيب ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى : { وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجاهلين }
قوله تعالى : { وعباد الرحمان الذين يشمون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ( 63 ) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ( 64 ) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ( 65 ) إنها ساءت مستقرا ومقاما ( 66 ) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يفتروا وكان بين ذلك قواما ( 67 ) } .
( وعباد الرحمان ) ، مرفوع لأنه مبتدأ . و ( الذين يمشون ) خبره{[3345]} .
وهذه جملة من خصال المؤمنين وصفاتهم الحميدة التي تميزهم من غيرهم من الفاسقين والمنافقين والسفهاء . وقد سماهم الله بعباد الرحمن ؛ لأن تسميتهم بالعباد ووصفهم بالعبودية ، أقصى مراتب التكريم في حق الإنسان ؛ فهم عابدون للرحمان منيبون إليه مخلصون في طاعته ، وأول هذه السجايا التي تتجلى في عباد الرحمان هي في قوله : ( الذين يمشون على الأرض هونا ) الهون معناه الرفق واللين . ومنه الحديث : " أحبب حبيبك هونا ما " وكذلك الحديث : " المؤمن هيّن ليّن " .
والمعنى : أن مشيهم يكون في لين وسكينة ووقار وتواضع ؛ فهم لا يتبخترون خيلاء ، ولا يمشون مشية المستكبرين المرحين البطرين ، وإنما مشية القصد والاتئاد . وهذه الصفات من أخلاق النبوة . ويجلي هيئة المشي المشروع ما ذكره الرسول ( ص ) من سكينة الذاهب إلى الصلاة ؛ إذ قال : " إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وعليكم السكينة ، فما أدركتم منها فصلوا ، وما فاتكم فأتموا " .
وما ينبغي أن يُفهم من ذلك أن عباد الرحمان يمشون متضعفين كالمرضى ، أو متكلفين مرائين . فما هذه مشية المؤمنين المتقين ، وإنما مشيتهم ما بيناه آنفا . وأصدق ما ورد في هذا الصدد ، ما كان من سيرة الرسول ( ص ) في كيفية مشيته ؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا مشى كأنما ينحط من صبب{[3346]} وكأنما الأرض تطوى له .
على أن المشي في تصنع وتضعف مكروه . وفي ذلك روي عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا فقال : ما بالك ؟ أأنت مريض ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين ، فعلاه بالدرة وأمره أن يمشي بقوة .
قوله : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) ( سلاما ) ، منصوب على المصدر ، أي تسليما . فسلام في موضع تسليم{[3347]} والمعنى : إذا سفه الجاهلون على المؤمنين بسيء القول وقبحه ، رد عليهم المؤمنون بالسداد من القول ، وهو معنى قوله : ( سلاما ) أي قالوا لهم كلاما يدفعونهم به برفق وتوءدة . وذلك هو خلق المسلمين المتقين ؛ إذ يقابلون الإساءة بالإحسان والصفح ، يوردون بالتي هي أحسن السيئة ؛ ليكونوا من أهل العفو والفضل والحلم . وليس ذلك عن إحساس بضعف أو خور ولا بهزيمة للنفس من داخلها . ولا بغية التزلف أو تحصيل منفعة من المنافع . ليس العفو من المؤمنين عن الفاسقين والعاصين والسفهاء مبعثه الذل والنفاق والجبن ، بل مردهم من ذلك الاستعلاء على حظ النفس التي تجنح للانتقام . وكل ذلك ابتغاء مرضاة الله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.