التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ} (15)

{ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) }

لقد كان لقبيلة سبأ ب " اليمن " في مسكنهم دلالة على قدرتنا : بستانان عن يمين وشمال ، كلوا من رزق ربكم ، واشكروا له نعمه عليكم ؛ فإن بلدتكم كريمة التربة حسنة الهواء ، وربكم غفور لكم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ} (15)

أما النموذج الأول الذى جاء فى أعقاب سابقه - فقد ساقه - سبحانه - لسوء عاقبة الجاحدين ، متمثلا فى قصة قبيلة سبأ وكيف أنهم قابلوا نعم الهل بالبطر ، فمحقها - سبحانه - من بين أيديهم وفى شأنهم يقول - عز وجل - : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ . . . وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ } .

و { لِسَبَإٍ } فى الأصل اسم لرجل ، وهو : سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود ، وهو أول ملك من ملوك اليمن . .

والمراد به هنا : الحى أو القبيلة المسماة باسمه ، فيصرف على الأول ويترك صرفه على الثانى .

وكانوا يسكنون بمأْرِب باليمن ، على مسيرة ثلاثة أيام من صنعاء وكانت أرضهم مخصبة ذات بساتين وأشجار متنوعة ، وزاد خيرهم ونعيمهم بعد أن اقاموا سدا ، ليأخذوا من مياه الأمطار على قدر حاجتهم ، وكان هذا السد يعرف بسد مأرب ، ولكنهم لم يشكروا الله - تعالى - على هذه النعم ، فسلبها - سبحانه - منهم .

قال ابن كثير : كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها ، وكانت التبابعة منهم ، وبلقيس منهم ، وكانوا فى نعمة وغبطة ، وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ، ويشكروه بتوحيده وعبابدته فكانوا كذلك ما شاء الله ، ثم أرعضوا عما أمروه به ، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق فى البلاد .

أخرج الإِمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال : " إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ : ما هو ؟ رجل أم امرأة أم أرض ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : بل هو رجل . كانله عشرة اولاد ، سكن اليمن منهم ستة ، وهم : مَذْحِجْ ، وكِنْدَه ، والأزد ، والأشعريون ، وأنمار ، وحِميْر . وسكن الشام منهم أربعة وهم : لَخْم ، وجُذَام ، وعامِلَةُ ، وغسَّان " .

وإنما سمى " سبأ " لأنه أول من سبأ فى العرب - أى : جمع السبايا - ، وكان يقال له الرائش ، لأنه أول من غنم فى الغزو فأعطى قومه ، فسمى الرائش ، والعرب تسمى المال - ريشا ورياشا ، وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى زمانه المتقدم .

والمعنى : والله لقد كان لقبيلة سبأ فى مساكنهم التى يعيشون فيها { آيَةٌ } بينة واضحة ، وعلامة ظاهرة تدل على قدرة الله - تعالى - وعلى فضله على خلقه وعلى وجوب شكره على نعمه ، وعلى سوء عقابة الجاحدين لهذه النعم .

فالمراد بالآية : العلامة الواضحة الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وبديع صنعه ، ووجوب شكره ، والتحير من معصيته .

ثم وضح - سبحانه - هه الآية فقال : { جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ } أى : كانت لأهل سبأ طائفتان من البساتين والجنان : طائفة من يمين بلدهم ، وطائفة أخرى عن شماله .

وهذه البساتين المحيطة بهم كانت زاخرة بما لذ وطاب من الثمار .

قالوا : كانت المرأة تمشى تحت أشجار تلك البساتين وعلى رأسها المكتل ، يمتلئ من أنواع الفواكه التى تتساقط فى مكتلها دون جهد منها .

ولفظ { جَنَّتَانِ } مرفوع على البدل من { آيَةٌ } أو على أنه مبتدأ ، وخبره قوله : { عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ } .

وقوله - تعالى - : { كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ واشكروا لَهُ .

. } مقول لقول محذوف .

أى : وقلنا لهم على ألسنة رسلنا ، وعلى ألسنة الصالحين منهم ، كلوا من الأرزاق الكريمة ، والثمار الطيبة ، التى أنعم بها ربكم عليكم ، واشكروا له - سبحانه - هذا العطاء ، فإنكم إذا شكرتموه زادكم من فضله وإحسانه .

وقوله : { بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } كلام مستأنلف لبيان موجبات الشكر .

أى : هذه البلدة التى تسكنونها بلدة طيبة لاشتمالها على كل ما تحتاجونه من خيرات ، وربكم الذى أعطاكم هذه النعم ، رب واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه وأناب ، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده بفضله وإحسانه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ} (15)

قوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاّ الْكَفُورَ } .

يبين الله في هذه الآية حال الذين يكفرون بنعمته منبها لقريش ومحذرا إياهم مما جرى لمن كفر بأنعم الله من الأمم السابقة فقال : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ } وسبأ هم ملوك اليمن وأهلها وكانت التبابعة منهم ، وبلقيس صاحبة سليمان من جملتهم كذلك . وقد كانوا في رخاء وسعة من العيش الراغد والرزق الواسع الكريم . وقد بعث الله لهم رسله مبشرين ومنذرين ، يأمرونهم بشكر الله على ما رزقهم وامتنَّ به عليهم من الخيرات والثمرات وواسع الرزق ، فأعرضوا عما أمرتهم به رسلهم فعاقبهم الله بإرسال السيل عليهم . وهو قوله : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ } أي كان في مأواهم أو محل سكناهم ، وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا يقيمون فيها باليمن { آَيَةٌ } أي علامة دالة على عظمة الله وعلى قدرته البالغة وسلطانه العظيم . أو أن قصتهم قد جعلت لهم آية ؛ إذ أعرضوا عن شكر الله فسلبهم الله النعمة ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى الجحود وغمط{[3798]} النعمة ؛ أي جحدها وكفرانها .

قوله : { جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ } { جَنَّتَانِ } ، مرفوعة على البدل من { آية } وقيل : خبر لمبتدأ مضمر{[3799]} والمراد بالجنتين ، جماعتان من البساتين ، جماعة عن يمين بلدهم وجماعة عن شماله ، وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامِّها كأنه جنة واحدة . وقيل : المراد بستانا كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله ، والمعنى الأول أظهر .

قوله : { كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ } حكاية لما قالته لهم رسل الله وهو أن يأكلوا مما رزقهم الله فيشكروه على ما أنعم الله به عليهم من مختلف الخيرات .

قوله : { بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } أي هذه بلدتكم التي فيها رزقكم ، بلدة طيبة لطيفة المسكن ، مستطابة العيش والمقام ، جيدة الماء والهواء ، ليس فيها من عاهة ولا سقم ولا هامة{[3800]} . وفوق ذلك كله أن الله غفور يستر عليكم الذنوب والسيئات فاعبدوه وحده واشكروه على ما أفاض عليكم من النعم .


[3798]:غَمِطَ الناسَ: استحقرهم. وغمط العافية: لم يشكرها. وغمط النعمة: أي بَطِرها. انظر القاموس المحيط ص 878
[3799]:الدر المصون ج 9 ص 170
[3800]:الهامة: وجمعها الهوام، وهي دواب الأرض كالعقرب والفأر واليرابيع، والخنافس، والحيات. انظر القاموس المحيط ص 1512