تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ} (59)

الرجز : العذاب .

هكذا خالف الظالمون أمر ربهم ، وبدّلوا ما أُمروا به بالإحجام عن طاعة الأوامر ، استهزاءً بالجزاء ، فأنزل الله على الظالمين منهم عذابا من فوقهم . . جزاء لهم على فسقهم وخروجهم على أوامر ربهم .

القراءات :

قرئ «رُجزا » بضم الراء .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ} (59)

{ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } أي بدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولاً غيره { فَبَدَّلَ } يتعدى لمفعولين أحدهما : بنفسه والآخر : بالياء ، ويدخل على المتروك فالذمّ متوجه وجوّز أبو البقاء أن يكون بدل محمولاً على المعنى ، أي : فقال الذين ظلموا قولاً الخ ، والقول بأن ( غير ) منصوب بنزع الخافض ، كأنه قيل : فغيروا قولاً بغيره غير مرضي من القول ، وصرح سبحانه بالمغايرة مع استحالة تحقق التبديل بدونها تحقيقاً لمخالفتهم وتنصيصاً على المغايرة من كمل وجه ، وظاهر الآية انقسام من هناك إلى ظالمين وغير ظالمين وأن الظالمين هم الذين بدلوا وإن كان المبدل الكل كان وضع ذلك من وضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بالعلة .

واختلف في القول الذي بدلوه ففي الصحيحين أنهم قالوا : حبة في شعيرة ، وروى الحاكم { حنطة } بدل { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وفي «المعالم » إنهم قالوا بلسانهم حطة سمقاثاً أي حنطة حمراء ، قالوا ذلك استهزاء منهم بما قيل لهم ، والروايات في ذلك كثيرة ، وإذا صحت يحمل اختلاف الألفاظ على اختلاف القائلين ، والقول بأنه لم يكن منهم تبديل ومعنى فبدلوا لم يفعلوا ما أمروا به ، لا أنهم أتوا ببدل له غير مسلم وإن قاله أبو مسلم وظاهر الآية ، والأحاديث تكذبه .

/ { فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ السماء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } وضع المظهر موضع الضمير مبالغة في تقبيح أمرهم ، وإشعاراً بكون ظلمهم وإضرارهم أنفسهم بترك ما يوجب نجاتها ، أو وضعهم غير المأمور به موضعاً سبباً لإنزال الرجز وهو العذاب وتكسر راؤه وتضم والضم لغة بني الصعدات وبه قرأ ابن محيصن ، والمراد به هنا كما روى عن ابن عباس ظلمة وموت ، يروى أنه مات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفاً ، وقال وهب : طاعون غدوا به أربعين ليلة ثم ماتوا بعد ذلك ، وقال ابن جبير : ثلج هلك به منهم سبعون ألفاً فإن فسر بالثلج كان كونه { مّنَ السماء } ظاهراً وإن بغيره فهو إشارة إلى الجهة التي يكون منها القضاء أو مبالغة في علوّه بالقهر والاستيلاء ، وذكر بعض المحققين أن الجار والمجرور ظرف مستقر وقع صفة لرجزاً و{ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } متعلق به لنيابته عن العامل علة له ، وكلمة ( ما ) مصدرية ، والمعنى : أنزلنا على الذين ظلموا لظلمهم عذاباً مقدراً بسبب كونهم مستمرين على الفسق في الزمان الماضي ، وهذا أولى من جعل الجار والمجرور ظرفاً لغواً متعلقاً بأنزلنا لظهوره على سائر الأقوال ، ولئلا يحتاج في تعليل الإنزال بالفسق بعد التعليل المستفاد من التعليق بالظلم إلى القول بأن الفسق عين الظلم وكرر للتأكيد ، أو أن الظلم أعم والفسق لا بد أن يكون من الكبائر ، فبعد وصفهم بالظلم وصفوا بالفسق للإيذان بكونه من الكبائر ، فإن الأول( {[165]} ) : بضاعة العاجز .

والثاني : لا يدفع ركاكة التعليل ، وما قيل : إنه تعليل للظلم فيكون إنزال العذاب مسبباً عن الظلم المسبب عن الفسق ليس بشيء ، إذ ظلمهم المذكور سابقاً ، الذي هو سبب الإنزال لا يحتاج إلى العلة ، وقد احتج بعض الناس بقوله تعالى : { فَبَدَّلَ } الخ ؛ وترتب العذاب على التبديل ، على أن ما ورد به التوقيف من الأقوال لا يجوز تغييره ولا تبديله بلفظ آخر ، وقال قول : يجوز ذلك إذا كانت الكلمة الثانية تسد الأولى( {[166]} ) ، وعلى هذا جرى الخلاف كما في البحر في قراءة القرآن بالمعنى ورواية الحديث به ، وجرى في تكبيرة الإحرام ، وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة والبيع والتمليك ، والبحث مفصل في محله هذا . وقد ذكر مولانا الإمام الرازي رحمه الله تعالى أن هذه الآية ذكرت في الأعراف مع مخالفة من وجوه لنكات . الأول : قال هنا : { وَإِذْ قُلْنَا } [ البقرة : 8 5 ] لما قدم ذكر النعم ؛ فلا بد من ذكر المنعم ، وهناك { وَإِذْ قِيلَ } [ الأعراف : 161 ] إذ لا إبهام بعد تقديم التصريح به . الثاني : قال هنا : { أَدْخِلُواْ } وهناك { اسكنوا } لأن الدخول مقدم ، ولذا قدم وضعاً المقدم طبعاً . الثالث : قال هنا : { خطاياكم } بجمع الكثرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه ، واللائق بجوده غفران الذنوب الكثيرة ، وهناك { خطيئاتكم } بجمع القلة إذ لم يصرح بالفاعل . الرابع : قال هنا : { رَغَدًا } دون هناك لإسناد الفعل إلى نفسه هنا ، فناسب ذكر الإنعام الأعظم وعدم الإسناد هناك .

الخامس : قال هنا : { ادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وهناك بالعكس ، لأن الواو لمطلق الجمع ، وأيضاً المخاطبون يحتمل أن يكون بعضهم مذنبين ، والبعض الآخر ما كانوا كذلك ، فالمذنب لا بد وأن يكون اشتغاله بحط الذنب مقدماً على اشتغاله بالعبادة ، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا : ( حطة ) ثم يدخلوا وأما الذي لا يكون مذنباً ، فالأولى به أن يشتغل أولاً : بالعبادة ثم يذكر التوبة . ثانياً : للهضم وإزالة العجب فهؤلاء يجب أن يدخلوا ثم يقولوا فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى ذين القسمين ، لا جرم/ ذكر حكم كل واحد منهما في سورة أخرى . السادس : قال هنا : { وَسَنَزِيدُ } بالواو وهناك بدونه ، إذ جعل هنا المغفرة مع الزيادة جزاءاً واحداً لمجموع الفعلين ، وأما هناك فالمغفرة جزاء قول ( حطة ) والزيادة جزاء الدخول فترك ( الواو ) يفيد توزع كل من الجزاءين على كل من الشرطين .

السابع : قال هناك : { الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } [ الأعراف : 162 ] وهنا لم يذكر ( منهم ) لأن أول القصة هناك مبني على التخصيص ب { مِنْ } حيث قال : { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق } [ الأعراف : 159 ] فخص في آخر الكلام ليطابق أوله ، ولما لم يذكر في الآيات التي قبل { فَبَدَّلَ } هنا تمييزاً وتخصيصاً لم يذكر في آخر القصة ذلك . الثامن : قال هنا : { فَأَنزَلْنَا } وهناك { فَأَرْسَلْنَا } [ الأعراف : 162 ] لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر ، والإرسال يفيد تسليطه عليهم واستئصاله لهم ، وذلك يكون بالآخرة . التاسع : قال هنا : { فَكُلُواْ } [ البقرة : 8 5 ] بالفاء وهناك بالواو لما مر في { وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا } [ البقرة : 5 3 ] وهو أن كل فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط ، وذلك الشيء بمنزلة الجزاء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو فلما تعلق الأكل بالدخول قيل في سورة البقرة : { فَكُلُواْ } ولما لم يتعلق الأكل بالسكون في الأعراف ( 161 ) قيل : { وَكُلُواْ } . العاشر : قال هنا : { يَفْسُقُونَ } وهناك { يَظْلِمُونَ } [ الأعراف : 162 ] لأنه لما بين هنا كون الفسق ظلماً اكتفى بلفظ الظلم هناك انتهى . ولا يخفى ما في هذه الأجوبة من النظر ، أما في الأول والثاني والثامن والعاشر فلأنها إنما تصح إذا كانت سورة البقرة متقدمة على سورة الأعراف نزولاً كما أنها متقدمة عليها ترتيباً وليس كذلك ، فإن سورة البقرة كلها مدنية ، وسورة الأعراف كلها مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى : { وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية } إلى قوله تعالى : { وَإِذ نَتَقْنَا الجبل } [ الأعراف : 163 171 ] وقوله تعالى : { اسكنوا هذه القرية } [ الأعراف : 161 ] داخل في الآيات المكية ، فحينئذ لا تصح الأجوبة المذكورة . وأما ما ذكر في التاسع فيرد عليه منع عدم تعلق الأكل بالسكون لأنهم إذا سكنوا القرية ، تتسبب سكناهم للأكل منها كما ذكر الزمخشري ، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها ، فحينئذ لا فرق بين { كُلُواْ } و{ فَكُلُواْ } فلا يتم الجواب ، وأما الثالث فلأنه تعالى وإن قال في الأعراف ( 161 ) { وَإِذْ قِيلَ } لكنه قال في السورتين : { نَّغْفِرْ لَكُمْ } [ البقرة : 58 ، الأعراف : 161 ] وأضاف الغفران إلى نفسه ، فبحكم تلك اللياقة ينبغي أن يذكر في السورتين جمع الكثرة بل لا شك أن رعاية { نَّغْفِرْ لَكُمْ } أولى من رعاية { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } لتعلق الغفران بالخطايا كما لا يخفى على العارف بالمزايا . وأما الرابع فلأنه تعالى وإن لم يسند الفعل إلى نفسه تعالى لكنه مسند إليه في نفس الأمر ، فينبغي أن يذكر الإنعام الأعظم في السورتين .

وأما الخامس فلأن القصة واحدة ، وكون بعضهم مذنبين وبعضهم غير مذنبين محقق ، فعلى مقتضى ما ذكر ينبغي أن يذكر { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } مقدماً في السورتين . وأما السادس فلأن القصة واحدة ، وأن الواو لمطلق الجمع ، وقوله تعالى : { نَّغْفِرْ } في مقابلة { قُولُواْ } سواء قدم أو أخر ، وقوله تعالى : { وَسَنَزِيدُ } [ البقرة : 85 ] في مقابلة { وادخلوا } [ الأعراف : 161 ] سواء ذكر الواو أو ترك ، وأما السابع فلأنه تعالى قد ذكر هنا قبل { فَبَدَّلَ } [ البقرة : 59 ] ما يدل على التخصيص والتمييز ، حيث قال سبحانه : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } [ البقرة : 57 ] الخ بكافات الخطاب وصيغته فاللائق حينئذ أن يذكر لفظ ( منهم ) أيضاً ، والجواب الصحيح عن جميع هذه السؤالات وما حكاها ما ذكره الزمخشري من أنه لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض ، ولا تناقض بين قوله تعالى : { اسكنوا هذه القرية } [ الأعراف : 161 ] وقوله : { وَكُلُواْ } [ الأعراف : 161 ] لأنهم إذا سكنوا القرية فتسبب سكناهم للأكل منها ، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها ، وسواء قدموا ( الحطة ) على دخول الباب أو أخروها ، فهم جامعون في الإيجاد بينهما ، وترك ذكر الرغد لا يناقض/ إثباته ، وقوله تعالى : { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم سَنَزِيدُ المحسنين } [ الأعراف : 161 ] موعد بشيئين بالغفران والزيادة ، وطرح الواو لا يخل لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل : ماذا بعد الغفران ؟ فقيل له : { سَنَزِيدُ المحسنين } وكذلك زيادة { مِنْهُمْ } زيادة بيان و{ فَأَرْسَلْنَا } [ الأعراف : 162 ] و{ أَنزَلْنَا } [ البقرة : 7 5 ] و{ يَظْلِمُونَ } [ الأعراف : 162 ] و{ يَفْسُقُونَ } [ البقرة : 9 5 ] من دار واحد ، انتهى .

وبالجملة التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء ، وفيه من الدلالة على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى ، والقرآن الكريم مملوء من ذلك ، ومن رام بيان سر لكل ما وقع فيه منه فقد رام ما لا سبيل إليه إلا بالكشف الصحيح والعلم اللدني ، والله يؤتي فضله من يشاء ، وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو .

( ومن باب الإشارة ) { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ } أنفسهم وأضاعوها ووضعوها في غير موضعها اللائق بها { قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } ابتغاءاً للحظوظ الفانية والشهوات الدنية . { فَأَنزَلْنَا } [ البقرة : 9 5 ] على الظالمين خاصة ، عذاباً وظلمة وضيقاً في سجن الطبيعة ، وأسراً في وثاق التمني ، وقيد الهوى ، وحرماناً ، وذلاً بمحبة الماديات السفلية ، والإعراض عن هاتيك التجليات العلية ، وذلك من جهة قهر سماء الروح ، ومنع اللطف والروح عنهم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة القلب الذي لا يأمر إلا بالهدى كما ورد في الأثر «استفت قلبك وإن أفتاك المفتون » إلى طاعة النفس الأمارة بالسوء . وهذا هو البلاء العظيم ، والخطب الجسيم .

من كان يرغب في السلامة فليكن *** أبداً من الحدق المراض عياذه

لا تخدعنك بالفتور فإنه *** نظر يضر بقلبك استلذاذه

إياك من طمع المنى فعزيزه *** كذليله ، وغنيه شحاذه


[165]:_ الأول لأبي مسلم، والثاني للرازي، والثالث للجيلي اهـ منه.
[166]:_ قوله: نسد الأولى كذا بخط مؤلفه، ولعل فيه سقطا من قلمه، والأصل تسد مسد الأولى اهـ.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ} (59)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

" فَبَدّلَ": فغير.

"الّذِينَ ظَلَمُوا": الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله.

"قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِيلَ لَهُمْ": بدلوا قولاً غير الذي أمروا أن يقولوه، فقالوا خلافه، وذلك هو التبديل والتغيير الذي كان منهم. وكان تبديلهم بالقول الذي أمروا أن يقولوه قولاً غيره، ما

حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال اللّهُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا البابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ نَغْفِرُ لَكُمْ خَطاياكُمْ، فَبدلُوا وَدَخَلُوا البابَ يَزْحَفُونَ على أسْتاهِهِمْ وقالُوا: حَبّةٌ في شَعِيرَةٍ». [وفي رواية]: حِنْطَةٌ فِي شَعِيرةٍ.

"فأنْزلْنا عَلى الّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزا مِنَ السمّاءِ".

" فأنْزَلْنا على الّذِينَ ظَلَمُوا": على الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله من تبديلهم القول الذي أمرهم الله جل وعزّ أن يقولوه قولاً غيره، ومعصيتهم إياه فيما أمرهم به وبركوبهم ما قد نهاهم عن ركوبه.

"رِجْزا مِنَ السمّاءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ": والرّجز في لغة العرب: العذاب، وهو غير الرّجْز، وذلك أن الرّجز: البَثْر، ومنه الخبر الذي رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطاعون أنه قال: «إنّهُ رِجْزٌ عُذّبَ بِهِ بَعْضُ الأمم الّذِينَ قَبْلَكُمْ»...

وحدثني أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي عن الشيباني عن رباح بن عبيدة، عند عامر بن سعد، قال: شهدت أسامة بن زيد عند سعد بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنّ الطّاعُونَ رِجْز أُنْزِلَ على مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ أوْ على بَنِي إسْرائيلَ».

قال ابن زيد: الرجز: العذاب، وكل شيء في القرآن رجز فهو عذاب.

وقد دللنا على أن تأويل الرجز: العذاب. وعذابُ الله جل ثناؤه أصناف مختلفة. وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء، وجائز أن يكون ذلك طاعونا، وجائز أن يكون غيره، ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن الرسول ثابت أيّ أصناف ذلك كان.

فالصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عزّ وجل: فأنْزَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزا مِنَ السّماءِ بفسقهم. غير أنه يغلب على النفس صحة ما قاله ابن زيد للخبر الذي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخباره عن الطاعون أنه رجز، وأنه عذّب به قوم قبلنا. وإن كنت لا أقول إن ذلك كذلك يقينا لأن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بيان فيه أيّ أمة عذّبت بذلك. وقد يجوز أن يكون الذين عذّبوا به كانوا غير الذين وصف الله صفتهم في قوله: "فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيرَ الذي قِيلَ لَهُمْ".

" بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ": وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى الفسق: الخروج من الشيء. فتأويل قوله: "بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" إذا: بما كانوا يتركون طاعة الله عزّ وجلّ، فيخرجون عنها إلى معصيته وخلاف أمره.

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

{فبدل الذين ظلموا} إنما هو في القوم الذين قيل لهم: {ادخلوا الباب سُجَّدا وقولوا حطة}... رُوي عن ابن عباس وغيره من الصحابة وعن الحسن: إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى لفظ في ضد المعنى الذي أمروا به، إذ كانوا مأمورين بالاستغفار والتوبة فصاروا إلى الإصرار والاستهزاء، فأما من غير اللفظ مع اتفاق المعنى فلم تتناوله الآية إذ كانت الآية إنما تضمنت الحكاية عن فعل قوم غيروا اللفظ والمعنى جميعاً فألحق بهم الذم بهذا القول. وإنما يشاركهم في الذم من يشاركهم في الفعل مثلاً بمثل، فأما من غير اللفظ وأتى بالمعنى فلم تتضمنه الآية.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ} أي وضعوا مكان حطة {قَوْلاً} غيرها. يعني أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله. وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاؤوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاؤوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به، لم يؤاخذوا به. كما لو قالوا مكان حطة: نستغفرك ونتوب إليك. أو اللَّهم اعف عنا وما أشبه ذلك. وقيل: قالوا مكان حطة: حنطة... استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا. وفي تكرير {الذين ظَلَمُواْ} زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

أما قوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا} ففيه قولان. الأول: قال أبو مسلم قوله تعالى: {فبدل} يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به، لا على أنهم أتوا له ببدل، والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة، قال تعالى: {سيقول المخلفون من الأعراب} إلى قوله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا ههنا، فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه. الثاني: وهو قول جمهور المفسرين: إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من البدل، فلابد من حصول البدل، وهذا كما يقال: فلان بدل دينه، يفيد أنه انتقل من دين إلى دين آخر، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {قولا غير الذي قيل لهم}.

أما قوله تعالى: {الذين ظلموا} فإنما وصفهم الله بذلك إما لأنهم سعوا في نقصان خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم، وذلك ظلم على ما تقدم.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} منهم، ولم يقل فبدلوا لأنهم لم يكونوا كلهم بدلوا {قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} فقالوا بدل حطة: حبة في حنطة، استهانة بأمر الله، واستهزاء وإذا بدلوا القول مع خفته فتبديلهم للفعل من باب أولى وأحرى.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وفائدة إظهار لفظ القول دون أن يقال فبدلوه، لدفع توهم أنهم بدلوا لفظ حطة خاصة وامتثلوا ما عدا ذلك، لأنه لو كان كذلك لكان الأمر هيناً. وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة أن القول الذي بدَّلوا به أنهم قالوا: حبة في شَعَرة أو في شعيرة...

وقوله: {فبدل الذين ظلموا} وقوله: {فأنزلنا على الذين ظلموا} اعتنى فيهما بالإظهار في موضع الإضمار ليعلم أن الرجز خص الذين بدَّلوا القول وهم العشرة الذين أشاعوا مذمة الأرض لأنهم كانوا السبب في شقاء أمة كاملة. وفي هذا موعظة وذكرى لكل من ينصب نفسه لإرشاد قوم ليكون على بصيرة بما يأتي ويذر وعلم بعواقب الأمور فمن البر ما يكون عقوقاً.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ومن اللافت للنظر أيضاً أن القرآن يؤكد أن هذا العذاب نزل (عَلَى الَّذِينَ ظَلموا) فقط، ولم يشمل جميع بني إسرائيل.

ثم تذكر الآية تأكيداً آخر على سبب نزول العذاب على هذه المجموعة من بني إسرائيل بعبارة: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).

والآية الكريمة بعد ذلك تبين بشكل غير مباشر سنة من سنن الله تعالى، هي أن الذنب حينما يتعمق في المجتمع ويصبح عادة اجتماعية، عند ذاك يقترب احتمال نزول العذاب الإِلهي.