يطبع الله على قلوب الكافرين : يختمها ويقفلها . العهد : الوصية والميثاق . الفسوق : الخروج عن كل عهد ، وعصيان أوامر الله .
هذا الخطاب موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسليةً له على الصبر في دعوته ، وذلك عن طريق تذكيره بما في قصص أولئك الرسُل مع أقوامهم من العِبر والمواعظ ، وبيان أن ما يلاقيه هو مِنْ قومه من ضرورة العناد والإيذاء ليس بِدعاً .
تلك القرى التي بعدُ عهدها وجَهِل قومُك حقيقة حالها ، نقصّ عليك الآن بعض أخبارها . لقد جاء أهلَ تلك القرى رسلُهم بالبينات الدالة على صدق دعوتهم ، فلم يؤمنوا بها . . .
{ كَذلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين } .
هكذا جعل الله حجابا على قلوب الكافرين وعقولهم فيخفَى عليهم طريق الحق وينأون عنه .
{ تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا } جملة مستأنفة جارية مجرى الفذلكة مما قبلها منبئة عن غاية غواية الأمم المذكورة وتلك إشارة إلى قرى الأمم المحكية من قوم نوح وعاد وثمود وأضرابهم ، واللام للعهد وجوز أن تكون للجنس ، وهو مبتدأ والقرى صفته والجملة بعده خبر .
وجوز الزمخشري أن تكون تلك مبتدأ ، والقرى خبر ، والجملة خبر بعد خبر على رأي من يرى جواز كون الخبر الثاني جملة ، وأن تكون الجملة حالا ، وإفادة الكلام بالتقييد بها ، واعترضه في التقريب بأنه جعل شرط الإفادة التقييد بالحال وعلى تقدير كون ذلك خبراً بعد خبر ينتفي الشرط إلا أن يريد تلك القرى المعلومة حالها أو صفتها على أن اللام للعهد لكنه يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال انتهى ، وفيه أن حديث الاستغناء ممنوع فإن المعنى كما في الكشف على التقديرين مختلف لأنه إذا جعل حالا يكون المقصود تقييده بالحال كما ذكره الزجاج في نحو هذا زيد قائماً إذا جعل قيداً للخبر إن الكلام إنما يكون مع من يعلم أنه زيد والاجاء الإحالة لأنه يكون زيد قائماً كان أولا ، وإذا جعل خبراً بعد خبر فتلك القرى على أسلوب { ذَلِكَ الكِتَاب } [ البقرة : 2 ] على أحد الوجوه و { نَقْصٍ } خبر ثان تفخيماً على تفخيم حيث نبه على أن لها قصصاً وأحوالاً أخرى مطوية .
وقال الطيبي : إن الحال لما كانت فضلة كان الاشكال قائماً في عدم إفادة الخبر فأجيب بأنها ليست فضلة من كل وجه وأما الخبر فلا عجب من كونه كالجزء من الأول كما في قولك هذا حلو حامض ، وهذا بمنزلته ، وفيه أن عد ما نحن فيه من ذلك القبيل حامض ومستغنى عنه بالحلو ، ومثله بل أدهى وأمر الجواب بأنه لما اشترك الحلوان في ذات المبتدأ كفى إفادة أحدهما وصيغة المضارع للإيذان بعدم انقضاء القصة بعد و { مِنْ } للتبعيض أي بعض أخبارها التي فيها عظة وتذكير ، وتصدير الكلام بذكر القرى وإضافة الأنباء أي الأخبار العظيمة الشأن إليها مع أن المقصود أنباء أهلها وبيان أحوالهم حسبما يؤذن به قوله سبحانه : { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } لما ذكره سيخ الإسلام من أن حكاية هلاكهم بالمرة على وجه الاستئصال بحيث يشمل أماكنهم أيضاً بالخسف بها والرجفة وبقائها خاوية معطلة أهول وأفظع ، والباء في قوله تعالى : { بالبينات } متعلقة أما بالفعل المذكور على أنها للتعدية ، وإما بمحذوف وقع حالا من فاعله أي متلبسين بالبينات على معنى أن رسول كل أمة من الأمم المهلكة الخاص بهم جاءهم بالمعجزات البينة الجمة لا أن كل رسول جاء ببينة واحدة ، وما ذكروه من أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد لا يقتضي كما قال المولى المدقق أبو القاسم السمرقندي في تعليقاته على المطول أن يلزم في كل مقابلة مقارنة الواحد للواحد لأن انقسام الآحاد على الآحاد كما يجوز أن يكون على السواء يجوز أن يكون على التفاوت ، مثلا إذا قيل : باع القوم دوابهم يفهم أن كلا منهم باع ماله من دابة ، ويجوز أن تتعدد دابة البعض ، ولهذا قبل في قوله سبحانه :
{ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } [ المائدة : 6 ] إن غسل يدي كل شخص ثابت بالكتاب والمقام هنا يقتضي ما ذكرناه فإن الجملة مستأنفة مبينة لكمال عتوهم وعنادهم ، وقول عز شأنه : { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } بيان لاستمرار عدم إيمانهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرار إيمانهم ، ونظير ذلك { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة : 62 ] ، وترتيب حالهم هذه على مجيء الرسل بالبينات بالفاء لما أن الاستمرار على فعل بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه يعد بحسب العنوان فعلا جديداً وصنعاً حادثاً كما في وعظته فلم ينزجر ودعوته فلم يجب ، واللام لتأكيد النفي أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوام في وقت من الأوقات ليؤمنوا بل كان ذلك ممتنعاً منهم إلى أن لقوا ما لقوا لغاية عتوهم وشدة شكيمتهم في الكفر والطغيان ثم إن كان المحكى آخر حال كل قوم منهم فالمراد بعدم إيمانهم هو إصرارهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه بقوله تعالى : { بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } تكذيبهم من لدن مجيء الرسل عليهم السلام إلى وقت الإصرار والعناد ، وهذا معنى كلام الزجاج فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية تلك المعجزات بما كذبوا قبل رؤيتها ، يعني أول ما جاؤوهم فاجأوهم بالتكذيب فأتوا بالمعجزات فأصروا على التكذيب وإلى هذا ذهب الحسن أيضاً ، وإنما لم يجعل ذلك مقصوداً بالذات كالأول بل جعل صلة للموصول المحذوف عائده أي الذي كذبوه إيذاناً بأنه بين في نفسه ، وإنما المحتاج إلى البيان عدم إيمانهم بعد تواتر البينات الباهرة وتظاهر المعجزات الظاهرة التي كانت تضطرهم إلى القبول لو كانوا من ذوي العقول ، والموصول الذي تعلق به الإيمان والتكذيب إيجاباً وسلباً عبارة عن جميع الشرائع التي جاء بها كل رسول أصولها وفروعها وإن كان المحكى جميع أحوال كل قوم منهم فالمراد على ما قيل بما ذكر أولا كفرهم المستمر من حين مجيء الرسل عليهم السلام إلى آخر أمرهم وبما أشير إليه آخراً تكذيبهم قبل مجيئهم فلا بد من جعل الموصول عبارة عن أصول الشرائع التي لا تقبل التبدل والتغير واجتمعت الرسل قاطبة عليها ودعوا الأمم إليها كلمة التوحيد ولوازمها ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء الرسل أنهم كانوا يسمعونها من بقايا من قبلهم فيكذبونها لا أن العقل يرشد إليها ويحكم بها ويخالفونه ثم كانت حالهم بعد مجيء الرسل إليهم كحالهم قبل كأن لم يبعث إليهم أحد وتخصيص التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدلالة النص فإنهم حين لم يؤمنوا بما اجتمعت عليه كافة الرسل فلأن لا يؤمنوا بما تفرد به بعضهم أولى ، وعدم جعل هذا التكذيب مقصوداً بالذات لما أنه ليس مدار العذاب بل مداره التكذيب بعد البعثة كما يفصح عنه قوله تعالى :
{ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء : 15 ] وإنما ذكر ما وقع قبلها بياناً لعراقتهم في الكفر والتكذيب ، وقيل : المراد بما أشير إليه آخرا تكذيبهم الذي أسروه يوم الميثاق ، وروي ذلك عن أبي بن كعب . والربيع . والسدى . ومقاتل . واختاره الطبري .
وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم وغيرهما عن مجاهد أن الآية على حد قوله تعالى : { وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [ الأنعام : 28 ] فالمعنى ما كانوا لو أهلكناهم ثم أحييناهم ليؤمنوا بما كذبوا قبل إهلاكهم ، وعلى هذا فالمراد بالموصول جميع الشرائع أصولها وفروعها وفيه من المبالغة في إصرارهم وعتوهم ما لا يخفى إلا أنه في غاية الخفاء ، وأيا ما كان فالضمائر الثلاثة متوافقة في المرجع ، وقيل ضمير { كَذَّبُواْ } راجع إلى أسلافهم ، والمعنى فما كان الأبناء ليؤمنوا بما كذب به الآباء ، ولا يخفى ما فيه من التعسف ، وذهب الأخفش إلى أن الباء سببية وما مصدرية والمعنى عليه كما قيل : فما كانوا ليؤمنوا الآن أي عند مجيء الرسل لما سبق منهم من التكذيب الذي ألفوه وتمرنوا عليه قبل مجيئهم أو لم يؤمنوا قط واستمروا على تكذيبهم لما حصل منهم من التكذيب حين مجيء الرسل .
{ كذلك } أي مثل ذلك الطبع الشديد المحكم { يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين } أي قلوبهم فوضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن الطبع بسبب الكفر وإلى هذا يشير كلام الزجاج وصرح به بعضهم ، ويجوز ولعله الأولى أن يراد بالكفافرين ما يشمل المذكورين وغيرهم وفي ذلك من تحذير السامعين ما لا يخفى ، وإظهار الاسم الجليل بطريق الالتفات لتربية المهابة وإدخال الروعة .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: هذه القرى التي ذكرت لك يا محمد أمرها وأمر أهلها، يعني: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب "نَقُصّ عَلَيْكَ مِنْ أنْبَائِها "فنخبرك عنها وعن أخبار أهلها، وما كان من أمرهم، وأمر رسل الله التي أرسلت إليهم، لتعلم أنا ننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا على أعدائنا وأهل الكفر بنا، ويعلم مكذّبوك من قومك ما عاقبة أمر من كذّب رسل الله، فيرتدعوا عن تكذيبك، وينيبوا إلى توحيد الله وطاعته. "وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهم بالبيّناتِ" يقول: ولقد جاءت أهل القرى التي قصصت عليك نبأها رسلهم بالبينات يعني بالحجج: البينات. "فَمَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذّبُوا مِنْ قَبْلُ" اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه: فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكناهم من أهل القرى ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم بما كذّبوا من قبل ذلك، وذلك يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام...
وقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنهم يكذّبون به يوم أخرجهم من صلب آدم عليه السلام. عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب: فَمَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذّبُوا مِنْ قَبْلُ قال: كان في علمه يوم أقرّوا له بالميثاق...
وقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب الله ليؤمنوا بما كذّبوا من قبل هلاكهم، كما قال جلّ ثناؤه: "وَلَوْ رُدّوا لَعادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ"...
وأشبه هذه الأقوال بتأويل الآية وأولاها بالصواب، القول الذي ذكرناه عن أبيّ بن كعب والربيع، وذلك أن من سبق في علم الله تبارك وتعالى أنه لا يؤمن به، فلن يؤمن أبدا، وقد كان سبق في علم الله تعالى لمن هلك من الأمم التي قصّ نبأهم في هذه السورة أنه لا يؤمن أبدا، فأخبر جلّ ثناؤه عنهم، أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذّبون في سابق علمه قبل مجيء الرسل وعند مجيئهم إليهم. ولو قيل تأويله: فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرض يا محمد من مشركي قومك من بعد أهلها الذين كانوا بها من عاد وثمود، ليؤمنوا بما كذّب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده، كان وجها ومذهبا، غير أن لا أعلم قائلاً قاله ممن يعتمد على علمه بتأويل القرآن. وأما الذي قاله مجاهد من أن معناه: لو ردّوا ما كانوا ليؤمنوا، فتأويل لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا من خبر عن الرسول صحيح. وإذا كان ذلك كذلك، فأولى منه بالصواب ما كان عليه من ظاهر التنزيل دليل.
وأما قوله: "كذلكَ يَطْبَعُ اللّهُ على قُلُوبِ الكافِرِينَ" فإنه يقول تعالى ذكره: كما طبع الله على قلوب هؤلاء الذين كفروا بربهم وعصوا رسله من هذه الأمم التي قصصنا عليك نبأهم يا محمد في هذه السورة حتى جاءهم بأس الله فهلكوا به، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كُتب عليهم أنهم لا يؤمنون أبدا من قومك.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
...فإن قلت: ما معنى الإخبار عن القرى بنقص عليك من أنبائها؟ قلت: معناه: أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} عند مجيء الرسل بالبينات بما كذبوه من آيات الله من قبل مجيء الرسل أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أوّلاً حين جاءتهم الرسل، أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين، لا يرعوون ولا تلين شكيمتهم في كفرهم وعنادهم مع تكرار المواعظ عليهم وتتابع الآيات. ومعنى اللام تأكيد النفي وأنّ الإيمان كان منافياً لحالهم في التصميم على الكفر. وعن مجاهد: هو كقوله: {وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأنعام: 28]. {كَذَلِكَ} مثل ذلك الطبع الشديد نطبع على قلوب الكافرين.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{تلك} ابتداء، و {القرى} قال قوم هو نعت والخبر {نقصّ} ويؤيد هذا أن القصد إنما الإخبار بالقصص.
والظاهر عندي أن {القرى} هي خبر الابتداء، وفي ذلك معنى التعظيم لها ولمهلكها، وهذا كما قيل في {ذلك الكتاب} إنه ابتداء وخبر، وكما قال صلى الله عليه وسلم «أولئك الملأ»... وكأن في اللفظ معنى التحسر على القرى المذكورة، والمعنى: نقص عليك من أنباء الماضين لتتبين العبر وتعلم المثلات التي أوقعها الله بالماضين ثم ابتدأ الخبر عن جميعهم بقوله {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل}.
وهذا الكلام يحتمل أربعة وجوه من التأويل، أحدها أن يريد أن الرسول جاء لكل فريق منهم فكذبوه لأول أمره ثم استبانت حجته وظهرت الآيات الدالة على صدقه مع استمرار دعوته فلجّوا هم في كفرهم ولم يؤمنوا بما تبين به تكذيبهم من قبل، وكأنه وصفهم على هذا التأويل باللجاج في الكفر والصرامة عليه ويؤيد هذا قوله {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين}، ويحتمل في هذا الوجه أن يكون المعنى فما كانوا ليؤمنوا أي ما كانوا ليوفقهم الله إلى الإيمان بسبب أنهم كذبوا قبل فكان تكذيبهم سبباً لأن يمنعوا الإيمان بعد. والثاني من الوجوه أن يريد فما كان آخرهم في الزمن والعصر ليهتدي ويؤمن بما كذب به أولهم في الزمن والعصر، بل كفر كلهم ومشى بعضهم عن سنن بعض في الكفر.
أشار إلى هذا القول النقاش، فكأن الضمير في قوله {كانوا} يختص بالآخرين، والضمير في قوله {كذبوا} يختص بالقدماء منهم. والثالث من الوجوه يحتمل أن يريد: فما كان هؤلاء المذكورون بأجمعهم — لو ردوا إلى الدنيا ومكنوا من العودة — ليؤمنوا بما كذبوا في حال حياتهم ودعاء الرسول لهم، قاله مجاهد وقرنه بقوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} وهذه أيضاً صفة بليغة في اللجاج والثبوت على الكفر، بل هي غاية في ذلك. والرابع من الوجوه أنه يحتمل أن يريد وصفهم بأنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما قد سبق في علم الله تعالى أنهم مكذبون به، فجعل سابق القدر عليهم بمثابة تكذيبهم بأنفسهم لا سيما وقد خرج تكذيبهم إلى الوجود في وقت مجيء الرسل، وذكر هذا التأويل المفسرون وقرنوه بأن الله عز وجل حتم عليهم التكذيب وقت أخذ الميثاق، وهو قول أبي بن كعب.
وإنما خص الله أنباء هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم فتوهموا أنهم على الحق، فذكرها الله تعالى تنبيها لقوم محمد عليه الصلاة والسلام عن الاحتراز من مثل تلك الأعمال.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما انقضى ذلك على هذا الوجه الأعظم والنظم الأبلغ الأحكم، وكانت هذه القرى بحيث تعرفها العرب ويرونها، أشار إليهم حثّاً على الاعتبار بهم، ولما كان أهلها جديرين بالبعد عنهم والهرب منهم، عبر عنهم بأداة البعد فقال: {تلك القرى} أي محالّ القبائل الخمس، ويجوز أن يكون البعد لعظمة ما حصل لأهلها من العذاب، ويؤيده قوله مبيناً لحالها: {نقص عليك}. ولما كان العاقل من يكفيه أدنى شيء، هوّل الأمر بأن أخبارها تفوت الحصر، وأن ما قص منها يكفي المعتبر، فقال: {من أنبائها} أي أخبارها العظيمة الهائلة المطابقة للواقع شيئاً بعد شيء كما يفعل من يتتبع الأثر، وأنث الضمير لأن لرؤية القرى أنفسها مدخلاً في معرفة أخبار أهلها. ولما كان المقام مقام العجب من التكذيب بعد ذلك البيان، كان ربما تخيل متخيل أنهم لم يؤتوا بالبيان الشافي، فشهد الله تعالى للرسل عليهم السلام تصديقاً لمن قال منهم: قد جاءتكم بينة، بقوله: {ولقد} أي والحال أنه قد {جاءتهم} أي أهل القرى لأنهم المقصودون بالذات {رسلهم} أي الذين أرسلناهم إليهم {بالبينات فما} أي فلم يتسبب عن ذلك بسبب طبعنا على قلوبهم إلا أنهم ما {كانوا} موفقين {ليؤمنوا} أي عند مجيئها، وقد أكد منافاة حالهم الإيمان باللام والكون أتم تأكيد {بما} أي بالذي {كذبوا} أي به، وحذفها أدل على الزجر من مطلق التكذيب وأوفق لمقصود السورة. ولما كان تكذبيهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجارّ فقال: {من قبل} أي قبل مجيء الرسل إليهم أو بتكذيبهم الواقع منهم للرسل فيما أتوا به عن الله من قبل الأخذ بغتة، أو من قبل مجيء الرسل بالآيات، فإنهم أول ما جاؤوهم فاجأوهم بالتكذيب، فجوزوا على تكذيب الحق من غير نظر في دليل بالطبع على قلوبهم فأتوهم. بالمعجزات فأصروا على ذلك التكذيب ووقفوا لذلك الطبع مع حظوظهم، ومنعتهم شماختهم وشدة شكائمهم عن الإيمان لئلا يقال: إنهم خافوا أولا فيما وقع منهم من التكذيب فكانوا فيه على غير بصيرة، أو إنهم خافوا ثانياً ما قرعتهم به الرسل من الوعيد، فدخلوا جبناً فيما يعلمون بطلانه، فكان تزيين هذا لهم طبعاً على قلوبهم، فكأنه قيل: إن هذا العجب هل يقع في مثل ذلك أحد؟ فقيل:نعم، مثل ما طبعنا على قلوبهم حتى صارت مع الفهم لا تنتفع، فكأنها لا تفهم فكأنها لا تسمع {كذلك يطبع الله} أي الجامع لصفات الكبر ونعوت الجلال بما يجعل من الرين بما له من العظمة {على قلوب الكافرين} أي كل من يغطي ما أعطاه الله من نور العقل بما تدعوه إليه نفسه من الهوى عريقاً في الاتصاف بذلك فيترك آيات الله.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
وجه الخطاب في هاتين الآيتين إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تسليته وتثبيت فؤاده بما في قصص أولئك الرسل مع أقوامهم من العبر والسنن التي بين فقهها وما فيها من الحكم في الآيات السبع التي قبلهما.
قال تعالى: {تلك القرى نقصّ عليك من أنبائها} كلام مستأنف قفى به على جملة قصص الرسل عليهم السلام التي تقدمت وما عطف عليها من بيان حكمها وفقهها فكانت كالفذلكة لها، فالقرى هنا هي المعهودة في هذه القصص، وحكمة تخصيصها بالذكر أنها كانت في بلاد العرب وما جاورها وكان من بعد قوم نوح من العرب، وكان أهل مكة وغيرهم من العرب الذين هم أول من وجهت إليهم دعوة الإسلام يتناقلون بعض أخبارها مبهمة مجملة، وكانت على هذا كله قد طبعت على غرار واحد في تكذيب الرسل، والتماري فيم جاءوا به من النذر، إلى أن حل بهم النكال، وأخذوا بعذاب الاستئصال، فالعبرة فيها كلها واحدة.
وليس كذلك قوم موسى فإنهم آمنوا. وإنما كذب فرعون وملؤه فعذبوا، ولذلك أخر قصته. والمعنى: تلك القرى التي بعد عهدها، وطال الأمد على تاريخها، وجهل قومك أيها الرسول حقيقة حالها، نقص عليك الآن بعض أنبائها، وهو ما فيه العبرة منها، وإنما قال نقص لا قصصنا لأن هذه الآية نزلت مع تلك القصص لا بعدها.
{ولقد جاءتهم رسلهم بالبيّنات فما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا من قبل كذلك} أي ولقد جاء أهل تلك القرى رسلهم بالبينات الدالة على صدق دعوتهم، وبالآيات التي اقترحوها عليهم لإقامة حجتهم، بأن جاء كل رسول قومه بما أعذر به إليهم، فلم يكن من شأنهم أن يؤمنوا بعد مجيء البينات بما كانوا كذبوا به من قبل مجيئها عند بدء الدعوة إلى توحيد الله تعالى وعبادته وحده بما شرعه وترك الشرك والمعاصي. وقيل إن الباء للسببية والمعنى فما كانوا ليؤمنوا بعد بعثته بسبب تعودهم تكذيب الحق قبلها، وهو تأويل واه جدا، فإن قوله فما كانوا نفي للشأن، وليس من شأن كل من كذب بشيء أن يصر عليه بعد ظهور البينات على خطئه فيه، ولكن شأن بعض المكذبين عنادا أو تقليدا أن يصروا عليه بعد إقامة البينة لأنها لا قيمة لها عندهم، فهم إما جاحد معاند ضل على علم، وإما مقلد يأبى النظر والعلم. على أن ما قالوه لا يفهم من الآية إلا بتكلف يخالفه المتبادر من اللفظ، فالعجب ممن اقتصر عليه ولم يفهم غيره. وسيأتي في سورة يونس بعد ذكر خلاصة نوح عليه السلام {ثمّ بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبيّنات فما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين} [يونس: 74] فالمراد بهؤلاء الرسل الذين بعثوا بعد نوح: مَن ذكروا في سورة الأعراف، ولذلك قال هنا وهناك {ثم بعثنا من بعدهم موسى} وحينئذ يحتمل أن يقال في آية الأعراف إن أهل تلك القرى في جملتهم ومجموعهم لم يكن من شأنهم أن يؤمن المتأخر منهم بما كذب به المتقدم وهم قوم نوح بالنسبة إلى الجميع ثم قوم هود بالنسبة إلى قوم صالح الخ والراجح المختار هو الأول – ويليه هذا- والثاني باطل البتة.
{كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} أي مثل هذا الذي وصف من عناد هؤلاء وإصرارهم على ضلالهم، وعدم تأثير الدلائل والبينات في عقولهم، يكون الطبع على قلوب الذين صار الكفر صفة لازمة لهم، بحسب سنة الله تعالى في أخلاق البشر وشؤونهم، وذلك بأن يأنسوا بالكفر وأعماله حتى تستحوذ أوهامه على أفكارهم، ويملأ حب شهواته جوانب قلوبهم، ويصير وجدانا تقليديا لهم، لا يقبلون فيه بحثا، ولا يسمعون فيه نقدا، فيكون كالسكة التي طبعت في أثناء لين معدنها بصهره وإذابته ثم جمدت فلا تقبل نقشا ولا شكلا آخر.
ومن وجوه تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بالآية إعلامه أن من وصلوا بالإصرار على الجحود والعناد أو التقليد إلى هذه الدرجة من فساد الفطرة وإهمال استعمال العقل لا يؤمنون بالبينات وإن وضحت، ولا بالآيات وإن اقترحت، فقد كان كفار مكة يقترحون عليه الآيات وكان يتمنى أن يؤتيه الله ما اقترحوا منها حرصا على إيمانهم، حتى بين الله تعالى له هذه الحقائق من طباع البشر وأخلاقهم، وتقدم هذا البيان في آيات من أوائل سورة الأنعام وأثنائها، ومما يناسب ما هنا منها قوله تعالى: {وأقسموا باللّه جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها قل إنّما الآيات عند اللّه وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون * ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 108، 109] فقوله تعالى: {كما لم يؤمنوا به أول مرة} بمعنى قوله هنا {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل}.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والآن -وقد انتهى السياق من بيان السنة الجارية، ولمس بها الوجدان البشري تلك اللمسات الموحية- يتجه بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلعه على العاقبة الشاملة لابتلاء تلك القرى، وما تكشف عنه من حقائق عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان، ثم عن طبيعة البشر الغالبة كما تجلت في هذه الأقوام: (تلك القرى نقص عليك من أنبائها، ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات، فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل. كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين. وما وجدنا لأكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين).. فهو قصص من عند الله، ما كان للرسول صلى الله عليه وسلم به من علم، إنما هو وحي الله وتعليمه. (ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات).. فلم تنفعهم البينات. وظلوا يكذبون بعدها، كما كذبوا قبلها. ولم يؤمنوا بما كانوا قد كذبوا به من قبل أن تأتيهم البينة عليه. فالبينات لا تؤدي بالمكذبين الى الإيمان. وليس البينة هي ما كان ينقصهم ليؤمنوا. إنما كان ينقصهم القلب المفتوح، والحس المرهف والتوجه إلى الهدى. كان ينقصهم الفطرة الحية التي تستقبل وتنفعل وتستجيب. فلما لم يوجهوا قلوبهم إلى موحيات الهدى ودلائل الإيمان طبع الله على قلوبهم وأغلقها، فما عادت تتلقى ولا تنفعل ولا تستجيب: (كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
..لما تكرر ذكر القرى التي كذب أهلها رسل الله بالتعيين وبالتعميم، صارت للسامعين كالحاضرة المشاهدة الصالحة لأن يشار إليها، فجاء اسم الإشارة لزيادة إحضارها في أذهان السامعين من قوم محمد صلى الله عليه وسلم ليعتبروا حالهم بحال أهل القرى، فيروا أنهم سواء فيفيئوا إلى الحق. وجملة: {نقص عليك من أنبائها} إما حال من {القرى} على الوجه الأول.
وفائدة هذه الحال الامتنان بذكر قَصصها، والاستدلال على نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم إذ علمه الله من علم الأولين ما لم يسبق له علمه، والوعدُ بالزيادة من ذلك، لما دل عليه قوله: {نقص} من التجدد والاستمرار، والتعريضُ بالمعرضين عن الاتعاظ بأخبارها.
وجمع « البينات» يشير إلى تكرر البينات مع كل رسول، والبينات: الدلائل الدالة على الصدق وقد تقدمت عند قوله تعالى: {قد جاءتكم بينة من ربكم} في قصة ثمود في هذه السورة (73).
.. والمعنى: ما أفادتهم البينات أن يؤمنوا بشيء كان بَدَرَ منهم التكذيب به في ابتداء الدعوة، فالمضاف المحذوف الذي دل عليه بناء {قبلُ} على الضم تقديره: من قبلِ مجيء البينات.
وأسند نفي الإيمان إلى ضمير جميع أهل القرى باعتبار الغالب، وهو استعمال كثير، وسيُخرج المؤمنون منهم بقوله: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين}...
..هذا هو المراد في سرد القصص بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوضحه الحق في موضع آخر من القرآن فقال: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} (من الآية 120 سورة هود): فإذا ما حدث لك من أمتك وقومك شيء من العناد والإصرار والمكابرة فاعلم أنك لست بدعا من الرسل؛ لأن كل رسول قد قابلته هذه الموجة الإلحادية من القوم الذين خاطبهم. وإذا كان كل رسول يأخذ حظه من البلاء بقدر ما في رسالته من العلو فلابد أن تأخذ أنت ابتلاءات تساوي ابتلاءات الرسل جميعا.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
..وهكذا يختم الله هذا الفصل الذي حدثنا فيه عن هؤلاء الأقوام الذين قصّ علينا أمرهم، فقد كانوا قوماً ضالّين، يعبدون الأصنام ويشركون بالله غيره، ويكذبون بكل الحقائق الدينية، وأرسل الله إليهم رسله بالبينات، فصمّوا آذانهم عن الاستماع إليهم، وأغلقوا قلوبهم عن التفكير والإيمان، لأنهم لا يريدون أن تتغيّر حياتهم الفكرية والعملية عما درجوا عليه من عقائد آبائهم وأجدادهم وتقاليدهم، وهذا هو السبب في انغلاق القلب عن الحقّ، لأن توجهات الإنسان وتطلعاته هي التي تفتح قلبه وتغلقه، في ما جعله الله من أسبابٍ في خلق الإنسان، وهذا ما أثاره الله في قوله: {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} من حقائق الإيمان {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} برسله وآياته...