الخير : ما فيه صلاح الناس في الدين والدنيا وهنا هو الإسلام .
المعروف : ما استحسنه الشرع والعقل .
بعد أن أرشد الكتاب المؤمنين إلى صلاح أنفسهم ، وتزكيتها بالعمل بتقوى الله والتمسك بحبله المتين ، بين لهم واجبهم الذي يقوم على القاعدتين اللتين مر ذكرهما : الإيمان بالله ، والأخوة في الله . وهذا واجب ضروري لإقامة دين الله على الأرض ، وتغليب الحق على الباطل . لذلك وجب على المسلمين أن تكون فيهم جماعة متميزة تقوم بالدعوة إلى الخير وصلاح البشرية . ويجب أن تكون هذه الطائفة معيّنة من قبل الحاكم وأن تتمتع بالسلطة الكافية لإنجاز ذلك ، وأن يقوم كل واحد منها باختصاصه حتى لا تحدث الفوضى وتضطرب الأمور .
هذا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف عسير يتطلب القيام به مؤمنين حقا ، متحلّين بالخلق العظيم والصبر والفهم والمرونة ، لأنهم سوف يصطدمون بأصحاب المصالح وذوي النفوذ والكبرياء والغرور . وعلى هذا فلا بد من اختيار جماعة يكون عملها خالصا لوجه الله ويؤتي ثمره على أحسن الوجوه ، حتى يصدق على أفرادها قوله تعالى { وأولئك هم المفلحون } . وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه " أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن غضِب لله غضب الله له " . قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم-105 المائدة } .
" والمراد*{[4]} بالخير هنا الإسلام ، وبالمعروف طاعة الله ، وبالمنكر معصيته ، ومحصل المعنى أنه لابد من وجود جماعة تدعو غير المسلمين إلى الإسلام ، وتدعو المسلمين إلى ما يرضي الله ، ويثيب عليه ، وترك ما يغضبه ، ويعاقب عليه .
ولفظ ( منكم ) في الآية قرينة على أن وجوب الأمر بالمعروف على سبيل الكفاية ، دون العين ، إذا قام به البعض سقط عن الكل .
وليس من الضروري أن يكون القائم بهذه المهمة عادلا ، بحيث لا يجوز للفاسق أن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر . . كلا ، لأمرين : الأول أن شرط الحكم تماما كالحكم لا يثبت إلا بدليل ، ولا دليل على شرط العدالة هنا لا من الكتاب ، ولا من السنة ، ولا من العقل . الثاني أن حكم الآمر بالمعروف لا يناط بطاعة أو معصية غيره من الأحكام .
وكثير من الفقهاء اشترطوا لوجوب الأمر بالمعروف أن يكون الآمر آمنا على نفسه ، بحيث لا يصيبه أي ضرر إذا أمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر .
ولكن هذا الشرط لا يطّرد في جميع الموارد ، فإن قتال من يحاربنا من أجل ديننا وبلادنا واجب ، مع العلم بأن القتال يستدعي الضرر بطبعه : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن-111 التوبة " . ويجوز لكل إنسان أن يضحي بحياته إذا تيقن أن في هذه التضحية مصلحة عامة ، وفائدة للعباد والبلاد أهم وأعظم من حياته ، بل هو مشكور عند الله والناس ، وفي الحديث : " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " .
وخلاصة القول : يجب دفع الضرر لو كانت له فائدة في الأصل ، كما يجوز للإنسان أن يقدم على قطع عضو سقيم من أعضائه ، حرصا على حياته ، وخوفا على نفسه من الهلاك .
هذا ، إلى أن للأسلوب أثره البالغ ، فبعض الأساليب تُنفّر من الحق ، وتجر صاحبها إلى المتاعب والويلات ، وبعضها تفرض الفكرة على سامعها فرضا من حيث لا يشعر . . والعاقل الحكيم يعطي لكل مقام ما يناسبه من القسوة واللين . وقد كان فرعون في أوج سلطانه وطغيانه ، ولم يكن لموسى وهارون ناصر ولا معين ، ومع ذلك أمرهما أن يدعواه إلى الحق ، ولكن بأسلوب هين لين . . حتى خالق الكون جلّت كلمته يخاطب عباده تارة بأسلوب التهديد والوعيد ، ويقول لهم : { أنكم منّا لا تنصرون-65 المؤمنون } . وتارة يقول لهم برفق : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم-22 النور } .
وبالجملة إن إعلان الدعوة الإسلامية على الملأ ، وتآمر المسلمين فيما بينهم بالمعروف ، وتناهيهم عن المنكر ، إن هذا ركيزة من ركائز الإسلام ، ومن ثم يحتم وجود فئة معينة تقوم بهذه المهمة ، تماما كما يحتم وجود سلطة تحافظ على الأمن والنظام ، وفئة تختص بالصناعة ، وأخرى بالزراعة ، وما إلى ذاك مما لا تتم الحياة إلا به .
وهذا الأصل من الأصول الأساسية لكل دين ، وكل مبدأ ، ولو كان زمنيا ، لأنه الوسيلة المجدية لبث الدعوة وانتصارها ، وردع أعدائها . . ولا شيء أدل على ذلك من اهتمام أصحاب المذاهب السياسية والاقتصادية بوسائل الإعلام ، وتطورها وبذل الملايين في سبيلها ، ومن وقوف الدعاية بشتى أساليبها مع المدفع جنبا إلى جنب ، وما ذاك إلا لأنهم أدركوا بتجاربهم أن الرأي العام أمضى سلاحا ، وأقوى أثرا من الصواريخ والقنابل . وقد اشتهر عن أحد أقطاب الحلفاء بعد انتصارهم في الحرب العالمية أنه قال : " لقد انتصرنا في المعركة بقنابل من ورق " . يعني الصحف والنشرات .
وتسأل : كيف تجمع بين قوله تعالى : { ولتكن أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } وبين قوله سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم-105 المائدة } ، حيث أفادت الأولى وجوب الأمر بالمعروف ، ودلت الثانية على عدم وجوبه بقرينة ( عليكم أنفسكم ) ؟
الجواب : المقصود بالآية الثانية أن من قام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه المطلوب فلا يضره ضلال من ضل ، وإعراض من أعرض ، ما دام قد أدى ما عليه : { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب-40 الرعد } .
سؤال ثان : لقد اشتهر عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " . وهذا الترتيب يتنافى مع ما هو معروف شرعا وعقلا وعرفا من أن تغيير المنكر إنما يبتدئ أولا باللسان ، فإن لم يُجدِ فبالحرب ، فما هو الوجه لقول الرسول الأعظم ؟ .
الجواب : فرق بعيد بين تغيير المنكر ، وبين النهي عن المنكر ، فإن النهي عن المنكر يكون قبل وقوعه- في الغالب- فهو أشبه بالوقاية ، كما لو احتملت أن شخصا يفكر بالسرقة ، فتنهاه عنها .
أما تغيير المنكر فيكون بعد وقوعه ، كما لو علمت أن شخصا سرق محفظة الغير ، فإن كنت قادرا على انتزاعها من السارق ، وردها إلى صاحبها وجب عليك أن تباشر ذلك بنفسك إذا انحصر الرد بفعلك خاصة ، ولم يلحقك أي ضرر ، فإن لم تستطع وجب عليك أن تأمر السارق برد المحفظة إلى صاحبها ، وتنهاه عن إمساكها ، فإن لم تستطع مقتَّ السارق ، ولم ترض بفعله بينك وبين ربك . . وموضوع الحديث النبوي تغيير المنكر ، لا النهي عن المنكر " .
{ وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير } أمرهم سبحانه بتكميل الغير إثر أمرهم بتكميل النفس ليكونوا هادين مهديين على ضد أعدائهم فإن ما قص الله تعالى من حالهم فيما سبق يدل على أنهم ضالون مضلون ، والجمهور على إسكان لام الأمر ، وقرىء بكسرها على الأصل ، و ( تكن ) إما من كان التامة فتكون { أُمَّةٍ } فاعلاً وجملة { يَدَّعُونَ } صفته و { مّنكُمْ } متعلق بتكن أو بمحذوف على أن يكون صفة لأمة قدم عليها فصار حالاً . وإما من كان الناقصة فتكون { أُمَّة } اسمها { وَيدْعَوْنَ } خبرها و { مّنكُمْ } إما حال من أمة أو متعلق بكان الناقصة ، والأمة الجماعة التي تؤم أي تقصد لأمر مّا ، وتطلق على أتباع الأنبياء لاجتماعهم على مقصد واحد وعلى القدوة ؛ ومنه { إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } [ النحل : 120 ] وعلى الدين والملة ، ومنه { بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا } [ الزخرف : 22 ] وعلى الزمان ، ومنه { وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ } [ يوسف : 54 ] إلى غير ذلك من معانيها .
والمراد من الدعاء إلى الخير الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي فعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه في قوله سبحانه :
{ وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } من باب عطف الخاص على العام إيذاناً بمزيد فضلهما على سائر الخيرات كذا قيل : وقال ابن المنير : «إن هذا ليس من تلك الباب ؛ لأنه ذكر بعد العام جميع ما يتناوله ؛ إذ الخير المدعو إليه إما فعل مأمور أو ترك منهي لا يعدو واحداً من هذين حتى يكون تخصيصهما بتميزهما عن بقية المتناولات ، فالأولى أن يقال فائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاماً ثم مفصلاً ، وفي تثنية الذكر على وجهين ما لا يخفى من العناية إلا إن ثبت عرف يخص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببعض أنواع الخير وحينئذ يتم ما ذكر ، وما أرى هذا العرف ثابتاً » انتهى ، وله وجه وجيه لأن الدعاء إلى الخير لو فسر بما يشمل أمور الدنيا وإن لم يتعلق بها أمر أو نهي كان أعم من فرض الكفاية ولا يخفى ما فيه ، على أنه قد أخرج ابن مردويه عن الباقر رضي الله تعالى عنه قال : «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير } ثم قال : الخير اتباع القرآن وسنتي » وهذا يدل أن الدعاء إلى الخير لا يشمل الدعاء إلى أمور الدنيا .
ومن الناس من فسر الخير بمعروف خاص وهو الإيمان بالله تعالى وجعل المعروف في الآية ما عداه من الطاعات فحينئذ لا يتأتى ما قاله ابن المنير أيضاً ، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل أن الخير الإسلام والمعروف طاعة الله والمنكر معصيته ، وحذف المفعول الصريح من الأفعال الثلاثة إما للإعلام بظهوره أي يدعون الناس ولو غير مكلفين ويأمرونهم وينهونهم ، وإما للقصد إلى إيجاد نفس الفعل على حدّ : فلان يعطي أي يفعلون الدعاء والأمر والنهي ويوقعونها ، والخطاب قيل متوجه إلى من توجه الخطاب الأول إليه في رأي وهم الأوس والخزرج ، وأخرج ابن المنذر عن الضحاك أنه متوجه إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وهم الرواة ، والأكثرون على جعله عاماً ويدخل فيه من ذكر دخولاً أولياً ، و ( من ) هنا قيل : للتبعيض ، وقيل : للتبيين وهي تجريدية كما يقال لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يراد بذلك جميع الأولاد والغلمان .
ومنشأ الخلاف في ذلك أن العلماء اتفقوا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات ولم يخالف في ذلك إلا النزر ، ومنهم الشيخ أبو جعفر من الإمامية قالوا : إنها من فروض الأعيان ، واختلفوا في أن الواجب على الكفاية هل هو واجب على جميع المكلفين ويسقط عنهم بفعل بعضهم أو هو واجب على البعض ؟ ذهب الإمام الرازي وأتباعه إلى الثاني ؛ للاكتفاء بحصوله من البعض ولو وجب على الكل لم يكتف بفعل البعض ؛ إذ يستبعد سقوط الواجب على المكلف بفعل غيره ، وذهب إلى الأول الجمهور وهو ظاهر نص الإمام الشافعي في «الأم » ، واستدلوا على ذلك بإثم الجميع بتركه ولو لم يكن واجباً عليهم كلهم لما أثموا بالترك . وأجاب الأولون عن هذا بأن إثمهم بالترك لتفويتهم ما قصد حصوله من جهتهم في الجملة لا للوجوب عليهم ، واعترض عليه من طرف الجمهور بأن هذا هو الحقيق بالاستبعاد أعني إثم طائفة بترك أخرى فعلاً كلفت به . / والجواب عنه بأنه ليس الإسقاط عن غيرهم بفعلهم أولى من تأثيم غيرهم بتركهم يقال فيه : بل هو أولى ؛ لأنه قد ثبت نظيره شرعاً من إسقاط ما على زيد بأداء عمرو ولم يثبت تأثيم إنسان بترك آخر فيتم ما قاله الجمهور .
واعترض القول بأن هذا هو الحقيق بالاستبعاد بأنه إنما يتأتى لو ارتبط التكليف في الظاهر بتلك الطائفة الأخرى بعينها وحدها لكنه ليس كذلك بل كلتا الطائفتين متساويتان في احتمال الأمر لهما وتعلقه بهما من غير مزية لإحداهما على الأخرى فليس في التأثيم المذكور تأثيم طائفة بترك أخرى فعلا كلفت به ؛ إذ كون الأخرى كلفت به غير معلوم بل كلتا الطائفتين متساويتان في احتمال كل أن تكون مكلفة به فالاستبعاد المذكور ليس في محله على أنه إذا قلنا بما اختاره جماعة من أصحاب المذهب الثاني من أن البعض مبهم آل الحال إلى أن المكلف طائفة لا بعينها فيكون المكلف القدر المشترك بين الطوائف الصادق بكل طائفة فجميع الطوائف مستوية في تعلق الخطاب بها بواسطة تعلقه بالقدر المشترك المستوي فيها فلا إشكال في اسم الجميع ولا يصير النزاع بهذا بين الطائفتين لفظياً ؛ حيث إن الخطاب حينئذ عم الجميع على القولين وكذا الإثم عند الترك لما أن في أحدهما دعوى التعليق بكل واحد بعينه ، وفي الآخر دعوى تعلقه بكل بطريق السراية من تعلقه بالمشترك ، وثمرة ذلك أن من شك أن غيره هل فعل ذلك الواجب لا يلزمه على القول بالسراية ويلزمه على القول بالابتداء ولا يسقط عنه إلا إذا ظن فعل الغير ، ومن هنا يستغنى عن الجواب عما اعترض به من طرف الجمهور فلا يضرنا ما قيل فيه على أنه يقال على ما قيل : ليس الدين نظير ما نحن فيه كلياً ؛ لأن دين زيد واجب عليه وحده بحسب الظاهر ولا تعلق له بغيره فلذا صح أن يسقط عنه بأداء غيره ولم يصح أن يأثم غيره بترك أدائه بخلاف ما نحن فيه فإن نسبة الواجب في الظاهر إلى كلتا الطائفتين على السواء فيه فجاز أن يأثم كل طائفة بترك غيرها لتعلق الوجوب بها بحسب الظاهر واستوائها مع غيرها في التعلق .
وأما قولهم : ولم يثبت تأثيم إنسان بأداء آخر فهو لا يطابق البحث إذ ليس المدعي تأثيم أحد بأداء غيره بل تأثيمه بترك ، فالمطابق ولم يثبت تأثيم إنسان بترك أداء آخر ويتخلص منه حينئذ بأن التعلق في الظاهر مشترك في سائر الطوائف فيتم ما ذهب إليه الإمام الرازي وأتباعه وهو مختار ابن السبكي خلافاً لأبيه ، إذا تحقق هذا فاعلم ، أن القائلين بأن المكلف البعض قالوا : إن من للتبعيض ، وأن القائلين بأن المكلف الكل قالوا : إنها للتبيين ، وأيدوا ذلك بأن الله تعالى أثبت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكل الأمة في قوله سبحانه : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } [ آل عمران : 110 ] ولا يقتضي ذلك كون الدعاء فرض عين فإن الجهاد من فروض الكفاية بالاجماع مع ثبوته بالخطابات العامة فتأمل .
{ وَأُوْلئِكَ } أي الموصوفون بتلك الصفات الكاملة . { هُمُ المفلحون } أي الكاملون في الفلاح وبهذا صح الحصر المستفاد من الفصل وتعريف الطرفين ، أخرج الإمام أحمد وأبو يعلى عن درة بنت أبي لهب قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير الناس ؟ قال : «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله تعالى وأوصلهم للرحم » وروى الحسن : من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله تعالى وخليفة رسوله الله صلى الله عليه وسلم وخليفة كتابه ، وروى لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله تعالى عليكم سلطاناً ظالماً لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو خياركم فلا يستجاب لهم وتستنصرون فلا تنصرون ، والأمر بالمعروف يكون واجباً ومندوباً على حسب ما يؤمر به والنهي عن المنكر كذلك أيضاً إن قلنا إن المكروه منكر شرعاً ، وأما إن فسر بما يستحق العقاب عليه كما أن المعروف ما يستحق الثواب عليه فلا يكون إلا واجباً ، وبه قال بعضهم إلا أنه يرد أنهما ليسا على طرفي نقيض والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه لأنه يجب عليه نهي كل فاعل وترك نهي بعض وهو نفسه لا يسقط عنه وجوب نهي الباقي وكذا يقال في جانب الأمر ولا يعكر على ذلك قوله تعالى :
{ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } [ الصف : 2 ] لأنه مؤول بأن المراد نهيه عن عدم الفعل لا عن القول ولا قوله سبحانه : { أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 44 ] لأن التوبيخ إنما هو على نسيان أنفسهم لا على أمرهم بالبر ، وعن بعض السلف : مروا بالخير وإن لم تفعلوا ، نعم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط معروفة محلها والأصل فيهما افعل كذا ولا تفعل كذا ، والقتال ليمتثل المأمور والمنهي أمر وراء ذلك وليس داخلاً في حقيقتهما وإن وجب على بعض كالأمراء في بعض الأحيان ؛ لأن ذلك حكم آخر كما يشعر به قوله صلى الله عليه وسلم : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع » .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ } كالعلماء العارفين أرباب الاستقامة في الدين { يَدْعُونَ إِلَى الخير } أي يرشدون الناس إلى الكمال المطلق من معرفة الحق تعالى والوصول إليه { وَيَأْمُرُونَ بالمعروف } المقرب إلى الله تعالى { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } المبعد عنه تعالى { وأولئك هُمُ المفلحون } [ آل عمران : 104 ] الذين لم يبق لهم حجاب وهم خلفاء الله تعالى في أرضه