تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (90)

الخمر : كل شراب مسكر .

الميسر : القمار .

الأنصاب : الأصنام التي نصبت للعبادة ، وكانوا يذبحون قرابينهم عندها . الأزلام : قِداح أعواد من الخشب بهيئة السهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية .

الرجس : المستقذَر حساً أو معنى .

بعد أن نهى سبحانه عن تحريم الحلال من الطيبات ، وأمر بأكل الطيّب من الرزق ، نظر إلى الخمر والميسر والأزلام . وكانت هذه من الطيبات في الجاهلية ، وكان العرب يشربون الخمر بإسراف ، بل يجعلونها من المفاخر التي يتسابقون في مجالسها . وكان يصاحب مجلسَ الشراب نحرُ الذبائح ، واتخاذ الشواء منها للشاربين ، والمقامرة عليها بالأزلام . كذلك كانوا يذبحون قرابينهم عند الأنصاب . . فنهى الله تعالى عن هذه المفاسد كلها نهياً قاطعاً ، بعد أن مهد لتحريم الخمر مرتين من قبل هذه الآية .

وأول ما ذُكرت الخمر في سورة النحل ، وهي مكيّة ، في قوله تعالى { وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً . . . . } الآية .

ثم نزل في المدينة وفي سورة البقرة : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا . . . . } الآية فالمنافع في الربح والتجارة ، والإثم في الشر والمفاسد التي تنجم عنهما . وقد تركها بعضُ الصحابة ، واستمر آخرون .

ثم نزل قوله تعالى في سورة النساء : { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ . . . } الآية كذلك تركها البعضُ واستمرّ عليها آخرون . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه دائما يقول : اللهم بَيّن لنا في الخمر . وقد حدثت حوادث بين بعض الأنصار ونفرٍ من قريش ، وهم على الشراب ، وكان من جملة الذي لحقهم أذى سعد بن أبي وقّاص حيث ضربه أحد الأنصار ففَزَر له أنفه . وحين نزلت { يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب . . . } الآية كانت الحاسمة في تحريم الخمر تحريماً قاطعاً .

يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله : إن الخمر التي تشربونها ، والميسر الذي تقامرون به ، والأصنام التي تذبحون عندها قرابينكم ، والأزلام التي تستقسمون بها ، كل ذلك رِجسٌ قذِر من إغواء الشيطان لكم ، وقد كرهه الله لكم ولذلك حرّمها ، فاجتنبوها نهايئاً ، رجاء أن تفلحوا وتفوزوا برضاه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (90)

{ يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر } وهو المسكر المتخذ من عصير العنب أو كل ما يخامر العقل ويغطيه من الأشربة . وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { والميسر } وهو القمار وعدوا منه اللعب بالجوز والكعاب { والانصاب } وهي الأصنام المنصوبة للعبادة ، وفرق بعضهم بين الأنصاب والأصنام بأن الأنصاب حجارة لم تصور كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها ، والأصنام ما صور وعبد من دون الله عز وجل { والازلام } وهي القداح وقد تقدم الكلام في ذلك على أتم وجه { رِجْسٌ } أي قذر تعاف عنه العقول ، وعن الزجاج الرجس كل ما استقذر من عمل قبيح . وأصل معناه الصوت الشديد ولذا يقال للغمام رجاس لرعده والرجز بمعناه عند بعضهم/ . وفرق ابن دريد بين الرجس والرجز والركس فجعل الرجس الشر والرجز العذاب والركس العذرة والنتن ، وإفراد الرجس مع أنه خبر عن متعدد لأنه مصدر يستوي فيه القليل والكثير ، ومثل ذلك قوله تعالى : { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [ التوبة : 28 ] وقيل : لأنه خبر عن الخمر وخبر المعطوفات محذوف ثقة بالمذكور . وقيل : لأن في الكلام مضافاً إلى تلك الأشياء وهو خبر عنه أي إنما شأن هذه الأشياء أو تعاطيها رجس .

وقوله سبحانه : { مِنْ عَمَلِ الشيطان } في موضع الرفع على أنه صفة { رِجْسٌ } أي كائن من عمله لأنه مسبب من تزيينه وتسويله ، وقيل : إن من للابتداء أي ناشىء من عمله . وعلى التقديرين لا ضير في جعل ذلك من العمل وإن كان ما ذكر من الأعيان . ودعوى أنه إذا قدر المضاف لم يحتج إلى ملاحظة علاقة السببية ولا إلى القول بأن من ابتدائية لا يخلو عن نظر { فاجتنبوه } أي الرجس أو جميع ما مر بتأويل ما مر أو التعاطي المقدر أو الشيطان { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي راجين فلاحكم أو لكي تفلحوا بالاجتناب عنه وقد مر الكلام في ذلك ، ولقد أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر في هذه الآية بفنون التأكيد حيث صدرت الجملة بأنما وقرنا بالأصنام والأزلام وسميا رجساً من عمل الشيطان تنبيهاً على غاية قبحهما وأمر بالاجتناب عن عينهما بناء على بعض الوجوه وجعله سبباً يرجى منه الفلاح فيكون ارتكابهما خيبة . ثم قرر ذلك ببيان ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية فقال سبحانه :