تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (164)

في هذه الآية عرض موجز لبعض مشاهد الكون العجيب ، وآيات لكل ذي عقل على وجود الله وألوهيته . وفيها تنبيه للحواس والمشاعر تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون ، فمن ذلك : إبداع السموات التي ترونها ، والكواكب تسير فيها بانتظام دون أن تتزاحم أو تصطدم ، بل تبعث الحرارة والنور لهذا العالم . والأرض وما فيها من البر والبحر ، وتعاقب الليل والنهار في حياتها ، وما في ذلك من المنافع للناس .

كذلك ما يجري في البحر من السفن التي تحمل الناس والمتاع ، ولا يسيّرها إلا الله .

كذلك فهو الذي يرسل الرياح التي تبعث المطر ، فيحيي الحيوان ويسقي الأرض والنبات .

ومن خلقه أيضا ما ترونه من السحاب المعلّق بين السماء والأرض .

والآن ، هل يعقل أن تقوم هذه الأشياء كلها ، وبهذا الإتقان والإحكام من تلقاء نفسها ! أم هي صنع العليم القدير !

ويدلنا علم الفلك أن عدد نجوم السماء مثل عدد ذرات الرمال الموجودة على سواحل البحار في الدنيا كلها ، فمنها ما هو أكبر من الأرض وما هو أصغر منها . لكن أكثرها كبير جداً ، حتى ليمكن أن يعدِل أحدها ملايين النجوم التي في مثل حجم أرضنا هذه .

عندما تكون السماء صافية نستطيع أن نرى بالعين المجردة خمسة آلاف من النجوم ، ولكن هذا العدد يتضاعف إلى أكثر من مليونين حين نستعمل تلكسوباً عادياً . ذلك أن الفضاء الكوني فسيح جداً ، تتحرك فيه كواكب لا حصر لها ، وبسرعة خارقة ، فبعضها يواصل رحتله وحده ، ومنها ما يسير مثنى مثنى ، أو في مجموعات .

وأقرب حركة منا هي حركة القمر الذي يبعد حوالي 240 . 000 ميل . وهو يكمل دورته حول الأرض من تسعة وعشرين يوماً ونصف يوم .

كذلك تبعد أرضنا عن الشمس مسافة ( 000 . 000 . 92 ) ميل ، وهي تدور حول محورها بسرعة ألف ميل في الساعة ، وقطر فلكها ( 000 . 000 . 190 ) ميل تكمله مرة واحدة في السنة .

وهناك تسعة كواكب مع الأرض ، وكلّها تدور حول الشمس بسرعة فائقة . فالمشتري مثلا يكمل دورة واحدة حول الشمس كل إحدى عشر سنة وستة وثمانين يوما . وزحل كل تسعة وعشرين سنة وستة وأربعين يوما . وأورانس كل أربعة وثمانين سنة ويومين . ونبتون كل أربع وستين ومائة سنة وسبعة وتسعين يوما . وأبعد هذه الكواكب السيّارة حول الشمس هو بلوتو الذي تستغرق دورة واحدة منه حول الشمس 248 سنة و 43 يوما . وحول هذه الكواكب يدور واحد وثلاثون قمرا .

ولا ننسى ذلك العملاق الذي نسميه «الشمس » ، وهي أكبر من الأرض بمليون ومئتي ألف مرة . ثم إن هذه الشمس ليست بثابتة في مكانها ، وإنما هي بدورها تدور مع كل هذه السيارات والنجميات في هذا النظام الرائع . وهناك آلاف من الأنظمة غير نظامنا الشمسي ، يتكون منها ذلك النظام الذي يسمى المجرات .

وكأنها جميعا طبق عظيم تدور عليه النجوم والكواكب منفردة ومجتمعة كما يدور الخذروف يلعب به الطفل ، { وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } .

ويقدّر علماء الفلك أن هذا االكون يتألف من خمسمائة مليون واحدة من هذه المجرات ، ويرون ان هذا الكون الفسيح بأعداده الهائلة من الكواكب والنجوم إنما يسير بحركة منتظمة ، طبقاً لنظام وقواعد محكمة لا يصطدم فيها بعضها ببعض . وأن العقل حين ينظر إلى هذا النظام العجيب ، والتنظيم الدقيق الغريب ، لا يلبث أن يحكم باستحالة أن يكون هذا قائما بنفسه ، بل يجزم أن هناك قدرة هي التي تقيمه وتهيمن عليه . تلك هي قدرة الله الواحد القدير . أفليس في هذه العجائب والمشاهد عبر ومواعظ لمن يتدبر بعقله ، ويستدل بما فيها من إتقان وإحكام على قدرة مبدعها وحكمته !

وقد قال بعض العلماء : إن لله كتابين : كتاباً مخلوقاً هو الكون ، وكتابا منزلا مقروءاً هو القرآن ، يرشدنا إلى طرق العلم بذلك ، فمن اعتبر بهما فاز .

القراءات :

قرأ حمزة والكسائي «وتصريف الريح » على الإفراد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (164)

قوله تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) .

هذه مجموعة أدلة على وحدانية الله سبحانه ، وعلى قدرته البالغة وهيمنته التي تحيط بالأشياء جميعا . وهي سبعة أدلة ينطق كل واحد منها بجلال الخالق الأعظم وإرادته المطلقة التي لا يصدرها أي يحول دون نفاذها شيء .

وأول هذه الأدلة : السماوات السبع التي جعلها الله طباقا عظاما كثافا . وهي على امتدادها وعظمة اتساعها وما يسبح في أرجائها وفضائها من هائل الأجرام وعظيم الخلائق ، من كواكب سيارة وأخرى ثوابت غاية في الكثرة والضخامة والبعد بما لا يقوى على عدّه العادون ، ولا يتصور مداه العالمون ، إن ذلك كله ينطق بالبرهان المستبين على قدرة الخالق ووحدانيته وتفرده في الكمال والمعبودية .

وثانيهما : هذه الأرض التي ندبّ عليها ، لما تقوم عليه من دقة النظام والناموس وروعة التناسق المتكامل ودوام الحركة المنتظمة الرتيبة وتمام التركيب المتماسك الموزون من أبحر وأنهر ومحيطات ، ومن هاد وسهول وأطواد راسيات ، ومن تراب مختلف ألوانه وأنواعه ، وأحجار متعددة الأنواع والصفات منها الصلد الأملس ومنها اللين السهل ومنها الأسود والأدكن أو الأسمر والرمادي أو الترابي . وغير ذلك من الكيفيات والصفات أو الحقائق المقدورة والسمات ، كل أولئك ينطق بأجلى دليل وأسطع برهان على عظمة الإله الأحد الفرد الصمد .

وثالثها : اختلاف الليل والنهار ، سواء كان الاختلاف بينهما في الطول والقصر ، أو في النور والظلمة ، أو في إقبال أحدهما وإدبار الآخر . وكل ذلك يؤلف وحده برهانا متميزا لا يقوى على تحقيقه وصنعه إلا الله القادر .

ورابعها : الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس . والفلك السفن . وهي تستعمل في المفرد والجمع ، وفي المذكر والمؤنث . ولا جرم أن جريان الفلك طافية على وجه الماء فيه الدلالة على عظمة الله . ومما يثير الانتباه أن تكون في عنصر الماء خاصية الكثافة الملائمة التي تجعله مناسبا للطفو على سطحه . ومن أعجب ما نشاهد : هذه الأحمال الضخمة من الأمتعة والبضائع والأشياء الثقال التي تركم وسط السفينة الواسعة الكبيرة وهي تجري فوق الماء في سريان ليّن آمن عجيب ، ولولا ما ذرأه الله في الماء من خاصية رائعة مميزة لغارت الأشياء في جوف الماء إذا ما أصابت سطحه . إن ذلك لبرهان عظيم يحمل الدليل الأكبر على أن الله حق ، وأنه سبحانه موجد الخلائق والأشياء كافة .

وخامسها : المطر الذي ينزل منهمرا من السماء ؛ لبعث الحياة في النبات والزرع فيكتسي وجه الأرض بثوب جميل أخضر مما يحمل للأذهان والحس بشائر الخير والخصب والبركة . ولولا الماء المنهمر من السماء لأجدبت الأرض وعمها اليبس والموات . وما ينزل المطر لسقي النبات والزرع وإحياء الأرض بعد موتها إلا بأمر الله وتقديره . وذلك هو البرهان على عظمته سبحانه .

وسادسها : تصريف الرياح . أي إرسالها على أشكال وكيفيات متعددة مختلفة .

فمنها البارد الحار ، ومنها العاصف والليّن ، ومنها ما كان بشيرا بالنصر أو كان نذيرا بالهلاك ، ومنها ما كان جائيا من الجنوب أو الشمال ، أو كان جائيا من المغرب أو المشرق . وكل ذلك بإرادة الله وتقديره ، فلا يندّ عن أمره وقدره شيء . وهو برهان جلي على أن الله حق وأنه على كل شيء قدير .

وسابعها : تسخير السحاب . وهو يجمع على سحب والمفرد سحابة . وسمي بذلك ؛ لانسحابه في الهواء . والتسخير معناه التذليل ؛ ذلك أن السحاب وهو ما يحمل المطر ، قد سخره الله من أجل العباد والأحياء ؛ وذلك بإرساله مذللا من مكان لآخر ؛ ليعم الخير وتفيض البلاد بالعطاء والخصب .

إن هذه الحقائق كلها تحمل من صدق البراهين والدلالات على قدرة الله وعظيم سلطانه وأنه مالك كل شيء وهو على كل شيء قدير .