والذين يبتغون الكتاب : المكاتبة وهي أن يكاتب العبدُ سيده على مبلغ من المال إذا أداه إليه يصبح حرا .
أما الذين لا يجدون القدرة على مؤونات الزواج فعليهم أن يصبروا ويسلكوا طرق العفّة وينتظروا حتى يغنيَهم الله من فضله . وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يا معشرَ الشباب ، من استطاع منكم الباءةَ فليتزوجْ ، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج . ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء »
الباءة : النكاح ومؤنته . الوجاء : الخِصاء ، يعني أنه يعين على نسيان النكاح .
وفي الحديث الصحيح : « ثلاثةٌ حقٌ على الله عونُهم : المجاهدُ في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي يريد العفاف » أخرجه الترمذي والنسائي .
{ والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } : هنا يحثّ الله تعالى على تيسير تحرير الرقيق . . . . فكل عبدٍ أو عبدة تريد التحرر وتكاتب سيّدَها على مبلغ من المال ، على المؤمنين أن يساعدوهما في ذلك ويسهّلوا لهما طريق الحرية من العبودية . وهكذا كان الإسلام أول من شرع تحرير الرقيق ، وقد انتهى نظام الرق الآن .
ثم حث الله المؤمنين جميعاً على تحرير الرقاب ، فقال : { وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ }
وعلى جميع المسلمين أن يساعدوا أولئك الذين يريدون التحرّرَ فدفْعِ ما يستطيعون من الأموال لهم حتى يتم تحريرهم .
ثم نهى المؤمنين عن السعي في جمع المال من الطرق غير المشروعة فقال : { وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا }
كان من عادات الجاهلية أن الرجل يكون عنده إماء فيُكرهُهُنَّ على البغاء حتى يكسبن له المال ، ليأخذَ أجورهن . وكانت هذه العادة فاشية فيهم . وقد اشتكت بعضُ الجواري إلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فأنزل الله هذه الآية ليقطع دابر تلك العادة القبيحة .
{ وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } :
ومن يكره إماءه على البغاء فإن الله غفور رحيم لهنّ ، والذنبُ على المكرِه ، وقد وعد المكرَهاتِ بالمغفرة بعد الإكراه على عملِ لا يدَ لهن فيه .
قوله : ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) هذا الخطاب من الله لمن يملك أمر نفسه وليس لمن زمامه بيد غيره . ويستعفف أي يطلب العفة . والله جل وعلا يأمر كل من تعذر عليه النكاح لعدم المال أن يتعفف عن الحرام وهو قوله : ( لا يجدون نكاحا ) أي لا يجدون طولا يقدرون به أن يتزوجوا ( حتى يغنيهم الله من فضله ) أي بالقدرة على النكاح . أما من تاقت نفسه للزواج وهو يملك القدرة على ذلك فإنه يستحب له أن يتزوج إلا أن يخشى الوقوع في العنت وهو الزنا . فإن خشي ذلك صار الزواج في حقه واجبا . أما إذا لم يجد طولا ، وهو القدرة المالية على الزواج فعليه حينئذ بالاستعفاف ويستعين على مصابرة نفسه بالصوم فهو له وجاء .
قوله : ( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) الذين في موضع رفع مبتدأ . وخبره محذوف ، وتقديره : فيما يتلى عليكم الذين يبتغون الكتاب{[3261]} والذين ملكت أيمانكم يعني العبيد . فإن طلبوا منكم المكاتبة فإن المستحب أن تكاتبوهم . وقد نزلت الآية في غلام لحويطب بن عبد العزى واسمه صبح . طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى فأنزل الله الآية ، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا فأداها ، وقتل بحنين في الحرب{[3262]} .
والمقصود أن الله أمر المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من له مملوك وطلب المملوك منه الكتابة وعلم منه سيده خيرا . والمكاتبة معناها في الشرع أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه إليه منجما ( مفرقا ) عليه فإذا أداه صار حرا .
واختلفوا في حكم الأمر بالمكاتبة . فقد قيل : الأمر للإرشاد والاستحباب لا للإيجاب والحتم . وقيل : للوجوب . فعلى السيد أن يكاتبه إن طلب منه المكاتبة .
قوله : ( إن علمتم فيهم خيرا ) اختلفوا في المراد بالخير . فقد قيل : المراد به الأمانة . وقيل : الصدق . وقيل : الحرفة . وقيل : القدرة على الكسب كيلا يصبحوا عالة يتكففون الناس .
ومثل هذا التشريع لمسألة الرق والرقيق ، كان واحدا من جملة الأحكام التي قررها الإسلام لتحرير العبيد وإنهاء هذا النظام برمته ، ومن أساسه .
ولقد قرر الإسلام كثيرا من الأحكام في المسألة ليصير الناس كلهم أحرارا . وذلك بمختلف الأسباب والأساليب الشرعية المعروفة في هذا الدين . منها : إيجاب العتق والتحرير على سبيل التكفير عن بعض الخطايا والمخالفات الشرعية . ومنها : التحريض على العتق والترغيب فيه بشدة طلبا للأجر من الله وابتغاء لرضوانه . ومنها : سدّ المؤديات والأسباب التي تفضي إلى الاسترقاق كبيع الأحرار رغبة في المال . وكذلك الدين فإن عجز المدين استرقه الدائن . لكن ذلك بات في الإسلام محظورا ، ومستهجنا . فما يباع الأحرار ولا ينقلبون إلى عبيد البتة .
وكذا الدين فإنه لا مساغ للدائن أن يشتري بدينه حرية المدين ، فيسترقّه استرقاقا بسبب عجزه عن أداء دينه . وإنما يلزمه إمهاله حتى يتيسر له الأداء . وهو قوله تعالى : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) .
فلا مجال بعد ذلك لمغرض متربص دساس أن يغمز بالإسلام على أنه لم يحرم الرق . وقد علم كل ذي علم أن الأديان والشرائع والفلسفات والأعراف كافة والتي سبقت الإسلام قد قررت نظام الرقيق واستبقته على حاله ليظل مستمرا مطردا . لكن الإسلام وحده من بين الأديان والعقائد والقوانين جميعا ، قد شرع تحرير العبيد بأسلوبه المتكامل الحكيم .
وذلك من ثلاثة أبواب . وهي : باب الترغيب والتحضيض ، وباب الإلزام والإيجاب . وباب الصد وإغلاق الأسباب والمنافذ .
قوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) يأمر الله أصحاب العبيد أن يعينوهم في مال الكتابة ليتمكنوا من عتق أنفسهم . وفي حقيقة المخاطبين في هذه الآية خلاف . وثمة أقوال ثلاثة في ذلك :
القول الأول : إنهم السادة وعليهم أن يحطوا عن المكاتبين شيئا من مال الكتابة . وقد قيل : يحطون عنهم ربع الكتابة . وقيل : ثلثها . وقيل : عشرها . ويجبر السيد على هذا الإيتاء ، ويحكم به الحاكم على الورثة إذا مات السيد . وهو قول الشافعي ودليل ذلك مطلق الأمر في قوله : ( وآتوهم ) وقيل : هذا الأمر على الندب وليس الوجوب وهو قول الإمام مالك .
القول الثاني : المخاطب في الآية سائر الناس فهم مكلفون بالتصدق على المكاتبين وأن يعينوهم في فكاك رقابهم .
القول الثالث : الخطاب للولاة فهم مكلفون بإعطاء المكاتبين نصيبهم من مال الصدقة . وهو المراد بقوله تعالى في آية الصدقات : ( وفي الرقاب ) .
قوله : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ) كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني طلبا للمال يأخذه منها . ولما جاء الإسلام نهى المؤمنين عن ذلك فإنه فاحشة وقذر وفسق . فضلا عن موات الهمة وخواء المروءة والضمير جريا وراء المال بأقذر الأساليب .
وذكر في سبب نزول هذه الآية أن عبد الله بن أبي ابن سلول ، وهو رأس المنافقين ، كان له إماء وكان يكرههن على البغاء ، أي الزنا طلبا لخراجهن ورغبة في أولادهن وفي صحيح مسلم عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مُسيكة وأخرى يقال لها أميمة . فكان يكرههما على الزنا فشكتا ذلك إلى النبي ( ص ) فأنزل الله عز وجل ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) .
قوله : ( إن أردن تحصنا ) أي أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن أن يكون السيد مكرها لها أو أن إكراهه لها متصور مادامت هي ممتنعة ، وبذلك نهى الله عن هذا الإكراه . أما إذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يُطلب من السيد عدم إكراهها . أي إذا كانت راغبة في الزنا لم يتصور الإكراه .
قال ابن كثير في تأويل قوله : ( إن أردن تحصنا ) : هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له . لأن الغالب من عرف الجاهليين إكراه فتياتهم على الزنا طلبا للمال . فلا يعتبر مفهوم المخالفة هنا . وبذلك لا يصح التعلق بشيء من دليل الخطاب أو مفهوم المخالفة ليقال بجواز الإكراه على البغاء إذا لم يردن التحصن{[3263]} .
قوله : ( ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) أي من يقهرهن على الزنا طلبا للكسب فإن الله يغفر لهن . وإنما إثمهن على من أكرههن ، وألجأهن لفعل الفاحشة .