تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ} (43)

يزجي : يسوقُ برفق .

يؤلف بينه : يجمع بين أجزائه وقطعه .

ركاماً : متراكما بعضه فوق بعض .

الودق : المطر .

من خلاله : من بينه .

من جبال : من قطعٍ عظام تشبه الجبال .

سنا برقه : ضوء برقه .

يذهب بالأبصار : يخطفها لشدة بريقه ولمعانه .

في هذه الآية والتي تليها دلالةٌ على قدرة الله ووحدانيته . . . . انظرُ أيها الرسولُ الكريم إلى السحابِ يسوقُه الريحُ بقدرة الله أول ما ينشئه ، ثم يجمع بين ما تفرّق من أجزائه ، ثم يجعل بعضَه متراكماً فوق بعض ، فترى المطرَ يخرج من خلاله . واللهُ يُنزل من مجموعات السحب المتراكمة التي تشبه الجبالَ في عِظَمِها بَرَداً ينزل على قومٍ فينفعهم أو يضرّهم تبعاً لقوانينه وإرادته ، ولا ينزل على آخرين كما يريد الله . وانظُر إلى ما في هذه السّحاب من بَرْقٍ يضيء بشدّةٍ وسرعة حتى يكاد يخطَفُ الأبصار ، كما في قوله تعالى : { يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } [ البقرة : 20 ] .

وهذه الظواهر من أقوى الدلائل على قدرة الله ، وكلُّ من ركب الطائرة يعرف التشابه بين السحب والجبال ، فإنه يراها متراكمة كأنها الجبال والآكام ، وهذا من الأدلة الباهرة على إعجاز القرآن الكريم . ولم تُعرف هذه الصورة إلا بعد وجود الطائرات التي ترفع الإنسان فوق السحب فيراها على حقيقتها كما وُصفت في القرآن .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ} (43)

قوله : ( ألم تر أن الله يزجي سحابا ) ( يزجي ) ، أي يسوق ، من الإزجاء وهو السّوق . زجّى الشيء تزجية ، دفعه برفق . وأزجى الإبل ، ساقها{[3272]} .

والمعنى : أن الله يسوق السحاب سوقا رفيقا ( ثم يؤلف بينه ) أي يضم بعضه إلى بعض بعد أن كان قزعا{[3273]} أو أجزاء متفرقة .

قوله : ( ثم يجعله ركاما ) الركام ، المتراكم بعضه فوق بعض ، ركم الشيء يركمه ركما أي جمعه وجعل بعضه على بعضه . وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع .

قوله : ( فترى الودق يخرج من خلاله ) ( الودق ) معناه المطر{[3274]} ؛ أي ترى المطر يخرج من فتوق السحاب المؤلف المركوم . وفتوقه يعني مخارج القطر فيه . وهذه من جملة الآيات الحكيمة التي تحكي أخبار الطبيعة ، كظاهرة المطر ونحوه من ظواهر هذا الكون مما يقطع في الدلالة على أن هذا الكلام رباني معجز .

قوله : ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد ) وهذا دليل مضاف إلى أدلة كثيرة على عظمة الله الخالق . و ( السماء ) بمعنى العالي ، من العلو . و ( من جبال ) يعني من قطع عظيمة تشبه الجبال في أحجامها العظام . و ( فيها ) ، في محل نصب على الحال . و ( من برد ) ، ( من ) للتبعيض ، وهو مفعول ينزل . وقيل : ( من ) زائدة . أي ينزل من السماء من جبال فيها برد{[3275]} ( فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء ) والمراد بضمير يُصيب ، جلال الله عز وعلا ؛ فهو سبحانه يصيب بالبرد النازل من السماء من يشاء إصابته من العباد . وهو كذلك يصرف البرد عمن لا يريد إصابتهم به من الناس . وذلك من كمال صنع الله وعظيم تقديره ؛ إذ ينزل من السماء المطر والبرد على نحو مقدور وموزون . سواء في ذلك مقاديره المنزلة بأحجامها وكمياتها المعلومة ، أو البقاع والأناسي الذين يصيبهم ما يتنزل من بركان السماء .

قوله : ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) السّنا ، معناه الضوء ؛ أي يكاد ضوء البرق المكون في السحاب يخطف الأبصار من شدة بريقه وسطوعه ، وفرط لمعانه وضوئه .


[3272]:- مختار الصحاح ص 269.
[3273]:- القزع: بفتحتين، قطع من السحاب رقيقة.الواحدة قزعة. انظر مختار الصحاح ص 533.
[3274]:- مختار الصحاح ص 715.
[3275]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 198.