تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (200)

ثم يختم الله تعالى هذه السورة العظيمة بوصية للمؤمنين إذا عملوا بها كانوا أهلاً لاستجابة الدعاء ، وأحق بالنصر في الدنيا وحسن ثواب الآخرة .

يا أيها المؤمنون ، اصبروا على شدائد الدنيا وآلامها ، وألجِموا شهوات النفس وأطماعها ، واصبروا على انحراف الناس ونقصهم وسوء أعمالهم ، فالصبر شيء عظيم . ولقد حث الله تعالى عليه في نيِّفٍ ومائة آية من القرآن الكريم ، وما ذلك إلا لعلو منزلته ، وكونه من أكبر علائم النجاح في الدارين .

أما { وَصَابِرُواْ } فتعني : تحمَّلوا المكاره التي تلحقكم من سواكم ، وصابِروا الأعداء دون أن ينفذ صبركم على طول المجاهدة ، وسيكون لكم النصر بإذن الله .

{ وَرَابِطُواْ } في سبيل الله ، وأصلُ المرابطة : الإقامة في الثغور على حدود الأعداء ومواقع الجهاد ، أما الآن فقد بات معناها الجهاد في جميع ألوانه والاستعدادُ له بكل ما ولّده هذا العصر من وسائل الدفاع والأسلحة الحديثة .

ما ترك الجهادَ قومٌ إلا وَقَرَنهم الله بالذل ، فلننظر إلى ما نحن عليه الآن من فرقة ونزاع واختلاف بين زعمائنا وحكامنا ، وما يصدر من بعضهم من تبجح وتصريحات ، فهل نحن في مستوى قضيتنا ؟ ؟

{ واتقوا الله } والتقوى تصاحب ما سبق ، فهي الحارس اليقظ في الضمير تحرسه من أن يغفل ، أو يضعف ، أو يحيد عن الطريق القويم . فالصبر والمصابرة والجهاد بدون تقوى الله لا قيمة لها ولا فائدة منها .

{ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } في الدنيا والآخرة ، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لنكون من هؤلاء ، فنفوز مع الفائزين برضاه في الدارين ، وصدق الله العظيم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (200)

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) يأمر الله عباده المؤمنين أن يصبروا على الدين وتكاليفه فيلتزموا العمل بمقتضاه من غير زيغ ولا تردد . قال الحسن البصري : أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم ، وهو الإسلام فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين .

ويأمرهم الله أيضا أن يصابروا أعداء دينه في الجهاد ، أي يغالبوهم في الصبر على شدائد الحرب ولا يكونون أقل صبرا وثباتا منهم . والمصابرة باب من الصبر ، وقد ذكر بعض الصبر تخصيصا لشدته وصعوبته . قال الحسن البصري في ذلك : أن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم .

ويأمروهم أيضا أن يرابطوا . والمرابطة الإقامة في الثغور ، أو هي مرابطة الغزو في نحر العدو وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين{[678]} .

وثمة أخبار في الترغيب في المرابطة منها ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها " {[679]} وروى الإمام أحمد عن أبي ريحانة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " حرمت النار على عين دمعت- أو بكت- خشية الله ، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله " {[680]} .

وقيل في معنى الرابط أو المرابطة : انتظار الصلاة بعد الصلاة . وهو قول ابن عباس وآخرين . واحتجوا بالخبر من رواية مسلم والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطأ إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . فذلكم الرباط . فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط{[681]} .

وقوله : ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) أي خافوه واحذروا مخالفة أمره فاجتنبوا القبائح والمنكرات لكي تفوزوا برضوانه وجناته{[682]} .


[678]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 444 والكشاف جـ 1 ص 491.
[679]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 445.
[680]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 447.
[681]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 444.
[682]:- تفسير البيضاوي ص 100، 101 وتفسير الطبري جـ 4 ص 145- 149 وتفسير الرازي جـ 9 ص 137- 161 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 437-447 والكشاف جـ 1 ص 487- 491 وفتح القدير جـ 1 ص 410 -415 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 310-326 والبيان للأنباري جـ 1 ص 237- 239.