تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا} (35)

الشقاق : الخلاف .

كان الحديث في الآية السابقة عما إذا كان الخلاف من الزوجة فقط ، لكنه هنا فيما إذا كان من أحد الزوجين . ومنطوق الآية الكريمة يحرص على التوفيق ولذلك قال : { إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ } . فإن حدث خلاف بين الزوجين فقد يكون بسبب نشوز المرأة وقد يكون بسبب ظلم الرجل ، فإن تأزَّم الموقف وجب على أقاربهما أن ينتدبوا حكما من أهل الزوج ، وحكما من أهل الزوجة ، فإن لم يوجد من أقاربهما ، فمن عقلاء المسلمين . وعلى الحكَمين أن يجتهدا في تقريب وجهة النظر بين الزوجين ويذكّراهما أن الحياة الزوجية مبنية على الرفق والمودة . ومتى صدقت الإرادة وصحّت العزيمة فإن الله كفيل بالتوفيق . إن الله شرع لكم هذه الأحكام وهو عليم بأحوال العباد وأخلاقهم ، خبير بما يقع بينهم ، لا يخفى عليه شيء .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا} (35)

قوله تعالى : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ) . خفتم بمعنى : علمتم . والشقاق من الشق وهو يعني الجهة أو الناحية . فكأن كلا من الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه أو يكون على ناحية مقابلة ومخالفة للناحية التي انتحاها الآخر . وقد أضيف المصدر إلى الظرف المكاني وذلك كقوله تعالى : ( بل مكر الليل والنهار ) أو كقولنا : " صوم يوم عرقة " .

والمخاطب في الآية هم الولاة والأمراء . وقيل : الخطاب موجه للأولياء . والقول الأول هو الراجح وهو قول الجمهور . أما المخاطب في قوله : ( إن يريدا إصلاحا ) قيل : الحكمان . وقيل : الزوجان . ومعنى الآية : إنكم إذا علمتم بوقوع خلاف وتنافر بين الزوجين فابعثوا حكمين من أجل الإصلاح بينهما بحيث يكون الحكم الأول من أهل الزوج والحكم الثاني من أهل الزوجة على أن تتحروا عدالة هذين الحكمين وأنهما من ذوي السيرة الحسنة الحميدة . وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من تتوفر فيه هذه الأوصاف وجب اصطفاؤهم من غير أولي القربى على أن يكونا من أهل العدل والعلم والتقوى .

أما مهمة هذين الحكمين فإنها الإصلاح بين الزوجين المتناشزين المتنافرين . حتى إذا اجتمع كل حكم بمن يليه في القربى حدثه حديث العظة والتذكير ، ورغّبه في موادّة زوجه ، ونفّره من فداحة التفريق عسى أن يكون في هذا الحديث الحسن الرؤوف ما يؤلف بين القلبين المتباغضين وما يكون سببا في إذهاب النشوز والبغضاء وتحقيق التآلف والمودّة فيعودان زوجين مؤتلفين متحابين .

والحكمان وهما يراوضان الزوجين على التداني والتآلف يستطيعان الوقوف على مقصد كل من الزوجين فان كانا راغبين في العودة إلى حظيرة الزوجية كان به ونعمت . وإن كان غير ذلك من التدابر الذي لا رجعة بعده قدم الحكمان تقريرهما في ذلك إلى القاضي أو الوالي . والحكمان في ذلك كله مؤتمنان تماما بحيث يقع حكمهما موقع الإلزام الحاسم الذي يأخذ القاضي بموجبه ليقضي بما قضيا . وعلى ذلك فإن قضى الحكمان بالتفريق كان ذلك بمثابة طلاق بائن وهو قول الشافعية والمالكية وآخرين من أهل العلم ، وذلك استنادا إلى قوله تعالى : ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) وهذا نص من الله تعالى أن الحكمين قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان . وقيل : إن الحكمين ليس لهما إيقاع الطلاق ما لم يوكلهما الزوج في ذلك ويطلعا القاضي عليه . وهذا بناء على أن الحكمين رسولان شاهدان ، والإمام يفرق إن أراد ويأمر الحكمين بالتفريق . وهو قول الحنفية ، وأحد قولي الشافعي .

أما إذا اختلف الحكمان فقال أحدهما بما يخالف الآخر بات قولهما غير ذي اعتبار ولا هو بنافذ حتى يتفقا . فلو قضى أحدهما بالتفريق ولم يقض الآخر بذلك لم يؤخذ بقولهما معا . وكذلك لو حكم أحدهما بمال وأبى الآخر فليس ذلك بشيء حتى يتفقا{[744]} .


[744]:- تفسير القرطبي جـ 5 ص 176، 177 وفتح القدير جـ 1 ص 463 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 493.