تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (104)

الأمة : الجماعة .

الخير : ما فيه صلاح الناس في الدين والدنيا وهنا هو الإسلام .

المعروف : ما استحسنه الشرع والعقل .

بعد أن أرشد الكتاب المؤمنين إلى صلاح أنفسهم ، وتزكيتها بالعمل بتقوى الله والتمسك بحبله المتين ، بين لهم واجبهم الذي يقوم على القاعدتين اللتين مر ذكرهما : الإيمان بالله ، والأخوة في الله . وهذا واجب ضروري لإقامة دين الله على الأرض ، وتغليب الحق على الباطل . لذلك وجب على المسلمين أن تكون فيهم جماعة متميزة تقوم بالدعوة إلى الخير وصلاح البشرية . ويجب أن تكون هذه الطائفة معيّنة من قبل الحاكم وأن تتمتع بالسلطة الكافية لإنجاز ذلك ، وأن يقوم كل واحد منها باختصاصه حتى لا تحدث الفوضى وتضطرب الأمور .

هذا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف عسير يتطلب القيام به مؤمنين حقا ، متحلّين بالخلق العظيم والصبر والفهم والمرونة ، لأنهم سوف يصطدمون بأصحاب المصالح وذوي النفوذ والكبرياء والغرور . وعلى هذا فلا بد من اختيار جماعة يكون عملها خالصا لوجه الله ويؤتي ثمره على أحسن الوجوه ، حتى يصدق على أفرادها قوله تعالى { وأولئك هم المفلحون } . وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه " أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن غضِب لله غضب الله له " . قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم-105 المائدة } .

" والمراد*{[4]} بالخير هنا الإسلام ، وبالمعروف طاعة الله ، وبالمنكر معصيته ، ومحصل المعنى أنه لابد من وجود جماعة تدعو غير المسلمين إلى الإسلام ، وتدعو المسلمين إلى ما يرضي الله ، ويثيب عليه ، وترك ما يغضبه ، ويعاقب عليه .

ولفظ ( منكم ) في الآية قرينة على أن وجوب الأمر بالمعروف على سبيل الكفاية ، دون العين ، إذا قام به البعض سقط عن الكل .

وليس من الضروري أن يكون القائم بهذه المهمة عادلا ، بحيث لا يجوز للفاسق أن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر . . كلا ، لأمرين : الأول أن شرط الحكم تماما كالحكم لا يثبت إلا بدليل ، ولا دليل على شرط العدالة هنا لا من الكتاب ، ولا من السنة ، ولا من العقل . الثاني أن حكم الآمر بالمعروف لا يناط بطاعة أو معصية غيره من الأحكام .

وكثير من الفقهاء اشترطوا لوجوب الأمر بالمعروف أن يكون الآمر آمنا على نفسه ، بحيث لا يصيبه أي ضرر إذا أمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر .

ولكن هذا الشرط لا يطّرد في جميع الموارد ، فإن قتال من يحاربنا من أجل ديننا وبلادنا واجب ، مع العلم بأن القتال يستدعي الضرر بطبعه : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن-111 التوبة " . ويجوز لكل إنسان أن يضحي بحياته إذا تيقن أن في هذه التضحية مصلحة عامة ، وفائدة للعباد والبلاد أهم وأعظم من حياته ، بل هو مشكور عند الله والناس ، وفي الحديث : " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " .

وخلاصة القول : يجب دفع الضرر لو كانت له فائدة في الأصل ، كما يجوز للإنسان أن يقدم على قطع عضو سقيم من أعضائه ، حرصا على حياته ، وخوفا على نفسه من الهلاك .

هذا ، إلى أن للأسلوب أثره البالغ ، فبعض الأساليب تُنفّر من الحق ، وتجر صاحبها إلى المتاعب والويلات ، وبعضها تفرض الفكرة على سامعها فرضا من حيث لا يشعر . . والعاقل الحكيم يعطي لكل مقام ما يناسبه من القسوة واللين . وقد كان فرعون في أوج سلطانه وطغيانه ، ولم يكن لموسى وهارون ناصر ولا معين ، ومع ذلك أمرهما أن يدعواه إلى الحق ، ولكن بأسلوب هين لين . . حتى خالق الكون جلّت كلمته يخاطب عباده تارة بأسلوب التهديد والوعيد ، ويقول لهم : { أنكم منّا لا تنصرون-65 المؤمنون } . وتارة يقول لهم برفق : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم-22 النور } .

وبالجملة إن إعلان الدعوة الإسلامية على الملأ ، وتآمر المسلمين فيما بينهم بالمعروف ، وتناهيهم عن المنكر ، إن هذا ركيزة من ركائز الإسلام ، ومن ثم يحتم وجود فئة معينة تقوم بهذه المهمة ، تماما كما يحتم وجود سلطة تحافظ على الأمن والنظام ، وفئة تختص بالصناعة ، وأخرى بالزراعة ، وما إلى ذاك مما لا تتم الحياة إلا به .

وهذا الأصل من الأصول الأساسية لكل دين ، وكل مبدأ ، ولو كان زمنيا ، لأنه الوسيلة المجدية لبث الدعوة وانتصارها ، وردع أعدائها . . ولا شيء أدل على ذلك من اهتمام أصحاب المذاهب السياسية والاقتصادية بوسائل الإعلام ، وتطورها وبذل الملايين في سبيلها ، ومن وقوف الدعاية بشتى أساليبها مع المدفع جنبا إلى جنب ، وما ذاك إلا لأنهم أدركوا بتجاربهم أن الرأي العام أمضى سلاحا ، وأقوى أثرا من الصواريخ والقنابل . وقد اشتهر عن أحد أقطاب الحلفاء بعد انتصارهم في الحرب العالمية أنه قال : " لقد انتصرنا في المعركة بقنابل من ورق " . يعني الصحف والنشرات .

وتسأل : كيف تجمع بين قوله تعالى : { ولتكن أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } وبين قوله سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم-105 المائدة } ، حيث أفادت الأولى وجوب الأمر بالمعروف ، ودلت الثانية على عدم وجوبه بقرينة ( عليكم أنفسكم ) ؟

الجواب : المقصود بالآية الثانية أن من قام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه المطلوب فلا يضره ضلال من ضل ، وإعراض من أعرض ، ما دام قد أدى ما عليه : { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب-40 الرعد } .

سؤال ثان : لقد اشتهر عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " . وهذا الترتيب يتنافى مع ما هو معروف شرعا وعقلا وعرفا من أن تغيير المنكر إنما يبتدئ أولا باللسان ، فإن لم يُجدِ فبالحرب ، فما هو الوجه لقول الرسول الأعظم ؟ .

الجواب : فرق بعيد بين تغيير المنكر ، وبين النهي عن المنكر ، فإن النهي عن المنكر يكون قبل وقوعه- في الغالب- فهو أشبه بالوقاية ، كما لو احتملت أن شخصا يفكر بالسرقة ، فتنهاه عنها .

أما تغيير المنكر فيكون بعد وقوعه ، كما لو علمت أن شخصا سرق محفظة الغير ، فإن كنت قادرا على انتزاعها من السارق ، وردها إلى صاحبها وجب عليك أن تباشر ذلك بنفسك إذا انحصر الرد بفعلك خاصة ، ولم يلحقك أي ضرر ، فإن لم تستطع وجب عليك أن تأمر السارق برد المحفظة إلى صاحبها ، وتنهاه عن إمساكها ، فإن لم تستطع مقتَّ السارق ، ولم ترض بفعله بينك وبين ربك . . وموضوع الحديث النبوي تغيير المنكر ، لا النهي عن المنكر " .


[4]:الكاشف مج 2 ص 125.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (104)

قوله تعالى : { ولتكن منكم أمة } . أي كونوا أمة و " م " صلة ليست للتبعيض ، كقوله تعالى ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) . لم يرد اجتناب بعض الأوثان بل أراد فاجتنبوا الأوثان ، واللام في قوله " ولتكن " لام الأمر .

قوله تعالى : { يدعون إلى الخير } . إلى الإسلام .

قوله تعالى : { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر قال : أنا عبد الغافر بن محمد قال أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، ثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر محمد بن أبي شيبة أخبرنا وكيع عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال : قال أبو سعيد رضي الله عنهما : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقو ل : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " .

أخبرنا أبو عبد الله بن الفضل الخرقي قال : أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أخبرنا أحمد بن علي الكشمهيني ، أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، أنا عمرو بن أبي عمرو عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم " .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، أنا علي بن الحسين الدرابجردي ، أخبرنا أبو النعمان ، أخبرنا عبد العزيز بن مسلم المقسميلي ، أنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول : يا أيها الناس ، إنكم تقرؤون هذه الآية( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) . وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه " .

أخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عمرو بن حفص بن غياث ، أخبرنا أبي أنا الأعمش حدثني الشعبي أنه سمع النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم " مثل المداهن في حدود الله تعالى والواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة ، فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها ، فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به ، فأخذ فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة ، فأتوه فقالوا :مالك ؟ قال : تأذيتم بي ولابد لي من الماء ؟ فإن أخذوا على يديه أنجوه وأنجوا أنفسهم ، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم " .