كان الكلام قبل هذه الآيات في تعداد النعم التي أنعم الله بها على عيسى ، وفي إلهامه للحواريين بالإيمان به وبرسوله ، وفي طلب الحواريين من عيسى إنزال المائدة من السماء ، وبقية القصة ، أما فيه هذه الآيات فنحن أمام أحد مشاهد يوم القيامة ، ذلك اليوم العظيم الذي يُكشَف فيه كل شيء ، على مرأى من الناس جميعا . يومذاك يأتي جواب سيدنا عيسى الصريح بأنه بريء من كل ما افتروا عليه ، وأنه يفوّض الأمر لله العلي القدير .
أُذكر أيها النبي ، ما سيحدث يوم القيامة ، حين يقول الله مخاطبا عيسى ابن مريم على رؤوس الأشهاد : أأنتَ يا عيسى قلتَ للناس اجعلوني أنا وأمي إلَهين ، من دون الله ؟ فيقول عيسى : سبحانك . إنني أنزّهك تنزيهاً تاماً عن أن يكون لك شريك ، ولا يصح لي أن أطلب طلبا ليس لي أدنى حق فيه . ولو كنتُ يا ربّي قلتُ ذلك لعلمتَه سبحانك ، فأنت تعلم خفايا نفسي ، ولا أعلم مايحيط بكل شيء ، أما أنا فلا أعلم شيئاً .
قوله تعالى : { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ، واختلفوا في أن هذا القول متى يكون ، فقال السدي : قال الله تعالى القول لعيسى عليه السلام حين رفعه إلى السماء لأن حرف ( إذ ) يكون للماضي . وقال سائر المفسرين : إنما يقول الله له هذا القول يوم القيامة بدليل قوله من قبل : { يوم يجمع الله الرسل } [ المائدة :109 ] . وقال من بعد : { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } [ المائدة : 119 ] ، وأراد بهما يوم القيامة ، وقد تجيء إذ بمعنى إذا ، كقوله عز وجل : { ولو ترى إذ فزعوا } أي : إذا فزعوا يوم القيامة ، والقيامة وإن لم تكن بعد ولكنها كالكائنة ، لأنها آتية لا محالة . قوله : { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } فإن قيل : فما وجه هذا السؤال مع علم الله عز وجل أن عيسى لم يقله ؟ قيل : هذا السؤال عنه لتوبيخ قومه ، وتعظيم أمر هذه المقالة ، كما يقول القائل لآخر : أفعلت كذا وكذا ؟ فيما يعلم أنه لم يفعله ، إعلاماً واستعظاماً ، لا استخباراً واستفهاماً . وأيضاً : أراد الله عز وجل أن يقر عيسى عليه السلام عن نفسه بالعبودية ، فيسمع قومه منه ، ويظهر كذبهم عليه ، أنه أمرهم بذلك ، قال أبو روق : إذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب أرعدت مفاصله ، وانفجرت من أصل كل شعرة في جسده عين من دم ، ثم يقول مجيبا لله عز وجل : { قال سبحانك } ، تنزيهاً وتعظيماً لك .
قوله تعالى : { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } ، قال ابن عباس : تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك ، وقيل : تعلم سري ولا أعلم سرك ، وقال أبو روق : تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في الآخرة ، وقال الزجاج : النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته ، يقول : تعلم جميع ما أعلم من حقيقة أمري ، ولا أعلم حقيقة أمرك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.