تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (195)

التهلكة : الهلاك والمراد به هنا التقصير في بذل المال استعداداً للجهاد .

لم يكن في بدء الإسلام جنود يأخذون رواتب ، بل تطوُّع بالنفس وتطوع بالمال . وكان كثير من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون منه أن يزودهم بدابة تنقلهم ، فإذا لم يجد ما يحملهم عليه { تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع . . . } حزنا ، حيث لم يجدوا ما ينفقون . فالله سبحانه وتعالى يعلّمنا في هذه الآية الكريمة درسا عظيماً ، حيث يقول : وأنفقوا الأموال في الإعداد للقتال في سبيل الله ، ولا تقعدوا عنه ، فإنكم إن تقاعدتم وبخلتم ، رَكبَكُم العدو وأذلّكم ، فكأنما ألقيتم بأيديكم إلى الهلاك . وهذا ما قاله الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري كما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه قال : «إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الانصار لمّا أعز الله الإسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعض سراً : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعزّ الإسلام ، وكثر ناصروه ، فلو قمنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا { وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ بِأيدِيكُمْ إلى التهلكة . . . } فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى مات في القسطنيطينية ودُفن بها ، وقبره عليه مسجد معروف فيها إلى اليوم .

فالجهاد بالمال أمر مهم ، بل هو أساس كبير في دعم الجهاد والمحافظة على كيان الأمة .

في الآيات التي مرت معنا تحددت النقاط التالية :

* شُرع القتال لدفع الأعداء ، لا لذاته ولا لحمل الناس على الإسلام .

* النهي عن الاعتداء فلا يُقتل من لا يحمل سلاحا ولا من استسلم ، و لا تخرَّب الدور على أهلها ، ولا تهدّم المدن .

* ملاحظة الفضيلة التي دل عليها الأمر بالتقوى ، فلا تُنتهك الاعراض ، ولا يمثّل بقتيل .

* أن القتال ينتهي إذا انتهى المشركون عن فتنة المؤمنين في دينهم .

* لا قتال في الأشهر الحرم ، فإذا اعتدى المشركون وقاتلوا ، وجب قتالهم .

* أن ترك الأعداء يقتلون بعضنا من غير أن نقاتلهم لهو هلاكٌ لنا . وهذا ما هو جار الآن بيننا وبين اليهود يعتدون ويقاتلون ، ونحن واقفون ننظر ويلوم بعضنا بعضا .

* فإذا دققنا النظر في هذه المباىء نجد أن حرب الإسلام فاضلة في بواعثها ، وعادلة في سيرها ومراميها .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (195)

{ تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال أبو أيوب الأنصاري : المعنى لا تشتغلوا بأموالكم عن الجهاد ، وقيل : لا تتركوا النفقة في الجهاد خوف العيلة وقيل : لا تقنطوا من التوبة وقيل : لا تقتحموا المهالك ، والباء في { بأيديكم } زائدة ، وقيل التقدير : لا تلقوا أنفسكم بأيديكم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (195)

ولما كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد وكان العيش في أول الإسلام ضيقاً والمال قليلاً فكان ذلك موجباً لكل أحد أن يتمسك{[8360]} بما في يده ظناً أن في التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك أخبرهم أن الأمر على غير ما يسول به الشيطان من ذلك{ الشيطان يعدكم الفقر{[8361]} }[ البقرة : 268 ] وقال الحرالي : ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء على خلاف غرض النفس نظم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق الذي{[8362]} يحصل به الزكاء{[8363]} والنماء ، وأيضاً لما أسس{[8364]} تعالى{[8365]} حكم الجهاد الذي هو أشق{[8366]} الأعمال على النفس{[8367]} نظم به أمر الجود والإنفاق الذي هو أشق{[8368]} منه على الأنفس ، ومن حيث إن{[8369]} القتال مدافعة يشتمل{[8370]} على عدة وزاد لم يكن أمره يتم إلاّ {[8371]}بأعمال الغريزتين{[8372]} : الشجاعة والجود ، ولذلك{[8373]} كان أشد الآفات في الدين البخل والجبن ، انتهى - فقال تعالى : { وأنفقوا{[8374]} } {[8375]}وأظهر ولم يضمر إظهاراً للاعتناء بأمر النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال{[8376]} : { في سبيل الله } {[8377]}أي الملك الذي كل شيء تحت قهره{[8378]} كما قال :

وقاتلوا في سبيل الله{[8379]} }[ البقرة : 190 ] وهو كل ما أمر به الله وإن كان استعماله في الجهاد أكثر ، أي ولا تخافوا العيلة والضيعة{[8380]} فإن الله ربّكم هو الذي أمركم بذلك{ والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً{[8381]} }[ البقرة : 265 ] قال الحرالي : فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو من العز وما في الإنفاق من النماء ، وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك{[8382]} الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة - انتهى . فقال تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم } أي تسرعوا بوضعها إسراع من يلقي الشيء بعدم الإنفاق { إلى التهلكة } من الهلاك{[8383]} وهو تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل فيجترىء{[8384]} عليكم العدو فلا يقوم{[8385]} لكم قائمة فإنّ البخل أسرع شيء إلى الهلاك ، {[8386]}وهي تفعلة بضم العين مصدر هلك ، وقيل : إنه لا ثاني له{[8387]} في{[8388]} كلامهم ، وحقيقة{[8389]} أوقع الإلقاء لما ينفعه من نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة بها مالكة لصاحبها . وقال الحرالي : إحاطة الخطاب تقتضي أن{[8390]} التهلكة تضييع القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على{[8391]} مبنى الإسلام فيتطرق{[8392]} إلى هدمه ، ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار{[8393]} الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها{[8394]} كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى . وقد روى أبو داود والترمذي - وهذا لفظه وقال : حسن{[8395]} صحيح - والنسائي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه : " إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه و{[8396]}قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن{[8397]} أموالنا قد ضاعت ، فلو أقمنا في أموالنا ! فأنزل الله هذه الآية ، فكانت التهلكة الإقامة{[8398]} على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو " وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال : نزلت في النفقة " .

ولما كانت التوسعة{[8399]} في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه {[8400]}وبأن{[8401]} الله لا يحب المعتدين وكانت{[8402]} التوسعة في الإنفاق في سبيل الله من{[8403]} {[8404]}أعلى خلال{[8405]} الإيمان قال تعالى : { وأحسنوا } أي{[8406]} أوقعوا{[8407]} الإحسان على العموم بما{[8408]} أفهمه قصر{[8409]} الفعل وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق{[8410]} وظنوا بالله الحسن {[8411]}الجميل ، وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم{[8412]} { إن الله } الملك العظيم{[8413]} { يحب المحسنين } أي يفعل{[8414]} معهم {[8415]}كل ما يفعله{[8416]} المحب مع من يحبه من الإكرام والإعلاء والنصر والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا يحب المعتدين .

قال الحرالي : فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع الإحسان في المال ، وفي إشعاره حض{[8417]} الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال المهاجرين في التجرد عنها{[8418]} ، فكما{[8419]} كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا ، فما خرج المهاجرون عن أصله خرج الأنصار{[8420]} عند التمسك به عن وصفه{[8421]} ، فكان إعراضهم تابعاً لترك المهاجرين أموالهم{[8422]} .


[8360]:في م وظ ومد: يستمسك.
[8361]:سورة 2 آية 268.
[8362]:من م وظ ومد، وفي الأصل: به تحصل الزكاة.
[8363]:من م وظ ومد، وفي الأصل: به تحصل الزكاة.
[8364]:من م وظ ومد، وفي الأصل: أسن.
[8365]:زيد في الأصل "و" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[8366]:في الأصل: شق، والتصحيح من بقية الأصول.
[8367]:في ظ ومد: الأنفس.
[8368]:في مد: أشد.
[8369]:زيد من م وظ ومد.
[8370]:في ظ ومد: يشمل.
[8371]:في الأصل: الأعمال العزيزتين، والتصحيح من م وظ ومد، غير أن في م: العزيزتين – مكان: الغريزتين.
[8372]:في الأصل: الأعمال العزيزتين، والتصحيح من م وظ ومد، غير أن في م: العزيزتين – مكان: الغريزتين.
[8373]:من م ومد وظ، وفي الأصل: كذلك.
[8374]:وقيل: المعنى أبدلوا أنفسكم في المجاهدة في سبيل الله، وسمى بذل النفس في سبيل الله إنفاقا مجازا واتساعا كقول الشاعر: وأنفقت عمري في البطالة والعمى فلم يبقى لي عمرو لم يبق لي أجر ولما اعتقبت هذه الآية لما قبلها مما يدل على القتل والأمر به تبادر إلى الذهن النفقة للجهاد للمناسبة – البحر المحيط 2 / 70.
[8375]:ليست في م وظ.
[8376]:ليست في م وظ.
[8377]:ليست في ظ.
[8378]:ليست في ظ.
[8379]:سورة 2 آية 190.
[8380]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الضيفة.
[8381]:سورة 2 آية 265.
[8382]:من م وظ ومد، وفي الأصل: تدارك.
[8383]:في م وظ ومد: الهلك وفي البحر المحيط 2 / 59 و 60 التهلكة على وزن تفعلة مصدر لهلك، وتفعلة مصدرا قليل، حكى سيبويه منه التضرة والتسرة ومثاله من الأعيان التنصبة والتنفلة يقال: هلك هلكا وهلاكا وتهلكة وهلكاء على وزن فعلاء.....والهلاك في ذي الروح الموت وفي غيره الفناء والنفاد. وقيل: التهلكة ما أمكن التحرز منه والهلاك ما لا يمكن التحرز منه، وقيل: التهلكة الشيء المهلك والهلاك حدوث التلف، وقيل: التهلكة كل ما تصير غايته إلى الهلاك.
[8384]:من م ومد، وفي الأصل: فيحتوي، وفي ظ: فيجزي.
[8385]:في م ومد: فلا تقوم، وفي ظ: فلا يقوم – كذا.
[8386]:العبارة من هنا إلى "لصاحبها" ليست في ظ.
[8387]:في البحر المحيط: وزعم ثعلب أن التهلكة مصدر لا نظير له إذ ليس في المصادر غيره، وليس قوله بصحيح إذ قد حكينا عن سيبويه أنه حكى التضرة والتسرة مصدرين.
[8388]:من م ومد، وفي الأصل: من .
[8389]:في مد وم: حقيقته.
[8390]:العبارة من هنا إلى "كان أمر" ليست في ظ.
[8391]:من م ومد، وفي الأصل: إلى.
[8392]:زيد من مد وم غير أن في م: يتطرق.
[8393]:في م: الأنصار.
[8394]:زيد في الأصل: "كما" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[8395]:ليس في ظ.
[8396]:زيد من م.
[8397]:في م: إنما.
[8398]:في ظ: للإقامة.
[8399]:من م، وفي الأصل وظ ومد: الوسعة.
[8400]:من م ومد وظ وفي الأصل: فإن.
[8401]:من م ومد وظ، وفي الأصل: فإن.
[8402]:من مد وظ، وفي الأصل وم: كان
[8403]:ليس في م وظ.
[8404]:من م ومد وفي الأصل: أعلا خلاف وفي ظ: أعلى احلال.
[8405]:من م ومد وفي الأصل أعلى خلااف، وفي ظ: أعلى احلال.
[8406]:العبارة من هنا إلى "المتعلق" ليست في ظ.
[8407]:في الأصل: ادفعوا والتصحيح من بقية الأصول.
[8408]:في الأصل: اتهمه قصد، والتصحيح من م ومد.
[8409]:في الأصل: اتهمه قصد، والتصحيح من م ومد.
[8410]:وفي البحر المحيط 2 /71: هذا أمر بالإحسان والأولى حمله على طلب الإحسان من غير تقييم بمفعول معين. وقال عكرمة: المعنى وأحسنوا الظن بالله، وقال زيد بن أسلم: وأحسنوا بالإنفاق في سبيل الله وفي الصدقات وقيل: وأحسنوا في أعمالكم بامتثال الطاعات – قال ذلك بعض الصحابة قيل: "وأحسنوا" معناه: جاهدوا في سبيل الله والمجاهد محسن.
[8411]:من م وفي بقية الأصول: المحسن.
[8412]:زيد ما بين الحاجزين من م ومد.
[8413]:في م: الأعظم.
[8414]:في م ومد وظ: فيفعل.
[8415]:من م وظ ومد، وفي الأصل: كما يفعل.
[8416]:من م وظ ومد وفي الأصل: كما يفعل.
[8417]:من ظ، وفي الأصل وم: يخص وفي مد: خص.
[8418]:قال الأندلسي: هذا تحريض على الإحسان لأن فيه إعلاما بأن الله يحب من الإحسان صفة له، ومن أحبه الله لهذا الوصف فينبغي أن بقوم وصف الإحسان به دائما بحيث لا يخلو منه محبة الله دائما – البحر المحيط 2 / 71.
[8419]:من م وظ ومد وفي الأصل: فلما.
[8420]:زيد بعده في الأصل: به ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[8421]:في م: وضعه.
[8422]:زيد من م وظ ومد.