تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا} (58)

الأمانة : الشيء الذي يُحفظ بنيّةِ أن يؤدَّى إلى صاحبه ، والأمانات ، كل ما يؤتمن عليه المرء من مال ، أو عهد ، أو عقد ، أو سر ، أو ما أشبه ذلك .

العدل : إيصال الحق إلى صحابه .

بعد أن بين الله سبحانه الإرشادات الحكيمة التي يجب على الأمة أن تتخذها أساساً للحياة فيها ، ذكر هنا ما يجب أن يؤسَّس عليه شأن الجماعة الإسلامية ، فقرر أمرين لهما خطرهما في ذلك . وهما : أداء الأمانات إلى أهلها ، والحكم بالعدل بين الناس ، وكأنه يشير بهذا إلى أن الانتفاع بالإرشادات المتقدمة في الأُسرة والأموال لا يتحقق إلا على «أداء الأمانة » و «العدل » .

والأماناتُ كلمة عامة تشمل جميع الحقوق من مالية ، وعملية ، وعلمية ، والحُكم بالعدل فيها هو القضاء بتلك الأمانات عند تعرضها للضياع . أما الحكم بالعدل عامة فيشمل ما كان عن طريق التولية ، وما كان عن طريق التحكيم ، كما يشمل ما بين المسلمين أنفسهم ، وما بنيهم وبين غيرهم . وقد كثُر الحثّ في القرآن على العدل لأنه أساس الحياة . وعناصر العدل في الحكم هي فهمُ الحادثة من جميع جوانبها ، ثم معرفة الحكم من مصدره التشريعي ثم تحرّي انطباق الحكْم على الحادثة . كل ذلك مع التسوية بين الخصوم في مجلس القضاء .

{ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا }

خطاب عام لجميع الناس وفي مقدّمتهم المؤمنون . وقد وردت عدة أحاديث في نزول هذه الآية منها قضية عثمان بن طلحة ووجوب ردِّ مفتاح الكعبة إليه . لكن ، العبرةُ بعموم اللفظ . والمعنى :

أيها المؤمنون ، إن الله يأمركم أن توصلوا جميع ما أنتم مؤتمنون عليه ، وهو نفوسكم أولاً ، وذلك أن تؤمنوا به إيمانا حقيقيا ، تطيعوا أوامره وتتجنبوا نواهيه ، وتعملوا عملاً صالحا يرضاه .

هذه هي الأمانة الكبرى التي كُلّف الإنسان بحملها وتقاعست عن ذلك الجبال . . ومنها تنبثقُ سائر الأمانات التي يأمر الله بها أن تؤدَّى .

ثم أمانةُ العبد مع الناس . من ذلك ردُّ الودائع إلى أربابها ، وعدم الغش ، وحِفظ السر ونحو ذلك مما يجب للأهل والأقربين وعامة الناس والحكام . يدخل في ذلك عدل الحاكمين مع الرعية ، بألاّ يستأثرون بثرواتها ، ولا يتحكموا في رقابها ، وأن يختاروا خير الناس لتولّي شئونهم . كما يدخل عدل العلماء مع الناس بأن يرشدوهم إلى دينهم الصحيح ، ويعلّموهم الأعمال التي تنفعهم في دنياهم وأخراهم من أمور التربية وكسب الحلال ، لا أن يتخذوا الدينَ تجارة يبيعون منه القراريط لقاء رضا الحكام وملء جيوبهم هم . ويدخل فيها كذلك أمانة الرجل مع زوجته في النفقة والعشرة ، ومع أولاده وسائر أهل بيته المسئول عنهم .

ثمّ يدخل عدل الإنسان مع نفسه بأن يختار لها ما هو الأصلح فلا يُقدم على عمل يضرّه في دنياه أو آخرته ، ويتجنب تعاطي الأشياء التي تضر بصحته ويبتعد ما أمكن عن جميع المغريات .

{ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل } .

هذا نص مطلق شامل ، فإنه سبحانه يطلب منا إقامة العدل بين الناس جميعاً على اختلاف أديانهم وطبقاتهم ، لا بين المسلمين فحسب . . لأن العدل هو أساس انتظام الحياة ، وعلى ذلك فهو حق لكل إنسان من أي دينٍ أو جنس أو لون . هذا هو دستور الإسلام العظيم لا التستر على التمييز العنصري ولا تسخير الدين في خِدمة الحكام .

{ إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ } هذه موعظة من ربكم فاحرصوا عليها لأنه لا يوجد أحسن منها ، إن الله دائماً سميع لما يقال ، بصير بما يُفعل ، وهو يعلم من أدّى الأمانة ومن خانها ، ومن حكَم بالعدل أو جار ، فيجازي كلاًّ بعمله . وفي هذا وعد للطائعين ، ووعيد للعاصين .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا} (58)

{ إن الله يأمركم } الآية قيل : هي خطاب للولاة وقيل : للنبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة ولفظها عام ، وكذلك حكمها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا} (58)

ولما{[21760]} تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في {[21761]}النساء و{[21762]}اليتامى في الإرث وغيره ، وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال ، وذكر خيانة{[21763]} أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب ، وذكر أنه آتى هذه الأمة الملك المقتضي للحكم ، وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم ؛ أقبل عليهم بلذيذ{[21764]} خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه{[21765]} بما ختمه بالظل الموعود على العدل في حديث " سبعة يظلمهم الله في ظله{[21766]} " فقال : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال{[21767]} { يأمركم } أي أيتها{[21768]} الأمة { أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } أي من غير خيانة{[21769]} ما ، كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم والإخبار بغيره ، والأمانة : كل ما وجب لغيرك عليك .

ولما أمر بما يحق للإنسان في نفسه ، أمر بما يحق له في معاملة غيره{[21770]} ، وحقق لهم{[21771]} ما لم يكونوا يرومونه{[21772]} من أمر الملك بقوله بأداة القطع عاطفاً شيئين على شيئين{[21773]} : { إذا حكمتم } وبين عموم ملكهم لسائر{[21774]} الأمم بقوله{[21775]} : { بين الناس } وبين المأمور به بقوله : { أن تحكموا بالعدل } أي السواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له{[21776]} ، فإن ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل{[21777]} الظليل ، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل " الحديث .

ولما أخبرهم بأمره{[21778]} زادهم رغبة{[21779]} بقوله : { إن الله } {[21780]}معبراً أيضاً بالاسم الأعظم { نعمَّا } أي نعم شيئاً عظيماً{[21781]} { يعظكم به } وحثهم على المبادرة إلى حسن الامتثال بقوله : { إن الله } مكرراً لهذا الاسم الشريف ليجتهدوا في الترقي في طهارة الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم . ولما كان الرقيب في الأمانات لا بد له من{[21782]} أن يكون له من يد سمع وعلم قال{[21783]} : { كان } أي ولم يزل{[21784]} ولا يزال{[21785]} { سميعاً } أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جواباً لأمره وغيره ذلك { بصيراً * } أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك وغيره من امتثال وغيره .


[21760]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21761]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21762]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21763]:من ظ ومد، وفي الأصل: جناية.
[21764]:في ظ: بلين.
[21765]:من ظ ومد، وفي الأصل: بقرابة ـ كذا.
[21766]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21767]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21768]:في ظ: أيها.
[21769]:في مد: جناية.
[21770]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21771]:في ظ: له.
[21772]:من مد، وفي الأصل وظ: يرمونه.
[21773]:زيد ما بين الحاجزين من مد، وموضعه في ظ: سين على سين ـ كذا.
[21774]:من ظ ومد، وفي الأصل: ساير.
[21775]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21776]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21777]:زيد الواو بعده في ظ.
[21778]:من ظ ومد، وفي الأصل: بأمرهم.
[21779]:سقط من ظ.
[21780]:العبارة من هنا إلى "أن الله" سقطت من ظ.
[21781]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[21782]:سقط من مد.
[21783]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21784]:في ظ: لم تزل.
[21785]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.