الفقراء : هم الذين لا يجدون كفايتهم .
المساكين : الذين لا يجدون كفايتهم ولا يستطيعون العمل .
العاملين عليها : كل من يعمل على تحصيل المال .
المؤلفة قلوبهم : هو الذين يراد استمالتهم إلى الإسلام .
والغارمين : الذين عليهم دين لا يستطيعون تأديته .
وفي سبيل الله : الجهاد ، وكل عمل في الصالح العام .
وابن السبيل : هو المنقطع عن بلده في سفر ولم يبق معه مال يوصله إلى بلده .
بعد أن بيّن اللهُ الأدبَ اللائق في حقّ اللهِ والرسول ، وأن الصدقاتِ فرضها الله ثم أمر الرسولَ الكريم بقسمتها ، عدّد الذين يستحقّون الزكاة المفروضة . وهؤلاء هم المحتاجون لها حقيقة .
لا تصرف الزكاة المفروضة إلا للفقراء الذين لا يجِدون ما يكفيهم «والمساكين » وهم أسوأ حالاً من الفقراء ، لقوله تعالى : { أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } [ البلد : 16 ] { والعاملين عَلَيْهَا } الذين يجمَعونها من جُباة أو موظفين وغيرهم .
روى أحمد والشيخان عن ابن السعدي المالكي قال : استعمَلَني عُمَرُ على الصدقة ، فلما فرغتُ منها وأدّيتُها إليه أمر لي بِعُمالةٍ ، فقلت : إنما عَمِلتُ لله ، فقال : خذْ ما أُعطِيتَ فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني عمالة ، فقلتُ مثلَ قولك ، فقال رسول الله : «إذا أُعطيتَ شيئاً من غيرِ أن تسألَ فكُلْ وتصدَّق » .
{ والمؤلفة قُلُوبُهُمْ } وهم قومٌ يراد استمالتُهم إلى الإسلام وترغيبهم فيه .
{ وَفِي الرقاب } تُدفع الزكاة من أجل عِتْقِ العبيد ، وهذا غير موجود اليوم .
{ والغارمين } وهم الّذين عَلْيهِم دُيون وعجَزوا عن وفائها ، تُدفع لهم الزكاة ليوفوا ديونهم .
{ وَفِي سَبِيلِ الله } في تزويد المجاهدين في سبيل الله ، وفي كل عمل ينفع المسلمين في مصالحهم العامة .
{ وابن السبيل } وهو المسافر الذي انقطعَ عن بلدِه ، فيعطَى ما يستعين به على العَودة إلى بلده ، ولو كان غنيا .
{ فَرِيضَةً مِّنَ الله والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
شرع الله ذلك فريضةً منه لمصلحة عباده ، وهو عليم بمصالح خلْقه ، ومقدار حاجاتهم ، حكيم فيما يشرعّه لهم .
والزكاة مفصّلة في كتب الفقه : تدفع بنسبة العُشْر من الزرع الذي يُسقى بماء السماء ، ونصف العشر من الزرع الذي يسقيه صاحبُه ويكلّفه ذلك نفقة ، وعن الأموال ربع العشر مقيّما اثنين ونصفاً بالمئة . وكل من عنده نحو عشرين دينارا فائضه عن نفقته ودَينه ، يدفع الزكاة .
{ إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية : إنما هنا تقتضي حصر الصدقات وهي الزكاة في هذه الأصناف الثمانية فلا يجوز أن يعطى منها غيرهم ، ومذهب مالك أن تفريقها في هؤلاء الأصناف إلى اجتهاد الإمام ، فله أن يجعلها في بعض دون بعض ، ومذهب الشافعي أنه يجب أن تقسم على جميع هذه الأصناف بالسواء ، واختلف العلماء هل الفقير أشد حاجة من المسكين أو بالعكس ؟ فقيل : هما سواء ، وقيل : الفقير الذي يسأل الناس ويعلم حاله ، والمسكين ليس كذلك .
{ والعاملين عليها } أي : الذين يقبضونها ويفرقونها .
{ والمؤلفة قلوبهم } كفار يعطون ترغيبا في الإسلام ، وقيل هم مسلمون يعطون ليتمكن إيمانهم ، واختلف هل بقي حكمهم أو سقط للاستغناء عنهم .
{ وفي الرقاب } يعني : العبيد يشترون ويعتقون .
{ الغارمين } يعني : من عليه دين ويشترط أن يكون استدان في غير فساد ولا سرف .
{ وفي سبيل الله } يعني : الجهاد فيعطى منها المجاهدون ويشترى منها آلات الحرب واختلف هل تصرف في بناء الأسوار وإنشاء الأساطيل .
{ وابن السبيل } هو الغريب المحتاج .
{ فريضة } أي : حقا محدودا : ونصبه على المصدر ، فإن قيل : لم ذكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذكر المنافقين فالجواب أنه حصر مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقين فيها ، فاتصلت هذه الآية في المعنى بقوله : { ومنهم من يلمزك في الصدقات } الآية .
ولما أخبر عن لمزهم في الصدقات وقرر ما هو خير لهم إرشاداً إلى النجاة ، علل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها{[36582]} وبين أنه لا يفعل غيره لأنه الحق الذي لا يجوز في شرعه الأكمل غيره لمزوا أو{[36583]} تركوا زهدوا أو رغبوا فقال معبراً {[36584]}بأداة القصر على ما ذكر : { إنما الصدقات } أي هذا الجنس بجميع ما صدق من أفراده ، والظاهر أنه قدم الأهم فالأهم ، فلذا قال الشافعي : إن الفقير أشدهم حاجة لكونه ابتدأ به ، فقال : { للفقراء } أي الذين لا شيء لهم أو لهم شيء يقع موقعاً من كفايتهم { والمساكين } أي الذين لا كفاية لهم بدليل{ أما السفينة }{[36585]}[ الكهف : 79 ] وأما{ مسكيناً ذا متربة }{[36586]}[ البلد : 16 ] فتقييده دل على أن المطلق بخلافه { والعاملين عليها } أي المؤتمنين في السعاية والولاية على جمعها { والمؤلفة قلوبهم } أي{[36587]} ليسلموا أو يسلم بسببهم غيرهم أو يثبتوا على إسلامهم ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : " بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء فقسمه بين أربعة وقال : أتألفهم ، فقال رجل : ما عدلت ! فقال : يخرج من ضئضىء{[36588]} هذا قوم يمرقون من الدين . وفي رواية : فاستأذنه رجل{[36589]} في ضرب عنقه فقال : لا ، دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم - الحديث . ولئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد{[36590]} " ولا يقال : إن العلة مقتضية لقتلهم لا للكف عنهم فإن عمله بالمقام الخضري - كما تقدم - أنه ما من كرامة لنبي إلا وله صلى الله عليه وسلم مثلها أو أعلى{[36591]} منها بنفسه أو بأحد من أمته .
ولما فرغ من هذه{[36592]} الأصناف الأربعة الذين يعطون الصدقة في أيديهم يتصرفون فيها كيف شاؤوا ، كما دل عليه التعبير باللام ، ذكر الذين يعطون الصدقة لقضاء ما بهم كما دل عليه التعبير{[36593]} ب " في " فقال : { وفي الرقاب } أي والمكاتبين بسبب فك رقابهم من الرق { والغارمين } أي الذين استدانوا في غير معصية ، يصرف ما يعطونه إلى قضاء ديونهم فقط { وفي } أي والمجاهدين في { سبيل الله } أي الذي له الأمر كله بالنفقة والحمل والإعانة بالسلاح وغير ذلك ، ونقل القفال{[36594]} عن بعض الفقهاء أنه عمم السبيل فأجاز صرفه إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وعمارة المساجد ونحوها { وابن السبيل } وهو المسافر المنقطع عن بلده ، يعطى ما يوصله إليه ، ففيه إشارة{[36595]} إلى أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يفعل ما أدى إلى لمزهم له بسببه إلا بأمر حقاً ، فإنا قد عينّا له أهل الصدقات فهو لا يعدل عنهم لشيء من الأشياء لأنه واقف عند ما يرضينا ، فإن كانوا منهم أعطاهم وإلا منعهم رضي من رضي وسخط من سخط ، وقد فرض ذلك ، أو ثابتة{[36596]} للفقراء حال كونها { فريضة } كائنة { من الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لعلمه بأن في ذلك أعظم صلاح ، وهذا كالزجر عن مخالفة الظاهر { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { عليم } أي بالغ العلم بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب المؤمنين { حكيم* } أي فهو يجعل أفعاله من الإحكام بحيث لا يقدر غيره على نقضها ؛ قال أبو حيان : " إنما " إن{[36597]} كانت وضعت للحصر فالحصر مستفاد من لفظها ، وإن كانت{[36598]} لم توضع للحصر فالحصر مستفاد من الأوصاف إذ مناط الحكم بالوصف يقتضي التعليل به ، والتعليل بالشيء يقتضي الاقتصار عليه .
وحكمة الزكاة من جهة المالك أن المال محبوب لأنه يحصل المحبوب والتمادي في حبه يوجب{[36599]} الإعراض عن الله المعطي له ، فكان من الحكمة تذكير المالك له بالمالك الحقيقي في أنه أوجب عليه إخراج طائفة منه ليكف منه انصباب النفس بالكلية إليه ويطهر النفس عن محبتها له ويطهره عن محض الإنفاق في الشهوات ، ومن جهة الآخذ أنه لما اجتمعت حاجته إليه وحاجة - المالك - ولو احتمالاً- كان هناك سببان للتسلط على المال : أحدهما اكتساب المالك له ، والثاني احتياج الآخذ إليه ، فروعي السببان بقدر الإمكان ، ورجح المالك بإبقاء الكثير ، وصرف إلى الآخذ اليسير . وأجرى الشافعي الآية على ظاهرها فقال : إن أخرجها ذو المال سقط سهم العامل مع سهم المؤلفة وصرف إلى الستة الأصناف ، وإن قسم الإمام فعلى سبعة ، ويجب أن يعطى من كل صنف ثلاثة أنفس ، ومن لم يوجد من الأصناف رد نصيبه على الباقين{[36600]} ويستوي بين الأصناف لا بين آحاد الصنف . وقال{[36601]} أبو حنيفة : يجوز صرف الكل لواحد من الأصناف لأن الآية أوجبت أن لا تخرج الصدقة عنهم ، لا أن تكون في جميع الأصناف - وهو قول عمر بن الخطاب وحذيفة وابن عباس رضي الله عنهم وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية وميمون بن مهران{[36602]} .