ولا تفسِدوا في الأرض بإشاعة المعاصي والعدوان ، بعد أن أصلحها الله بما خلق فيها من المنافع وما هدى الناس إليه من الاستغلال .
والإفساد هنا شامل لإفساد العقول والعقائد والآداب الشخصية ، والاجتماعية من جميع وجوهها .
وبعد أن بيّن في الآية الأولى كيفيّةَ الدعاءِ أعاد الأمر به في الآية الثانية . وذلك إيذاناً بأنَّ من لا يعرف أنه محتاج إلى رحمة ربه ، ولا يدعو ربه تضرّعاً وخفية - يكون أقربَ إلى الإفساد منه إلى الإصلاح فقال :
{ وادعوه خَوْفاً وَطَمَعاً } . ادعوه سبحانه خائفين من عقابه ، طامعين في ثوابه . ثم إنه بيّن فائدة الدعاء وعلّل سبب طلبه فقال : { إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين } ، إن رحمته قريبة من كل محسِن ، وهي أكيدةٌ محققة . والجزاء من جنس العمل ، فمن أحسن في عبادته نال حُسن الثواب ، ومن أحسن في الدعاء نال خيراً مما طلب . وقريب ( فعيل ) يوصف بها المذكر والمؤنث .
{ وادعوه خوفا وطمعا } جمع الله الخوف والطمع ليكون العبد خائفا راجيا ، كما قال الله تعالى : { ويرجون رحمته ويخافون عذابه } [ الإسراء : 57 ] فإن موجب الخوف معرفة سطوة الله وشدة عقابه ، وموجب الرجاء معرفة رحمة الله وعظيم ثوابه ، قال تعالى : { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم } [ الحجر : 49 ، 50 ] وأن عذابي هو العذاب الأليم ومن عرف فضل الله رجاه ومن عرف عذابه خافه ، ولذلك جاء في الحديث : " ولو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا " إلا أنه يستحب أن يكون العبد طول عمره يغلب عليه الخوف ليقوده إلى فعل الطاعات وترك السيئات وأن يغلب عليه الرجاء عند حضور الموت لقوله : صلى الله عليه وسلم : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى واعلم أن الخوف على ثلاث درجات :
الأولى : أن يكون ضعيفا يخطر على القلب ولا يؤثر في الباطن ولا في الظاهر ، فوجود هذا كالعدم .
والثانية : أن يكون قويا فيوقظ العبد من الغفلة ويحمله على الاستقامة .
والثالثة : أن يشتد حتى يبلغ إلى القنوط واليأس وهذا لا يجوز ، وخير الأمور أوسطها ، والناس في الخوف على ثلاثة مقامات : فخوف العامة من الذنوب ، وخوف الخاصة من الخاتمة ، وخوف خاصة الخاصة من السابقة ، فإن الخاتمة مبنية عليها .
الأولى : رجاء رحمة الله مع التسبب فيها بفعل طاعة وترك معصية فهذا هو الرجاء المحمود ، والثانية : الرجاء مع التفريط والعصيان فهذا غرور .
والثالثة : أن يقوي الرجاء حتى يبلغ الأمن ، فهذا حرام ، والناس في الرجاء على ثلاث مقامات : فمقام العامة : رجاء ثواب الله : ومقام الخاصة : رجاء رضوان الله ، ومقام خاصة الخاصة : رجاء لقاء الله حبا فيه وشوقا إليه .
{ إن رحمة الله قريب من المحسنين } حذفت تاء التأنيث من قريب وهو خبر عن الرحمة على تأويل الرحمة بالرحم ، أو الترحم ، أو العفو أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي ، أو لأنه صفة موصوف محذوف وتقديره شيء قريب أو على تقدير النسب أي : ذات قرب ، وقيل : قريب هنا ليس خبر عن الرحمة وإنما هو ظرف لها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.