تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (23)

هذه تكملة للصورة . فلما أنجاهم اللهُ مما تعرّضوا له من الشدّة والهلاك ، نقضُوا عهدَهم ، وعادوا يبغون في الأرض ويفسدون بغير الحق .

وبعد أن حكى المثل في ذلك المشهد الرهيب خاطب البغاة في أي مكان كانوا وفي أي زمان وُجدوا فقال :

{ يا أيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ . . . }الآية .

أيها الناقضون للعهد ، إن عاقبةَ بغيكم وظلمكم سترجِع عليكم وحدَكم ،

أما ما تحصُلون عليه من ظلمكم هذا فهو مجرد متاع دنيوي زائل ، ينقضي بسرعة ، ثم تعودون إلى الله فيجزيكم بأعمالكم التي اقترفتموها .

والحق ، أن البغي ، وهو أشدّ أنواع الظلم ، يرجع على صاحبه ، لما يولّد من العداوة والبغضاء بين الأفراد ، ولما يوقد من نيران الفتن في الشعوب .

روى الإمام أحمد والبخاري عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثٌ هنّ رواجع على أهلها : المكر ، والنكث ، والبغي ) ثم تلا : { يَا أَيُّهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ } . { وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر : 43 ] { ومَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ } [ الفتح : 11 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (23)

" فلما أنجاهم " أي خلصهم وأنقذهم . . " إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق " أي يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي . والبغي : الفساد والشرك ، من بغى الجرح إذا فسد ، وأصله الطلب ، أي يطلبون الاستعلاء بالفساد . " بغير الحق " أي بالتكذيب ، ومنه بغت المرأة طلبت غير زوجها .

قوله تعالى : " يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم " أي وباله عائد عليكم ، وتم الكلام ، ثم ابتدأ فقال : " متاع{[8458]} الحياة الدنيا ثم إلي مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون " أي هو متاع الحياة الدنيا ، ولا بقاء له . قال النحاس : " بغيكم " رفع بالابتداء وخبره " متاع الحياة الدنيا " . و " على أنفسكم " مفعول معنى فعل البغي . ويجوز أن يكون خبره " على أنفسكم " وتضمر مبتدأ ، أي ذلك متاع الحياة الدنيا ، أو هو متاع الحياة الدنيا ؛ وبين المعنيين حرف{[8459]} لطيف ، إذا رفعت متاعا على أنه خبر " بغيكم " فالمعنى . إنما بغي بعضكم على بعض ، مثل : " فسلموا على أنفسكم " [ النور : 61 ] وكذا " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " [ التوبة : 128 ] . وإذا كان الخبر " على أنفسكم " فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم ؛ مثل " وإن أسأتم فلها " . وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال : أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا ، أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا ، كما يقال : البغي مصرعة . وقرأ ابن أبي إسحاق " متاع " بالنصب على أنه مصدر ؛ أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا . أو ينزع الخافض ، أي لمتاع ، أو مصدر ، بمعنى المفعول على الحال ، أي متمتعين . أو هو نصب على الظرف ، أي في متاع الحياة الدنيا ، ومتعلق الظرف والجار والحال معنى الفعل في البغي . و " على أنفسكم " مفعول ذلك المعنى .


[8458]:قراءة الجمهور الضم، والفتح قراءة حفص وبعض.
[8459]:حرف: كذا في الأصول أي ميل قليل أو تغيير قليل.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (23)

قوله : { فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق } { إذا } ، الفجائية . و { يبغون } من البغي وهو العدوان ومجاوزة الحد والسعي بالفساد{[1960]} ؛ أي لما استجاب الله دعاءهم فأنقذهم مما هم فيه من البلاء المحدق إذا هم يسعون في الأرض بالفساد ، فيعودون إلى الشرك وتقديس الأصنام وفعل المعاصي والسيئات { بغير الحق } مبالغة في إظهار فسقهم وعتوهم وعنادهم .

قوله : { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } { بغيكم } ، مبتدأ . و { على أنفسكم } خبره{[1961]} ؛ أي أن اعتداءكم وفسادكم في الأرض إنما وباله عائد عليكم وحائق بكم .

قوله : { متاع الحياة الدنيا } { متاع } ، منصوب من وجهين ، أحدهما : أن يكون منصوبا بفعل مقدر ، وتقديره : يبتغون متاع الحياة الدنيا .

وثانيهما : أن يكون منصوبا على المصدر بفعل مقدر . وتقديره : تمتعوا متاع الحياة الدنيا .

ويجوز فيه الرفع ، من وجهين كذلك ، أحدهما : أن يكون خبرا بعد خبر لقوله : { بغيكم } .

وثانيهما : أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، وتقديره : هو متاع الحياة الدنيا{[1962]} . وقيل غير ذلك .

قوله : { ثم إلينا مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون } ثم معادكم بعد هذا المتاع إلى الله ؛ إذ تصيرون إليه لتناقشوا الحساب والمساءلة عما أفضتم فيه من تفريط ونسيان . وحينئذ يخبركم الله بكل ما قدمتموه من المعاصي في دنياكم فيجازيكم عليها . وفي ذلك وعيد شديد وتهديد مفزع ينذر به الله الجاحدين المفرطين الذين يتبعون الشهوات في حياتهم الدنيا ، ويتيهون ساردين في الضلال والغفلة{[1963]} .


[1960]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 64.
[1961]:البيان لاين الأنباري جـ 1 ص 409.
[1962]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 409، 410.
[1963]:فتح القدير جـ 2 ص 234- 236 والبيضاوي ص 276 والنسفي جـ 2 ص 158 وتفسير الطبري جـ 11 ص 70- 72.