تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (32)

التمني : تشهِّي حصول الأمر المرغوب فيه .

من فضله : من إحسانه ونعمه المتكاثرة .

في هذه الآية الكريمة ينهى الله تعالى عن التحاسد وتمنّي ما فضّل الله به بعض الناس من المال والجاه ونحوه ، مما يجري فيه التنافس . وذلك ليطهُر المجتمع الإسلامي ظاهراً وباطناً .

إن الله كلفّ كلاً من الرجال والنساء أعمالاً ، وليس لأحد أن يتمنى ما هو مختص بالآخر ، فعلى المسلم الحقيقي أن يعتمد على مواهبه وقواه في كل مطالبه ، مع رجاء فضل الله فيما لا يصل إليه كسبه . واسألوا إحسانه وإنعامه فإن خزائنه مملوءة لا تنفد ، ولا تتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فُضل عليكم .

وقد روى الترمذي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله «سلوا الله من فضله ، فإن الله عز وجل يحبّ أن يُسأل ، وأفضلُ العبادة انتظارُ الفَرج » .

قراءات :

قرأ ابن كثير والكسائي «وسلوا » .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (32)

فيه أربع مسائل :

الأولى : روى الترمذي عن أم سلمة أنها قالت : يغزو الرجال ولا يغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث ، فأنزل الله تعالى : " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض " . قال مجاهد : وأنزل فيها " إن المسلمين والمسلمات " {[4329]} [ الأحزاب : 35 ] ، وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة . قال أبو عيسى : هذا حديث مرسل ، ورواه بضعهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، مرسل{[4330]} أن أم سلمة قالت كذا{[4331]} . وقال قتادة : كان الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان ، فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن لو جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال . وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث ؛ فنزلت ، " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض " .

الثانية : قوله تعالى : " ولا تتمنوا " التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل ، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي ؛ فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني ؛ لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل . وقد اختلف العلماء هل يدخل في هذا النهي الغبطة ، وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه وإن لم يتمن زوال حاله . والجمهور على إجازة ذلك : مالك وغيره ؛ وهي المراد عند بعضهم في قوله عليه السلام ( لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل أتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ) . فمعنى قوله : " لا حسد " أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين . وقد نبه البخاري على هذا المعنى ؛ حيث بوب على هذا الحديث ( باب الاغتباط في العلم والحكمة ) قال المهلب : بين الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنيه ، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها . قال ابن عطية : وأما التمني في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن ، وأما إذا تمنى المرء على الله من غير أن يقرن أمنيته بشيء مما قدمنا ذكره فذلك جائز ، وذلك موجود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قول : ( وددت أن أحيا ثم أقتل ) . قلت : هذا الحديث هو الذي صدر به البخاري كتاب التمني في صحيحه ، وهو يدل على تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها ، وفيه فضل الشهادة على سائر أعمال البر ؛ لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها ، وذلك لرفيع منزلتها وكرامة أهلها ، فرزقه الله إياها ؛ لقوله : ( ما زالت أكلة خيبر تعادني الآن أوان قطعت أبهري ){[4332]} . وفي الصحيح : ( إن الشهيد يقال له تمن فيقول أتمنى أن أرجع إلى الدنيا حتى أقتل في سبيلك مرة أخرى ) . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى إيمان أبي طالب وإيمان{[4333]} أبي لهب وصناديد قريش مع علمه بأنه لا يكون ؛ وكان يقول : ( واشوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ) . وهذا كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعية إلى الحسد والتباغض ، والتمني المنهي عنه في الآية من هذا القبيل ، فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر ، وسواء تمنيت مع ذلك أن يعود إليك أو لا . وهذا هو الحسد بعينه ، وهو الذي ذمه الله تعالى بقوله : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " {[4334]} [ النساء : ] ويدخل فيه أيضا خطبة الرجل على خطبة أخيه وبيعه على بيعه ؛ لأنه داعية الحمد والمقت . وقد كره بعض العلماء الغبطة وأنها داخلة في النهي ، والصحيح جوازها على ما بينا ، وبالله توفيقنا . وقال الضحاك : لا يحل لأحد أن يتمنى مال أحد ، ألم تسمع الذين قالوا : " يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون " {[4335]} [ القصص : ] إلى أن قال : " وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس " [ القصص : ] حين خسف به وبداره وبأمواله " لولا أن من الله علينا لخسف بنا " [ القصص : ] وقال الكلبي : لا يتمن الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته ؛ ولكن ليقل : اللهم ارزقني مثله . وهو كذلك في التوراة ، وكذلك قوله في القرآن " واسألوا الله من فضله " . وقال ابن عباس : نهى الله سبحانه أن يتمنى الرجل مال فلان وأهله ، وأمر عباده المؤمنين أن يسألوه من فضله . ومن الحجة للجمهور قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الدنيا لأربعة نفر : رجل أتاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل ، ورجل أتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء ) الحديث . . . وقد تقدم . خرجه الترمذي وصححه . وقال الحسن : لا يتمن أحدكم المال وما يدريه لعل هلاكه فيه ، وهذا إنما يصح إذا تمناه للدنيا ، وأما إذا تمناه للخير فقد جوزه الشرع ، فيتمناه العبد ليصل به إلى الرب ، ويفعل الله ما يشاء .

الثالثة : قوله تعالى : " للرجال نصيب مما اكتسبوا " يريد من الثواب والعقاب " وللنساء " كذلك ؛ قاله قتادة . فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال . وقال ابن عباس : المراد بذلك الميراث . والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، فنهى الله عز وجل عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد ؛ ولأن الله تعالى أعلم بمصالحهم منهم ، فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم .

الرابعة : قوله تعالى : " واسألوا الله من فضله " روى الترمذي عن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج ) وخرج أيضا ابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لم يسأل الله يغضب عليه ) . وهذا يدل على أن الأمر بالسؤال لله تعالى واجب ، وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه فقال :

الله يغضب إن تركت سؤاله *** وبُنِيُّ آدم حين يسأل يغضب

وقال أحمد بن المعذل أبو الفضل الفقيه المالكي فأحسن :

التمس الأرزاق عند الذي *** ما دونه إن سِيلَ من حاجب

من يبغض التارك تَسْأَلَهُ *** جودا ومن يرضى عن الطالب

ومن إذا قال جرى قوله *** بغير توقيع إلى كاتب

وقد أشبعنا القول في هذا المعنى في كتاب " قمع الحرص بالزهد والقناعة " . وقال سعيد بن جبير : " واسألوا الله من فضله " العبادة ، ليس من أمر الدنيا . وقيل : سلوه التوفيق للعمل بما يرضيه . وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سلوا ربكم حتى الشبع ، فإنه إن لم ييسره الله عز وجل لم يتيسر . وقال سفيان بن عيينة : لم يأمر بالسؤال إلا ليعطي . وقرأ الكسائي وابن كثير : " وسلوا الله من فضله " بغير همز في جميع القرآن . الباقون بالهمز . " واسألوا الله " . وأصله بالهمز إلا أنه حذفت الهمزة للتخفيف . والله أعلم .


[4329]:راجع ج 14 ص 185.
[4330]:كذا ورد بالرفع في جميع نسخ الأصل وصحيح الترمذي.
[4331]:في الترمذي: قالت كذا وكذا.
[4332]:الأكلة (بالضم) اللقمة. وتعادني: تراجعني ويعاودني ألم سمها في أوقات معلومة. والأبهر: عرق مستبطن في الصلب والقلب متصل به، فإذا انقطع لم تكن معه حياة. وحديث الشاة المسمومة وأكله صلى الله عليه وسلم منها مذكور في غزوة خيبر، فليراجع.
[4333]:من ج.
[4334]:راجع ص 250 من هذا الجزء.
[4335]:راجع ج 13 ص 316.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (32)

قوله تعالى : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ) .

التمني كما عرفه الرازي على أنه عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون . وقال القرطبي : التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي . والتمني المتعلق بأمور الدنيا ومصالحها وحطامها مذموم لما في ذلك من إشغال للقلب وإرهاق للأعصاب ، ولما في ذلك من دوام المراودة للنفس كيما تظل مشهودة ولاهية عن غايات سامية عليا يصبو إليها المؤمن . ولا جرم أن تكون اهتمامات المؤمن سامية رفيعة لتعلو على الدنايا والخسائس ولتسمو على الأغراض الهزيلة التي تتهافت حولها نفوس الضعفاء والمبتذلين . إن الآية الكريمة تنهى عن الانشغال في التمني لما فضل الله به بعض الناس على بعض في الرزق وعطايا الدنيا ، فإن لكل حظه مما اكتسبه سواء كان ذكرا أم أنثى . وقد قيل إن هذه الآية نزلت في أم سلمة – رضي الله عنها- قالت : يغزوا الرجال ولا يغزوا النساء وإنما لنا نصف الميراث . وقيل غير ذلك . والآية تفيد بعمومها التحذير من مفسدة التلهي بتمني الخير والمال أو مختلف المكاسب . وليس من دافع لمثل هذا الشعور غير الحسد البغيض . ومن شأن المسلم في مثل هذا الأمر أن يكد ويسعى في الأرض بجد ونشاط مع دعوته لله بأن يهب له الرزق الحسن . والله سبحانه لهو أعلم حيث يقسم الرزق ، إنما يقسمه بقدر وقسطاس مستقيم . على أننا نضيف إلى ذلك أن المحظور في الآية والمنهي عنه هو الذي يكون مصحوبا بالحسد والبغض مع ما يرافق ذلك من تمن لزوال النعمة لدى الآخرين . أما إن كان التمني مجردا عن لوثة الحسد مع تمني الخير ودوام النعمة عند الآخرين فليس في ذلك من بأس ، وذلك ما ذهب إليه أكثر أهل العلم . ومن ناحية أخرى فإن التمني المتعلق بأمور الدين والآخرة مما لا علاقة له بشهوات النفس وزخارف الدنيا- فإنه حسن ومفضل ، وليس أدل على ذلك من قول النبي ( ص ) : " وددت أن أحيا ثم أقتل " فقد تمنى عليه الصلاة والسلام الشهادة وقد أعطيها بالفعل وذلك لما أثرت فيه لعقة السم في الشاة المسمومة حيث قال : " ما زالت أكلة خيبر تعاودني الآن أوان قطعت أبهري " . ومثل ذلك كثير .

قوله : ( واسألوا الله من فضله ) أي لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض فإن التمني لا يجدي شيئا ، لكن اسألوا الله من فضله أي ادعوه واطلبوا منه الخير في غير ملل ولا كلل فإن الله جلت قدرته أكرم الكرماء وهو الرحيم الوهاب . وفي هذا روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ( ص ) قال : " سلوا لله من فضله فإن الله يحب أن يسأل ، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج " .

وقوله : ( إن الله كان بكل شيء عليما ) أي أن الله عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها ، ومن لا يستحق من الدنيا إلا القليل فيعطيه مثل ذلك القليل .

وبعبارة أخرى فإن الله عالم بما يكون صالحا للسائلين ، وعلى السائلين أن يجملوا في الطلب فإن كل شيء مقدور وعند الله مسطور{[738]} .


[738]:- تفسير الرازي جـ 10 ص 82 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 162 وأسباب النزول للنيسابوري ص 99.