تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا} (29)

اعتنى القرآن الكريم بالمال ، والمحافظة عليه ، والحث على تحصيله بطرق مشروعة ، في كثير من الآيات . وفي هذه السورة جاءت العناية بالأموال من أولها عندما طلبت العناية باليتامى وحفظ أموالهم ، ثم حذّرت من إعطاء السفهاء أموالهم . وهنا جاء النص واضحاً على العناية بالأموال والمحافظة عليها ، وذلك لأن الأموال عنصر لا بد منه في الحياة ، وهناك كثير من الأمور تتوقف عليها الحياة وسعادتها ، من علمٍ ، وصحة ، واتساع عمران ، لا سبيل للحصول عليها إلا بالمال .

ولا ريب أن الأموال هنا تشمل أموال الأفراد وأموال الأمة لأنه تعالى قال : { وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ } بمعنى أنه يحرم على الأفراد أن يأكل بعضهم مال بعض بالباطل . ومن ثم فإن أكل أموال الأمة أو وضعها في غير مصلحتها لهو أشد حرمة عند الله ، وأكبر جرماً في نظر الإنسانية . لذلك يجب أن نحافظ على أموال الأمة والدولة كما نحافظ على أموال الأفراد .

يا أيها الذين آمنوا لا يأخذ بعضكم مال بعض بغير حق ، وقال ( أموالكم ) فأضافها إلى جميع الأمة ، تنبيهاً إلى تكافل الأمة في الحقوق والمصالح كأن مال كل فرد هو مال الأمة جميعا . فإذا استباح أحدهم أن يأكل مال الآخر بالباطل : كالربا والقمار ، والرشوة والسرقة ، والغش والتسول ، وغير ذلك فقد أباح لغيره أن يأكل ماله .

لقد أباح لكم التجارة بينكم عن طريق التراضي ، والعملَ الحِرفي في نواح عديدة من الكسب الحلال . ثم لما كان المال شقيق الروح ، فقد نُهينا عن إتلافه بالباطل كَنهْيِنا عن قتل النفس . { وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ } . وهذه إشارة بليغة جداً تُبيّن أنه : لمّا كان من شأن أكل أموال الناس بالباطل أن يغرس الحقد في القلوب ، وكثيرا ما يؤدي ذلك إلى القتل والشر ، فقد قرنهما الشارع وجاء بهذا التعبير العظيم . ولا ريب في أن من سلب مال إنسان إنما سلبه عنصراً هاماً من عناصر الحياة وصيّره في حكم المقتول . { إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } بنهيكم عن أكل الأموال بالباطل ، وعن قتل أنفسكم فتهلكون .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا} (29)

فيه تسع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " بالباطل " أي بغير حق . ووجوه ذلك تكثر على ما بيناه ، وقد قدمنا معناه في البقرة{[4294]} . ومن أكل المال بالباطل{[4295]} بيع العربان ، وهو أن يأخذ منك السلعة أو يكتري منك الدابة ويعطيك درهما فما فوقه ، على أنه إن اشتراها أو ركب الدابة فهو من ثمن السلعة أو كراء الدابة ؛ وإن ترك ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطاك فهو لك . فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين ؛ لأنه من باب بيع القمار والغرر والمخاطرة ، وأكل المال بالباطل بغير عوض ولا هبة ، وذلك باطل بإجماع . وبيع العربان مفسوخ{[4296]} إذا وقع على هذا الوجه قبل القبض وبعده ، وترد السلعة إن كانت قائمة ، فإن فاتت رد قيمتها يوم قبضها . وقد روي عن قوم منهم ابن سيرين ومجاهد ونافع بن عبدالحارث وزيد بن أسلم أنهم أجازوا بيع العربان على ما وصفنا . وكان زيد بن أسلم يقول : أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر : هذا لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه يصح ، وإنما ذكره عبدالرزاق عن الأسلمي عن زيد بن أسلم مرسلا ، وهذا ومثله ليس حجة . ويحتمل أن يكون بيع العربان الجائز على ما تأوله مالك والفقهاء معه ؛ وذلك أن يعربنه ثم يحسب عربانه من الثمن إذا اختار تمام البيع . وهذا لا خلاف في جوازه عن مالك وغيره .

وفي موطأ مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع العربان ) . قال أبو عمر : قد تكلم الناس في الثقة عنده في هذا الموضع ، وأشبه ما قيل فيه : أنه أخذه عن ابن لهيعة أو عن ابن وهب عن ابن لهيعة ؛ لأن ابن لهيعة سمعه من عمرو بن شعيب ورواه عنه . حدث به عن ابن لهيعة ابن وهب وغيره ، وابن لهيعة أحد العلماء إلا أنه يقال : إنه احترقت كتبه فكان إذا حدث بعد ذلك من حفظه غلط . وما رواه عنه ابن المبارك وابن وهب فهو عند بعضهم صحيح . ومنهم من يضعف حديثه كله ، وكان عنده علم واسع وكان كثير الحديث ، إلا أن حاله عندهم كما وصفنا .

الثانية : قوله تعالى : " إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " هذا استثناء منقطع ، أي ولكن تجارة عن تراض . والتجارة هي البيع والشراء ؛ وهذا مثل قوله تعالى : " وأحل الله البيع وحرم الربا " [ البقرة : 275 ] على ما تقدم{[4297]} . وقرئ " تجارة " ، بالرفع أي إلا أن تقع تجارة ، وعليه أنشد سيبويه :

فِدىً لبني ذهل بن شيبان ناقتي *** إذا كان يوم ذو كواكب أشهب

وتسمى هذه كان التامة ؛ لأنها تمت بفاعلها ولم تحتج إلى مفعول . وقرئ " تجارة " بالنصب ، فتكون كان ناقصة ؛ لأنها لا تتم بالاسم دون الخبر ، فاسمها مضمر فيها ، وإن شئت قدرته ، أي إلا أن تكون الأموال أموال تجارة ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وقد تقدم هذا ؛ ومنه قوله تعالى : " وإن كان ذو عسرة " {[4298]} [ البقرة : 280 ] .

الثالثة : قوله تعالى : " تجارة " التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ، ومنه الأجر الذي يعطيه البارئ سبحانه العبد عوضا عن الأعمال الصالحة التي هي بعض من فعله ؛ قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم " {[4299]} [ الصف : 10 ] . وقال تعالى : " يرجون تجارة لن تبور " {[4300]} [ فاطر : 29 ] . وقال تعالى : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم " {[4301]} [ التوبة : 111 ] الآية . فسمى ذلك كله بيعا وشراء على وجه المجاز ، تشبيها بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها الأغراض ، وهي نوعان : تقلب في الحضر من غير نقلة ولا سفر ، وهذا تربص واحتكار قد رغب عنه أولو الأقدار ، وزهد فيه ذوو الأخطار .

والثاني تقلب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار ، فهذا أليق بأهل المروءة ، وأعم جدوى ومنفعة ، غير أنه أكثر خطرا وأعظم غررا . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن المسافر وماله لعلى قَلَتٍِ{[4302]} إلا ما وقى الله ) . يعني على خطر . وقيل : في التوراة يا ابن آدم ، أحدث سفرا أحدث لك رزقا . الطبري : وهذه الآية أدل دليل على فساد قول{[4303]} .

الرابعة : اعلم أن كل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض إلا أن قوله " بالباطل " أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير وغير ذلك . وخرج منها أيضا كل عقد جائز لا عوض فيه ، كالقرض والصدقة والهبة لا للثواب . وجازت عقود التبرعات بأدلة أخرى مذكورة في مواضعها . فهذان طرفان متفق عليهما . وخرج منها أيضا دعاء أخيك إياك إلى طعامه . روى أبو داود عن ابن عباس في قوله تعالى : " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " فكان الرجل يحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية ، فنسخ ذلك بالآية الأخرى التي في " النور " ، فقال : " ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم " [ النور : 61 ] إلى قوله " أشتاتا " {[4304]} ؛ فكان الرجل الغني يدعو الرجل من أهله إلى طعامه فيقول : إني لأجنح أن آكل منه - والتجنح الحرج ويقول : المسكين أحق به مني . فأحل في ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ، وأحل طعام أهل الكتاب .

الخامسة : لو اشتريت من السوق شيئا ، فقال لك صاحبه قبل الشراء : ذقه وأنت في حل ، فلا تأكل منه ؛ لأن إذنه بالأكل لأجل الشراء ، فربما لا يقع بينكما شراء{[4305]} فيكون ذلك شبهة ، ولكن لو وصف لك صفة فاشتريته فلم تجده على تلك الصفة فأنت بالخيار .

السادسة : والجمهور على جواز الغبن في التجارة ، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة فذلك جائز ، وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير ، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك ، كما تجوز الهبة لو وهب . واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك ، فقال قوم : عرف قدر ذلك أو لم يعرف فهو جائز إذا كان رشيدا حرا بالغا . وقالت فرقة : الغبن إذا تجاوز الثلث مردود ، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات ، وأما المتفاحش الفادح فلا . وقال ابن وهب من أصحاب مالك رحمه الله . والأول أصح ؛ لقوله عليه السلام في حديث الأمة الزانية . ( فليبعها ولو بضفير ) وقوله عليه السلام لعمر : ( لا تبتعه يعني القرس - ولو أعطاكه بدرهم واحد ) وقوله عليه السلام : ( دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) وقوله عليه السلام : ( لا يبغ حاضر لباد ){[4306]} وليس فيها تفصيل{[4307]} بين القليل والكثير من ثلث ولا غيره .

السابعة : قوله تعالى : " عن تراض منكم " أي عن رضى ، إلا أنها جاءت من المفاعلة إذ التجارة من اثنين . واختلف العلماء في التراضي ، فقالت طائفة : تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع ، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فيقول : قد اخترت ، وذلك بعد العقدة أيضا فينجزم أيضا وإن لم يتفرقا . قاله جماعة من الصحابة والتابعين ، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة وإسحاق وغيرهم . قال الأوزاعي : هما بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا بيوعا ثلاثة : بيع السلطان المغانم ، والشركة في الميراث ، والشركة في التجارة ، فإذا صافقه في هذه الثلاثة فقد وجب البيع وليسا فيه بالخيار . وقال : وحد التفرقة أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه ، وهو قول أهل الشام . وقال الليث : التفرق أن يقوم أحدهما . وكان أحمد بن حنبل يقول : هما بالخيار أبدا ما لم يتفرقا بأبدانهما ، وسواء قالا : اخترنا أو لم يقولاه حتى يفترقا بأبدانهما من مكانهما ، وقال الشافعي أيضا . وهو الصحيح في هذا الباب للأحاديث الواردة في ذلك . وهو مروي عن ابن عمر وأبي برزة وجماعة من العلماء . وقال مالك وأبو حنيفة : تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة فينجزم العقد بذلك ويرتفع الخيار . قال محمد بن الحسن : معنى قوله في الحديث ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) أن البائع إذا قال : قد بعتك ، فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت . وهو قول أبي حنيفة ، ونص مذهب مالك أيضا ، حكاه ابن خويز منداد . وقيل : ليس له أن يرجع . وقد مضى في " البقرة " {[4308]} . واحتج الأولون بما ثبت من حديث سمرة بن جندب وأبي برزة وابن عمر وعبدالله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وحكيم بن حزام وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر ) . رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر ؛ فقوله عليه السلام في هذه الرواية : ( أو يقول أحدهما لصاحبه اختر ) هو معنى الرواية الأخرى ( إلا بيع الخيار ) وقوله : ( إلا أن يكون بيعهما عن خيار ) ونحوه . أي يقول أحدهما بعد تمام البيع لصاحبه : اختر إنفاذ البيع أو فسخه ، فإن اختار إمضاء البيع تم البيع بينهم وإن لم يتفرقا . وكان ابن عمر وهو راوي الحديث إذا بايع أحدا وأحب أن ينفذ البيع مشى قليلا ثم رجع . وفي الأصول : إن من روى حديثا فهو أعلم بتأويله ، لا سيما الصحابة إذ هم أعلم بالمنال وأقعد بالحال . وروى أبو داود والدارقطني عن أبي الوضيء{[4309]} قال : كنا في سفر في عسكر فأتى رجل معه فرس فقال له رجل منا : أتبيع هذا الفرس بهذا الغلام ؟ قال : نعم ، فباعه ثم بات معنا ، فلما أصبح قام إلى فرسه ، فقال له صاحبنا : مالك والفرس ! أليس قد بعتنيها ؟ فقال : ما لي في هذا البيع من حاجة . فقال : مالك ذلك ، لقد بعتني . فقال لهما القوم : هذا أبو برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتياه ؛ فقال لهما : أترضيان بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالا : نعم . فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) وإني لا أراكما افترقتما . فهذان صحابيان قد علما مخرج الحديث وعملا بمقتضاه ، بل هذا كان عمل الصحابة . قال سالم : قال ابن عمر : كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم يفرق المتبايعان . قال : فتبايعت أنا وعثمان فبعته مالي بالوادي بمال له بخيبر ؛ قال : فلما بعته طفقت أنكص القهقرى ، خشية أن يرادني عثمان البيع قبل أن أفارقه . أخرجه الدارقطني ثم قال : إن أهل اللغة فرقوا بين فرقت مخففا وفرقت مثقلا ؛ فجعلوه بالتخفيف في الكلام وبالتثقيل في الأبدان . قال أحمد بن يحيى ثعلب : أخبرني ابن الأعرابي عن المفضل قال : يقال فرقت بين الكلامين مخففا فافترقا وفرقت بين اثنين مشددا فتفرقا ؛ فجعل الافتراق في القول ، والتفرق في الأبدان . احتجت المالكية بما تقدم بيانه في آية الدين ، وبقوله تعالى : " أوفوا بالعقود " {[4310]} [ المائدة : 1 ] وهذان قد تعاقدا . وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقود . قالوا : وقد يكون التفرق بالقول كعقد النكاح ووقوع الطلاق الذي قد سماه الله فراقا ؛ قال الله تعالى : " وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " {[4311]} [ النساء : 130 ] وقال تعالى : " ولا تكونوا كالذين تفرقوا{[4312]} " [ آل عمران : 105 ] وقال عليه السلام : ( تفترق أمتي ) ولم يقل بأبدانها . وقد روى الدارقطني وغيره عن عمرو بن شعيب قال : سمعت شعيبا يقول : سمعت عبدالله بن عمرو يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله ) . قالوا : فهذا يدل على أنه قد تم البيع بينهما قبل الافتراق ؛ لأن الإقالة لا تصح إلا فيما قد تم من البيوع . قالوا : ومعنى قوله ( المتبايعان بالخيار ) أي المتساومان بالخيار ما لم يعقدا فإذا عقدا بطل الخيار فيه . والجواب : أما ما اعتلوا به من الافتراق بالكلام فإنما المراد بذلك الأديان كما بيناه في " آل عمران " ، وإن كان صحيحا في بعض المواضع فهو في هذا الموضع غير صحيح . وبيانه أن يقال : خبرونا عن الكلام الذي وقع به الاجتماع وتم به البيع ، أهو الكلام الذي أريد به الافتراق أم غيره ؟ فإن قالوا : هو غيره فقد أحالوا وجاؤوا بما لا يعقل ؛ لأنه ليس ثم كلام غير ذلك . وإن قالوا : هو ذلك الكلام بعينه قيل لهم : كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به اجتمعا وتم به بيعهما ، به افترقا ، هذا عين المحال والفاسد من القول . وأما قوله : ( ولا يحل{[4313]} له أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله ) فمعناه - إن صح - على الندب ، بدليل قوله عليه السلام . ( من أقال مسلما أقاله الله عثرته ) وبإجماع المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على خلاف ظاهر الحديث ، ولإجماعهم أنه جائز له أن يفارقه لينفذ بيعه ولا يقيله إلا أن يشاء . وفيما أجمعوا عليه من ذلك رد لرواية من روى ( لا يحل ) فإن لم يكن وجه هذا الخبر الندب ، وإلا فهو باطل بالإجماع .

وأما تأويل " المتبايعان " بالمتساومين فعدول عن ظاهر اللفظ ، وإنما معناه المتبايعان بعد عقدهما مخيران ما داما في مجلسهما ، إلا بيعا يقول أحدهما لصاحبه فيه : اختر فيختار ؛ فإن الخيار ينقطع بينهما وإن لم يتفرقا ، فإن فرض خيار فالمعنى : إلا بيع الخيار فإنه يبقى الخيار بعد التفرد بالأبدان . وتتميم هذا الباب في كتب الخلاف . وفي قول عمرو بن شعيب " سمعت أبي يقول " دليل على صحة حديثه ، فإن الدارقطني قال حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا محمد بن علي الوراق قال : قلت لأحمد بن حنبل : شعيب سمع من أبيه شيئا ؟ قال : يقول حدثني أبي . قال : فقلت : فأبوه سمع من عبدالله بن عمرو ؟ قال : نعم ، أراه قد سمع منه . قال الدارقطني سمعت أبا بكر النيسابوري يقول : هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص ، وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب وسماع شعيب من جده عبدالله بن عمرو .

الثامنة : روى الدارقطني عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبي والصديقين والشهداء يوم القيامة ) . ويكره للتاجر أن يحلف لأجل ترويج السلعة وتزيينها ، أو يصلي على الني صلى الله عليه وسلم في عرض سلعته ؛ وهو أن يقول : صلى الله على محمد ! ما أجود هذا .

ويستحب للتاجر ألا تشغله تجارته عن أداء الفرائض ، فإذا جاء وقت الصلاة ينبغي أن يترك تجارته حتى يكون من أهل هذه الآية : " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " [ النور : 37 ] وسيأتي{[4314]} .

التاسعة : وفي هذه الآية مع الأحاديث التي ذكرناها ما يرد قول من ينكر طلب الأقوات بالتجارات والصناعات من المتصوفة الجهلة ؛ لأن الله تعالى حرم أكلها بالباطل وأحلها بالتجارة ، وهذا بين .

قوله تعالى : " ولا تقتلوا أنفسكم " فيه مسألة واحدة - قرأ الحسن " تُقَتِّلوا " على التكثير . وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضا . ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف . ويحتمل أن يقال : " ولا تقتلوا أنفسكم " في حال ضجر أو غضب ، فهذا كله يتناول النهي . وقد احتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل خوفا على نفسه منه ، فقرر النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه وضحك عنده ولم يقل شيئا . خرجه أبو داود وغيره ، وسيأتي .


[4294]:راجع ج 2 ص 338.
[4295]:من ب و ط و ج ود.
[4296]:كذا في ي وفي غيرها: منسوخ.
[4297]:راجع ج 3 ص 356 و ص 371.
[4298]:راجع ج 3 ص 356 و ص 371.
[4299]:راجع ج 18 ص 86.
[4300]:راجع ج 14 ص 345.
[4301]:راجع ج 8 ص 266.
[4302]:نسب صاحب اللسان هذه العبارة إلى أعرابي. راجع مادة (قلت). والقلت بالتحريك الهلاك.
[4303]:بياض بالأصول. وفي الطبري: "ففي هذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات والله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" اكتسابا أحل ذلك لها. راجع الطبري في تفسير الآية وسيأتي في ص 156
[4304]:راجع ج 12 ص 311.
[4305]:في ط و ج: بيع.
[4306]:الحاضر: المقيم في المدن والقرى، والبادي: المقيم بالبادية. والمنهي عنه أن يأتي البدوي البلدة ومعه قوت يبغي التسارع إلى بيعه رخيصا، فيقول له الحضري: اتركه عندي لأغالي في بيعه. فهذا الصنيع محرم لما فيه من الإضرار بالغير. والبيع إذا جرى مع المغالاة منعقد. وسئل ابن عباس عن معنى الحديث فقال: لا يكون له سمسارا (عن ابن الأثير).
[4307]:في ط و ي و ب: تفضيل.
[4308]:راجع ج 3 ص 357.
[4309]:أبو الوضيء (بفتح الواو وكسر المعجمة المخففة مهموز): عباد بن نسيب. (عن التهذيب).
[4310]:راجع ج 6 ص 31.
[4311]:راجع ص 408 من هذا الجزء.
[4312]:راجع ج 4 ص 166.
[4313]:كذا في كل الأصول.
[4314]:راجع ج 12 ص 264.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا} (29)

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) يحذّر الله سبحانه وتعالى المؤمنين من أن يأكلوا أموالهم فيما بينهم بالباطل . والباطل ضد الحق ومعناه الخسران والضياع والفساد{[733]} . والباطل من أكل الأموال يشمل كل وجوه الحرام عامة أنواع المكاسب غير المشروعة مثل الربا والقمار والرّشى والخمر والخنزير وأكل مال اليتيم وما كان عن طريق الغصب أو النهب أو السرقة أو غير ذلك فهو أكل للمال بالباطل .

قوله : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) استثناء منقطع أي ولكن تجارة عن تراض . فبعد أن حذّر من أكل الحرام استثنى التجارة المباحة ، فالمستثنى لم يكن من جنس المستثنى منه . والتجارة معناها المعاوضة إذ يكون ثمة سلعة مبيعة وفي مقابلها ثمن مدفوع وتلكم معاوضة لما يجري بين المادتين من مبادلة . وتقوم التجارة على التعاقد بين اثنين من خلال ركن أساسي للعقد وهو الإيجاب والقبول ويكون ذلك بالتراضي لا بالإكراه أو الغبن الفاحش أو الغش والخداع . وذلك قوله : ( عن تراض منكم ) أي عن رضى . فلا يخالط البيع ما ينافي الرضا من المتعاقدين كالغش والغبن الفاحش والعيب . ونحو ذلك ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس . وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ( ص ) قال : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وفي لفظ البخاري " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وذهب إلى القول بمقتضى هذا الخبر جمهور السلف والخلف . وكذا الشافعية والحنفية . ومقتضى هذا الخبر أن العقد لا يلزم إلا بعد افتراق المتعاقدين بالأبدان . لكن صورة الافتراق عند الحنفية والمالكية أن يكون ذلك بالكلام ، فإذا صدر القبول بعد الإيجاب في مجلس العقد لزم العقد{[734]} .

وقوله : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) قتل النفس يتناول إيرادها موارد الهلكة مثلما يتناول إزهاق الأنفس بغير حق عن طريق الاقتتال من أجل رغائب دنيوية أو دوافع شيطانية ، ويتناول كذلك الانتحار وهو الاعتداء على النفس بعد غضب شديد غامر والانتحار من أعظم الكبائر التي يسقط فيها أولو النفوس الضعيفة والقلوب الخاوية التي تتهاوى أمام الشدائد والخطوب . والنبي ( ص ) ينذر المنتحرين بأشد العذاب وسوء المصير إذ يقول : " من قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة " وقال عليه الصلاة والسلام : " من قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة " وقال عليه الصلاة والسلام : " من قتل نفسه بحدية فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " {[735]} . كذلك ينهى الله عباده المؤمنين وهو يحذرهم من الاعتداء على النفس كيفما كان الاعتداء والله جلت قدرته إنما يرضى لعباده الهداية والسداد والتوفيق ، ولا يرضى لهم العنت والمكابدة والشقاء فهو سبحانه رحيم بالخلق رحمة لا تعرف الحدود أو القيود .


[733]:- مختار الصحاح ص 56.
[734]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 479 وفتح القدير جـ 1 ص 457 وبداية المجتهد جـ 2 ص 148.
[735]:- رواه الصحيحان عن أبي هريرة.