القَس : جمعه قُسوس ، والقسيس : جمعه قسيسون ، الذي يكون بين الشمّاس ، والكاهن .
الراهب : العابد المنقطع عن الناس في دير أو صومعة حرم نفسه فيها من التنعم بالزواج ولَذَّات الطعام .
نزلت هذه الآية في نجاشي الحبَشَة وأصحابه ، حين هاجر فريق من المسلمين إلى هناك . قالت أم سَلَمة وكانت من المهاجرات إلى الحبشة قبل أن يتزوجها الرسول الكريم : لما نزلنا بأرض الحبشة جاوَرَنا بها خيرٌ جارٍ ، النجاشي . . أمِنّا على ديننا وعبدْنا الله تعالى ، لا نؤذَى ولا نسمع شيئاً نكرهه .
وقد بقي المهاجرون فيها إلى أن هاجر الرسول الكريم إلى المدينة ، ولم يقدِروا الوصول إليه ، فقد حالت بينهم وبينه الحرب .
فلما كانت وقعة بدر وقُتل فيها صناديد قريش ، قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة ، فابعثوا إلى سيّدها رجلين من ذوي الرأي فيكم مع هدايا له ولرجاله لعلّه يعطيكم مَن عنده فتقتلونهم بقتلى بدر . فبعث كفار قريش عمرو بن العاص ، وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا . فخرجا حتى قدما على النجاشي ، فأهَدوا إلى البطارقة مما معهما من الهدايا ، وطلبوا منهم أن يساعدوهما عند الملك بأن يسلّمهما أولئك المهاجرين . ثم قابلا النجاشي وقدّما له هداياهما فقبلها منهما . ثم كلماه فقالا له : أيها الملك ، قد جاء إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاؤوا بدينٍ ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت . وقد بعثنا من آبائهم وأعمامهم أشرافُ قومه لتردهم إليهم . فقالت بطارقته حوله : صدَقا أيها الملك ، فأسلمْهُم إليهما . فغضب النجاشي ثم قال : لا واللهِ لا أُسلمهم حتى أدعوَهم ، فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم . ثم أرسَل إليهم . فلما جاؤوا ، قال لهم النجاشي وأساقفته : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ، ولا في دين أحد ؟
فقام جعفر بن أبي طالب ، فقال : أيها الملك ، كنا قوماً أهلَ جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القويُّ منا الضعيف . وظللنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا ، نعرف نسبه وصدقه وعفافه ، فدعانا إلى الله ، أن نوحّده ونعبده ، ونخلع ما كنّا نعبد قبله من الحجارة والأوثان . ولقد أمرَنا بصِدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء . كما نهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكلِ مال اليتيم ، وقذف المحصنات . أمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . فصدّقناه وآمّنا به ، واتّبعناه على ما جاء به من الله . . .
فعدا علينا قومُنا فعذّبونا ، وفتنونا عن ديننا لنرتدّ إلى عبادة الأوثان . . . فلمّا قهرونا وضيقوا علينا ، خرجنا إلى بلادك ، ورغبنا في جوارك .
فقال النجاشي : هل معك مما جاء به من الله من شيء ؟ قال جعفر : نعم أول سورة مريم . قالت أم سلمة : فبكى والله النجاشي ، حتى اخضلّت لحيته . وبكت أساقفته حين سمعوا ما تلا جعفر . ثم قال النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة . انطلِقا ، فوالله لا أسلّمهم إليكما . الخ القصة .
فهذه القصة من أسباب نزول هذه الآيات . فبعد أن حاجّ اللهُ تعالى أهل الكتاب ، وذكر مخالفتهم لكتبهم وأنبيائهم ، وأنهم اتخذوا الإسلام هزواً ولعبا ، وبلغت الجرأة باليهود أن يتطاولوا على الله بقولهم { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } ، وأن النصارى اعتقدوا بأن المسيح ابن الله ، ذكر هنا أحوالهم في عداوتهم للمؤمنين ، أو محبتهم لهم . ومقدار تلك العداوة أو المحبة :
{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ }
قسَمَاً أيها الرسول ، لسوف تجد أشد الناس عداوة لك وللمؤمنين معك ، اليهودَ والمشركين من عبدة الأصنام . وقد وقع ذلك . فإن أشد إيذاء واجهه النبي عليه السلام إنما كان من اليهود في المدينة وما حولها ، ومن مشركي العرب ، ولا سيما قريش .
ويشترك اليهود والمشركون في بعض الصفات والأخلاق ، كالتكبّر والغرور ، وحب المادّة ، والقسوة . والمعروف عن اليهود أنهم يعتبرون كل من عداهم لا حرمة له ولا قيمة ، فكل مَن كان غير يهودي مباح لهم دمه وماله وعرضه ، هذا مقرَّر في تلمودهم .
{ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الذين قالوا إِنَّا نصارى }
أما أقرب الناس محبة للذين آمنوا بك وصدّقوك فهم النصارى . رأى النبي من نصارى الحبشة أحسن المودة . ولما أرسل كتبه إلى الملوك ورؤساء الدول كان النصارى منهم أحسنَ ردا ، واستقبالاً للرسل . والواقع أن مودة النصارى للمسلمين في عصر النبي الكريم كانت ظاهرة ملموسة .
{ ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً . . . }
وسببُ تلك المودّة أن فيهم قسيسين يعلّمون دينهم ، ورهبانا يخشون ربهم . هذا كما أنهم لا يستكبرون عن سماع الحق واتّباعه .
قوله تعالى : " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود " اللام لام القسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه فرقا بين الحال والمستقبل . " عداوة " نصب على البيان وكذا " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى " وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى - حسب ما هو مشهور في سيرة ابن إسحاق وغيره - خوفا من المشركين وفتنتهم ، وكانوا ذوي عدد . ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه ، حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب . فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار ، قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة ، فاهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر ، فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة بهدايا ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري ، وكتب معه إلى النجاشي ، فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين ، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم . ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة ( مريم ) فقاموا تفيض أعينهم من الدمع ، فهم الذين أنزل الله فيهم " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى " وقرأ " إلى الشاهدين " رواه أبو داود . قال : حدثنا محمد بن سلمة المرادي قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحرث بن هشام ، وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير ، أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة ، وساق الحديث بطوله . وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة أو قريب من ذلك ، من النصارى حين ظهر خبره من الحبشة ، فوجدوه في المسجد{[5828]} فكلموه وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ، فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا ، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل ، وتلا عليهم القرآن ، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره ، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا : خيبكم الله من ركب ! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل ، فلم تظهر{[5829]} مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه ، بما قال لكم ، ما نعلم ركبا أحمق منكم - أو كما قال لهم - فقالوا : سلام عليكم لا نجاهلكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، لا نألوا أنفسنا خيرا . فيقال : إن النفر النصارى من أهل . نجران ، ويقال : إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات " الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون{[5830]} " [ القصص : 52 ] إلى قوله : " لا نبتغي الجاهلين " [ القصص : 55 ] وقيل : إن جعفرا وأصحابه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف ، فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم{[5831]} بحيراء{[5832]} الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن{[5833]} ، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة " يس " إلى آخرها ، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا ، وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى " يعني وفد النجاشي وكانوا أصحاب الصوامع . وقال سعيد بن جبير : وأنزل الله فيهم أيضا " الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون " [ القصص : 52 ] إلى قوله : " أولئك يؤتون أجرهم مرتين " [ القصص : 54 ] إلى آخر الآية . وقال مقاتل والكلبي : كانوا أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب ، واثنان وثلاثون من الحبشة ، وثمانية وستون من أهل الشام . وقال قتادة : نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم .
قوله تعالى : " ذلك بأن منهم قسيسين " واحد " القسيسين " قس وقسيس ، قاله قطرب . والقسيس العالم ؛ وأصله من قس إذا تتبع الشيء فطلبه ، قال الراجز{[5834]} :
وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها ، والقس النميمة . والقس أيضا رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم ، وجمعه قسوس ، وكذلك القسيس مثل الشر والشرير ، فالقسيسون هم الذين يتبعون العلماء والعباد . ويقال في جمع قسيس مكسرا : قساوسة{[5835]} أبدل من إحدى السينين واوا وقساوسة أيضا كمهالبة . والأصل قساسسة فأبدلوا إحدى السينات واوا لكثرتها . ولفظ القسيس إما أن يكون عربيا ، وإما أن يكون بلغة الروم ، ولكن خلطته العرب بكلامهم فصار من لغتهم ؛ إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب كما تقدم . وقال أبو بكر الأنباري : حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد ، قال : حدثت عن معاوية بن هشام عن نصير الطائي عن الصلت عن حامية بن رباب{[5836]} قال : قلت لسلمان " بأن منهم قسيسين ورهبانا " فقال : دع القسيسين في الصوامع والمحراب أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم " بأن منهم صديقين ورهبانا " . وقال عروة بن الزبير : ضيعت النصارى الإنجيل ، وأدخلوا فيه ما ليس منه ، وكانوا أربعة نفر الذين غيروه ، لوقاس ومرقوس ويحنس ومقبوس{[5837]} وبقي قسيس على الحق وعلى الاستقامة ، فمن كان على دينه وهديه فهو قسيس .
قوله تعالى : " ورهبانا " الرهبان جمع راهب كركبان وراكب . قال النابغة :
لو أنها عرضَتْ لأشمطَ راهبٍ *** عبدالإله صَرُورَةٍ{[5838]} متعبد
لرنا لرؤيتها وحسنِ حديثها *** ولخالَهُ رَشَدًا وإن لم يَرْشُدِ
والفعل منه رهب الله يرهبه أي خافه رهبا ورهبا ورهبة . والرهبانية والترهب التعبد في صومعة . قال أبو عبيد : وقد يكون ( رهبان ) للواحد والجمع ، قال الفراء : ويجمع ( رهبان ) إذا كان للمفرد رهابنة ورهابين كقربان وقرابين ؛ قال جرير في الجمع :
رهبانَ مدينَ لو رأوك تَنَزَّلُوا *** والعُصْمُ من شَعَفِ العقول الفَادِرُ
الفادر المسن من الوعول . ويقال : العظيم ، وكذلك الفدور والجمع فدر وفدور وموضعها المفدرة . قاله الجوهري . وقال آخر في التوحيد :
لو أبصرت رهبان دير في الجبل *** لانحدر الرهبان يسعى ويُصَلْ
من الصلاة . والرهابة على وزن السحابة عظم في الصدر مشرف على البطن مثل اللسان . وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم دون من أصر على كفره ولهذا قال : " وأنهم لا يستكبرون " أي عن الانقياد إلى الحق .
قوله تعالى : { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ( 82 ) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا ءامنا فاكتبنا مع الشاهدين ( 83 ) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ( 84 ) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين ( 85 ) والذين كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب الجحيم } .
نزلت هذه الآيات في وفد النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه ويروا صفاته فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه . وقيل : كانت عدة الوفد اثنا عشر ، سبعة قساوسة وخمسة رهابين . وقيل : خمسون . وقيل : بضع وستون . وقيل : سبعون رجلا . والله أعلم بعدتهم .
وقيل في سبب النزول إن جعفر بن أبي طالب وأصحابه قدموا من الحبشة ومعهم سبعون رجلا بعثهم النجاشي وفدا إلى رسول صلى الله عليه وسلم عليهم ثياب الصوف ، اثنان وستون من الحبشة ، وثمانية من أهل الشام فيهم بحيرا الراهب . فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة " يس " إلى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا ، وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى . فأنزل الله تعالى فيهم الآيات{[1033]} .
قوله : { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود } اللام للقسم . وعداواة تمييز منصوب . والمراد باليهود عمومهم ، سواء فيهم من كان في زمن النبوة من يهود المدينة وغيرهم من يهود الأرض في كل زمان ، استنادا إلى ظاهر الآية .
وقيل : المراد بهم يهود المدينة دون غيرهم . والراجح الأول وهو أن المراد سائر يهود : وهذه حقيقة تتكشف للناظر المتدبر في طبائع يهود وتاريخهم الحافل بالفظائع . وفي طليعة ذلك قتل الأنبياء ، لا جرم أن قتل الأنبياء أمر جلل وشنيع ومروع تهتز من هوله الأرض والسموات ، وتضطرب لسماعه المشاعر والضمائر . وغير هذه الفعلة الفظيعة قبائح شتى غاية في النكر تصم النفسية اليهودية بوصمة الشذوذ والميل عن سواء السبيل كالإفراط في حب المال والشهوات والتسلط ، والإيغال في الكيد للبشرية . والتخطيط لتدمير الأديان والقيم والأخلاق الحميدة ، والجنوح المغالي عن ربقة الحق والعدل والرحمة إلى حيث القسوة والظلم والكيد . فلا غرور بعد ذلك أن تكون يهود أشد عداوة للمؤمنين بما يكنوه للبشرية عامة ، والمسلمين خاصة ، من بالغ الكراهية والاضطغان . وبما يحيكونه لهم من أساليب ومخططات للإبادة والتخريب وتشويه الأفكار والعقائد والتصورات . وكذا القتل جهارا وغيلة . يشهد لذلك تمالؤهم على سيد الأولين والآخرين وإمام البشرية في الدنيا والآخرة ، المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وذلك في محاولات مكرورة لقتله . ومن جملة ذلك قصة الشاة المسمومة التي قدمت للنبي صلى الله عليه وسلم في خبير . فقد جاء في سيرة ابن هشام أن زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية ، وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها : الذراع . فأكثرت فيها من السم ، ثم سمت سائر الشاة ، ثم جاءت بها ، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها ، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأما بشر فأساغها . وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ثم قال : " إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم " ثم دعا بها فاعترفت . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه ، ودخلت أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده : " يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت فيه انقطاع أبهري{[1034]} من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخبير " فكان المسلمون يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة{[1035]} .
وما فتئت يهود تكيد للإسلام بالتمالؤ عليه وتأليب الأمم والشعوب من مختلف الملل على التصدي له . وذلك بمختلف الأساليب والسبل كتشويه الصورة عن هذا الدين وأهله ليستنكف عنه الناس ويزهد فيه المسلمون . وكذلك اصطناع النظريات العلمية الموهومة في التربية والنفس والسلوك بما يفضي إلى الإباحة الجنسية وتدمير الأفراد والأسر والمجتمعات والأخلاق تماما . وكان الرائد المظفر قي ذلك بطل التخريب والإفساد بغير منازع اليهودي سيجموند فرويد الذي نجح نجاحا فاضحا مذهلا فيما أودى بشطر البشرية إلى التفسخ والانهيار والسقوط ، فضلا عن أمراض نفسية وعضوية واجتماعية أخرى تنكل بالمجتمعات الشاردة عن منهج الله تنكيلا .
وكذلك الافتراء على المسلمين بأنهم متخلفون إرهابيون وأن الإسلام لا يصح فهو دين قد مضى زمانه وقد استنفذ أغراضه ! ! والله يشهد ، وأولو العلم يشهدون أن هذا بهتان عظيم وافتراء ظلوم . فالإسلام دين السماحة والمرونة والصلاح واليسر . بل إنه دين الإخاء الإنساني الشامل القائم على العدل المطلق والرحمة الحقيقية الكاملة . ولسوف تظل البشرية في مسيرتها الطويلة الضالة تلهث لهث الحائر والمضطرب والمكروب حتى تفيء إلى منهج الله وهو الإسلام .
وأخيرا تلكم المؤامرة الكبرى التي قصمت ظهر الإسلام بفعل الكيد الذي برعت فيه يهود ، إذ نجحت في القضاء على الخلافة الإسلامية العثمانية ، والاستعاضة عن دستورها الإسلام بالنظم الرأسمالية العلمانية المناهضة لدين الله .
وكذلك المشركون يكنون العداوة والكراهية للإسلام والمسلمين . المشركون الذين يعبدون الأوثان على تعدد صورها وأشكالها ومسمياتها ، سواء الذين يعبدون النار أو الشمس والقمر ، أو المدر والحجر أو الذين يقدسون البقر ، كل ذلك في غاية الحماقة والجهالة والعمه . ثم الملحدون الماديون الذين ينكرون الإلهية . أولئك جميعا كافرون ضالون ظالمون . لقد ظلموا أنفسهم وعقولهم ، إذ جعلوها حبيسة العناد والصلف والمكابرة فباتت مشلولة شائهة لا تعي ولا تتدبر إلا ما تمليه الغريزة العمياء والطبع الخسيس { أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } .
إن هذا الصنف من الناس بعيد عن الحق . فهو بذلك يستمرئ الخطيئة والظلم والباطل ويشمئز من الخير وأهله ، لما خالط فطرته من تلويث وإفساد ومرض . فهو بالضرورة يجد نفسه مسوقا في طريق الشيطان حيث الشر والعدوان . الطريق المخالف لطريق الإسلام .
قوله : { ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى } بينا أن هذه الآية نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه وليروا صفاته . فلما سمعوا القرآن بكوا وخشعوا ورقت له قلوبهم فأعلنوا إسلامهم . وعلى هذا فإن تأويل هذه الآية يبينها سبب النزول وهو إسلام قوم من النصارى قد صفت نفوسهم وطبائعهم من الفساد والتعصب . فما أن سمعوا القرآن ووجدوه مطابقا في معانيه ومقاصده لما في الإنجيل أيقنوا أنه حق ، وأنه منزل من عند الله فأسلموا . وقد قيل : نزلت الآية في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ، فلما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم .
وبذلك فإن المراد من النصارى الذين هم أقرب الناس مودة للمسلمين هم الذين نزلت الآية في حقهم ، وكل الذين على شاكلتهم من براءة الطبع وخلوص القلب من الكراهية والشرك . أولئك الذين زعموا أنهم نصارى ومن أتباع المسيح . فلقد كان فيهم إذ ذاك مودة الإسلام والمسلمين وما ذاك إلا لما كان في قلوبهم من رقة ولين ورأفة ، لأنهم كانوا على المسيحية الصادقة السمحة . المسيحية الخالصة المبرأة من التحريف والتزييف . ولا يعقل أن ينطبق ذلك على الخلائف من النصارى الذين جاءوا فيما بعد والذين ربوا على الديانة المحرفة والأناجيل الكظيظة بالتغيير والتبديل والتي غالت في إفراط مشين في إطراء المسيح حتى نصبت منه الإله المعبود . فضلا عن النكران الظالم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . بل إن النصارى كانوا وما فتئوا يعادون الإسلام والمسلمين ويرصدون لهم كل سبيل لتدميرهم وإضعافهم وتشتيت وحدتهم وصفهم ، وإبادتهم إن استطاعوا .
إن النصارى في العصور الوسطى كانوا وما فتئوا في زماننا هذا يناصبون المسلمين العداء فيبادرونهم التقتيل والتشريد والاستئصال . لقد ساموا المسلمين في مختلف البلدان الويلات وأذاقوهم أشد ألوان التنكيل والبطش ليدمروهم تدميرا . وخطب الأندلس المذهل أعظم شاهد من شواهد الويل والثبور والمرارة على ما حاق بالمسلمين على أيدي الصليبيين الحاقدين . إلى غير ذلك من صور الاستعمار البغيض المشؤوم الذي أذاق المسلمين كؤوس العذاب والهوان والقهر ما يتجاوز كل حسبان . هؤلاء هم نصارى الأناجيل المحرفة ، من شعوب الظلم والعدوان الصارخ على المسلمين والنصارى الذين تتبرأ منهم المسيحية السمحة ويتبرأ منهم النبي الطهور عليه السلام . خلافا للفئة الطيبة المحدودة من نصارى الحبشة الذين استجابوا لنداء الحق ، خير استجابة . وذلك لما سمعوا القرآن .
قوله : { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } أي كونهم أقرب مودة للذين آمنوا بسبب أن { منهم قسيسين ورهبانا } والقسيسون هم علماء النصارى ورؤساؤهم ، ومفرد القسيسين ، قس . والرهبان جمع راهب ، من الرهبنة والرهبانية ، والترهيب بمعنى التعبد في صومعة . وأصله من الرهبة وهي المخافة . وفي الحديث " لا رهبانية في الإسلام " وأصلها من الرهبة وهي الخوف . والمراد بها التخلي عن أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها واعتزال أهلها . قوله : { وأنهم لا يستكبرون } أي وبأنهم لا يستنكفون عن الانقياد للحق إذا استمعوا إليه ووعوه .