اختار موسى قومه : اختار موسى من قومه . اختار : انتقى واصطفى . الرجفة : الصاعقة .
الفتنة : الاختبار والامتحان والابتلاء .
ثم أمر الله موسى أن يأتيه في جماعة من قومه يعتذرون عمّن عبدوا العجل ، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا لم يشاركوا في عبادة العِجل ، وذهب بهم إلى الطور . وهنالك سألوا الله أن يكشف عنهم البلاء ، ويتوب على من عبد العجل من قومه . فأخذتهم في ذلك المكان رجفة شديدة غُشي عليهم بسببها ، وكان هذا جزاءً لهم لأنهم لم يفارقوا قومهم حين عبدوا العجل ، ولم ينهوهم عن المنكر فلما رأى موسى ذلك قال : يا ربِّ ، لو شئتَ إهلاكَهم أهلكتَهم من قبل خروجهم إلى الميقات ، وأهلكتني معهم ، ليرى ذلك بنو إسرائيل فلا يتهموني ، فلا تهلكنا يا رب بما فعل الجهّال منا ، فما محنة عبَدَة العجل إلا فتنة منك ، أضللتَ بها من شئتَ إضلاله ممن سلكوا سبيل الشر ، وهدَيت بها من شئت هدايته . . إنك أنت المتولِّي أمورنا والقائم علينا ، فتجاوز عن سيئاتنا ، وتفضل علينا بإحسانك ، وأنت أَكرم من يفعل ذلك .
قوله تعالى : " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا " مفعولان ، أحدهما حذفت منه من ، وأنشد سيبويه :
مِنَّا الذي اختِيرَ الرجالَ سَمَاحَةً *** وبِرًّا إذا هبَّ الرياح الزَّعَازِعُ{[7389]}
اختَرْتُكَ الناسَ إذ رَثَّتْ خلائقُهُم *** واخْتَلَّ{[7390]} من كان يُرْجَى عنده السُّولُ
يريد : اخترتك من الناس . وأصل اختار اختير ، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفا ، نحو قال وباع .
قوله تعالى : " فلما أخذتهم الرجفة " أي ماتوا . والرجفة في اللغة الزلزلة الشديدة . ويروى أنهم زلزلوا حتى ماتوا . " قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي " أي أمتهم . كما قال عز وجل : " إن امرؤ هلك{[7391]} " [ النساء : 176 ] . " وإياي " عطف . والمعنى : لو شئت أمتنا من قبل أن نخرج إلى الميقات بمحضر بني إسرائيل حتى لا يتهموني . أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد عن علي رضي الله عنه قال : انطلق موسى وهارون صلى الله عليهما وانطلق شبر وشبير - هما ابنا هارون - فانتهوا إلى جبل فيه سرير ، فقام عليه هارون فقبض روحه . فرجع موسى إلى قومه ، فقالوا : أنت قتلته ، حسدتنا{[7392]} على لينه وعلى خلقه ، أو كلمة نحوها ، الشك من سفيان ، فقال : كيف أقتله ومعي ابناه ! قال : فاختاروا من شئتم ، فاختاروا من كل سبط عشرة . قال : فذلك قوله : " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا " فانتهوا إليه ؛ فقالوا : من قتلك يا هارون ؟ قال : ما قتلني أحد ولكن الله توفاني . قالوا : يا موسى ، ما تعصى{[7393]} . فأخذتهم الرجفة ، فجعلوا يترددون{[7394]} يمينا وشمالا ، ويقول : " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك " قال : فدعا الله فأحياهم وجعلهم أنبياء كلهم . قيل : أخذتهم الرجفة لقولهم : أرنا الله جهرة كما قال الله تعالى : " وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة " [ البقرة{[7395]} : 55 ] . وقال ابن عباس : إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا من عبد العجل ، ولم يرضوا عبادته . وقيل : هؤلاء السبعون غير من قالوا أرنا الله جهرة . وقال وهب : ما ماتوا ، ولكن أخذتهم الرجفة من الهيبة حتى كادت أن تبين مفاصلهم ، وخاف موسى عليهم الموت . وقد تقدم في " البقرة " عن وهب أنهم ماتوا يوما وليلة . وقيل غير هذا في معنى سبب أخذهم بالرجفة . والله أعلم بصحة ذلك . ومقصود الاستفهام في قوله : " أتهلكنا " الجحد ، أي لست تفعل ذلك . وهو كثير في كلام العرب . وإذا كان نفيا كان بمعنى الإيجاب ، كما قال :
ألستم خيرَ من ركبَ المَطَايَا *** وأندَى العالمينَ بطونَ راحِ{[7396]}
وقيل : معناه الدعاء والطلب ، أي لا تهلكنا ، وأضاف إلى نفسه . والمراد القوم الذين ماتوا من الرجفة . وقال المبرد : المراد بالاستفهام استفهام استعظام ، كأنه يقول : لا تهلكنا ، وقد علم موسى أن الله لا يهلك أحدا بذنب غيره ، ولكنه كقول عيسى : " إن تعذبهم فإنهم عبادك{[7397]} " [ المائدة : 118 ] . وقيل : المراد بالسفهاء السبعون . والمعنى : أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم " أرنا الله جهرة " . " إن هي إلا فتنتك " أي ما هذا إلا اختبارك وامتحانك . وأضاف الفتنة إلى الله عز وجل ولم يضفها إلى نفسه ، كما قال إبراهيم : " وإذا مرضت فهو يشفين{[7398]} " [ الشعراء : 80 ] فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى : وقال يوشع : " وما أنسانيه إلا الشيطان{[7399]} " [ الكهف :63 ] . وإنما استفاد ذلك موسى عليه السلام من قوله تعالى له : " فإنا قد فتنا قومك من بعدك{[7400]} " [ طه : 85 ] . فلما رجع إلى قومه ورأى العجل منصوبا للعبادة وله خوار قال " إن هي إلا فتنتك تضل بها " أي بالفتنة . " من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين " وهذا رد على القدرية .
قوله تعالى : { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتاهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء وأنت ولينا فاغفر لنا ورحمنا وأنت خير الغافرين 155 واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } .
{ قومه } ، و { سبعين } مفعولان لقوله : { واختار } لكن أحدهما حذف منه حرف الجر ( من ) والتقدير : واحتار موسى من قومه سبعين رجلا{[1534]} .
لقد اختار موسى سبعين رجلا من خيار بني إسرائيل ليذهب بهم إلى طور سيناء فيعتذروا لربهم عما فعله بنو إسرائيل من عبادتهم للعجل وكان ذلك عن توقيت سبق وقته الله لموسى ؛ إذ كان لا يأتيه إلا بإذن منه . ولما وصلوا إلى حيث المكان الموعود والميقات الموعود لكي يعتذروا قالوا لنبيهم موسى في اجتراء ممجوج { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } فأنت قد كلمته تكليما فأرنا إياه عيانا . لا جرم أن هذا القلب فيه من المجاوزة والإسراف والاجتراء والسفه ما فيه ! وهو اجتراء ظالم ليس خليقا بالمؤمنين الأتقياء ، فكيف إن كانوا من الصفوة المختارة من القوم ! ! من أجل مسألتهم هذه أخذتهم الرجفة وهي الزلزلة فصعقوا ميتين ، وقيل : أخذتهم الرجفة من أجل أنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل . وقيل : لأنهم لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمرهم بالمعروف . والقول الأول أظهر . وقد سبق بيان ذلك في سورة البقرة . وبعد صعقهم بالرجفة . قال موسى : { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } .
قال موسى ذلك على سبيل الأسى والتلهف والاستحسار ؛ أي لو أمتنا يا ربنا جميعا قبل خروجنا إلى المقيات كيلا يتهمني بنو إسرائيل . وقد دعا موسى ربه بهذا الدعاء اعترافا منه بالذنب قبل هذا الوقت وحزنا على تقصير قومه وانثنائهم عن القيام بما يكلفهم به الله ) .
قوله : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } والمراد بالاستفهام : الجحد ؛ أي أن الله جل وعلا لا يفعل ذلك . وهو كالنفي في معنى الإيجاب . وقيل : معناه : الدعاء والطلب ؛ أي لا تهلكنا يا ربنا . وقيل : المراد بالاستفهام استفهم استعظام ؛ أي كأنه يقول : لا تهلكنا ، وهو يعلم أن الله لا يهلك أحدا بذنب غيره . وأراد بالسفهاء عبدة العجل . وعلى هذا فالمعنى : أتعاقبنا يا ربنا بما فعله عبدة العجل ؛ إذ اتخذوه إليها لهم ، ونحن من ذلك براء ؟ ! أي أتؤاخذنا بخطيئة غيرنا ؟ !
قوله : { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء } الفتنة : الابتلاء والاختبار . والمعنى : أن ما فعله بنو إسرائيل من عبادة العجل ما هو إلا ابتلاء منك يا ربنا . فقد ابتلاهم بذلك ليتبين الذين يضلون عن دين الله فيعبدون غيره ، والذين يهتدون بمجانبة الإشراك فلا يعبدون غير الله الواحد الخالق . وقد أضاف موسى إضلال القوم وهدايتهم إلى الله ، كقوله تعالى : { وليبلوكم أيكم أحسن عملا } .
قوله : { أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } ذلك استرحام واستعطاف من موسى إذا يدعو ربه . والوالي معناه الناصر أي يا ربنا أنت ناصرنا فاستر علينا ذنوبنا بعفوك عن سيئاتك وتجاوزك عن عقابنا ومن علينا برحمتك بنا { وأنت خير الغافرين } أي وأنت خير من يعفو ومن يصفح . وخير من يتجاوز عن الخطايا والآثام . وخير من يستر على الذنوب والمعاصي .