تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

إذا كنتم أيها المؤمنون ، قد انتصرتم عليهم وقتلتموهم ، فإنكم لم تفعلوا ذلك بقوتكم ، بل إن الله هو الذي نصركم عليهم بتأييده لكم وإلقاء الرعب في قلوبهم ، وما رميتَ أيها الرسول ، إذ كنت ترمي التراب والحصا في وجوههم ، ولكن الله تعالى هو الذي رمى فأفزعهم .

{ وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاء حَسَناً } والله قد فعل ما ذكر ليبلي المؤمنين بالشدة ، ليظهر إخلاصهم ، ويُنعم عليهم بالنصر والغنيمة ، وليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه .

{ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يسمع استغاثتكم ويعلم حالكم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

قوله تعالى : " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " أي يوم بدر . روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد منهم ما فعل : قتلت كذا ، فعلت كذا ؛ فجاء من ذلك تفاخر{[7634]} ونحو ذلك . فنزلت الآية إعلاما بأن الله تعالى هو المميت والمقدر لجميع الأشياء ، وأن العبد إنما يشارك بتكسبه وقصده . وهذه الآية ترد على من يقول بأن أفعال العباد خلق{[7635]} لهم . فقيل : المعنى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى أمكنكم منهم . وقيل : ولكن الله قتلهم بالملائكة الذين أمدكم بهم . " وما رميت إذ رميت " مثله . " ولكن الله رمى " . واختلف العلماء في هذا الرمي على أربعة أقوال :

الأول : إن هذا الرمي إنما كان في حصب{[7636]} رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ، رواه ابن وهب عن مالك . قال مالك : ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه ذلك . وكذلك روى عنه ابن القاسم أيضا .

الثاني : أن هذا كان يوم أحد حين رمى أبي بن خلف بالحربة في عنقه ؛ فكر أبي منهزما . فقال له المشركون : والله ما بك من بأس . فقال : والله لو بصق علي لقتلني . أليس قد قال : بل أنا أقتله . وكان أوعد أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل بمكة ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل أنا أقتلك " فمات عدو الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة ، بموضع يقال له " سرف{[7637]} " . قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب : لما كان يوم أحد أقبل أبي مقنعا في الحديد على فرسه يقول : لا نجوت إن نجا محمد ، فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريه قتله . قال موسى بن عقبة قال سعيد بن المسيب : فاعترض له رجال من المؤمنين ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا طريقه ، فاستقبله مصعب بن عمير يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتل مصعب بن عمير ، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة البيضة والدرع ، فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه ، ولم يخرج من طعنته دم . قال سعيد : فكسر ضلعا من أضلاعه ، فقال : ففي ذلك نزل " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " . وهذا ضعيف ؛ لأن الآية نزلت عقيب بدر . الثالث : أن المراد السهم الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خيبر ، فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه . وهذا أيضا فاسد ، وخيبر وفتحها أبعد من أحد بكثير . والصحيح في صورة قتل ابن أبي الحقيق غير هذا . الرابع : أنها كانت يوم بدر ، قاله ابن إسحاق . وهو أصح ؛ لأن السورة بدرية ، وذلك أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ( خذ قبضة من التراب ) فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما من المشركين ، من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ، وقاله ابن عباس ، وسيأتي . قال ثعلب : المعنى " وما رميت " الفزع والرعب في قلوبهم " إذ رميت " بالحصباء فانهزموا " ولكن الله رمى " أي أعانك وأظفرك . والعرب تقول : رمى الله لك ، أي أعانك وأظفرك وصنع لك . حكى هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز . وقال محمد بن يزيد : وما رميت بقوتك إذ رميت ، ولكنك بقوة الله رميت . " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا " البلاء ههنا النعمة . واللام تتعلق بمحذوف ؛ أي وليبلي المؤمنين فعل ذلك .


[7634]:في هـ : مفاخر.
[7635]:في ى: من خلق لهم.
[7636]:أي رمى في وجه العدو بالحصى.
[7637]:سرف: موضع قريب من التنعيم وبه تزوج رسول الله أم المؤمنين ميمونة الهلالية وبه توفيت ودفنت رضى الله عنها.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

قوله تعالى : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم 17 ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين } أي لم تهزموا قريشا هذه الهزيمة المشهودة ولم يقتلوا صناديدهم بحولكم وقوتكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم ، بل الله أظفركم عليهم ومكنكم منهم ، { وما النصر إلا من عند الله } فهو سبحانه يكتب النصر لمن يشاء من عباده . وقيل : إن الله قتلهم بالملائكة الذين أمد بهم المسلمين . أما قوله : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي } فقد اختلف العلماء في المراد بالرمي على عدة أقوال :

منها : أن هذا كان يوم أحد حين رمي أبي بن خلف بالحربة في عنقه فكر أبي منهزما ، فقال له المشركون : والله ما بك من بأس . فقال : والله لو بصق علي –يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- لقتلني ، أليس قد قال : بل أنا أقتله ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوعد أبي بن خلف في مكة بالقتل . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بل أنا أقتلك ) فمات عدو الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة بموضع يقال له ( سرف ) . وقد ذكر عن ابن شهاب أنهل ما كان يوم أحد أقبل أبي مقنعا في الحديد على فرسه يقول : لا نجوت إن نجا محمد ، فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله ، فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا طريقه فاستقبله مصعب ابن عمير يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم ، وفي ذلك نزل قوله : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } لكن الصواب نزل الآية عقيب بدر وليس في أحد .

ومنها : أن هذا كان يوم بدر ؛ فقد روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه يوم بدر فقال : ( يا رب إن تهلك هذه العصابة فلت تعبد في الأرض أبدا ) فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب فارم بها وجوههم ، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم ، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ، فولوا مدبرين . وذكر أنه لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته فرماهم بالقبضة من التراب وقال : ( شاهت الوجوه ) ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا ، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله . ولهذا قال : وما رميت إذ رميت ولاكن الله رمى } أي أن الله هو الذي أوصل ذلك إليهم فأذلهم وأخزاهم به وليس أنتم وما تملكونه من العدة والعتاد .

ومنها : أن ذلك كان في حصب ( حصى ) رماه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه المشركين يوم حنين ، ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه من ذلك .

ومنها : أن المراد هم السهم الذي رمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خبير فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه . وهذا أيضا بعيد والصحيح أن الآية كانت يوم بدر ؛ لأن السورة بدرية ، وذلك أن جبريل عليه السلام قال للرسول صلى الله عليه وسلم : ( خذ قبضة من التراب ) فاخذ من التراب فرمى بها وجوه المشركين . وهو ما بيناه في القول الثاني{[1639]} .

قوله : { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم } وليبلي من البلاء ، وهو هنا بمعنى النعمة . لا جرم أن النعمة من أشد ما يبتلي به الإنسان فيعلم أن سيشكر أن يكفر ؛ أي لينعم الله على المؤمنين ورسوله الكريم بالظفر فينصرهم عليهم نصرا ظاهرا عزيزا { إن الله سميع عليم } أي أن الله سميع لدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ إذ يناشد ربه ويدعوه في تضرع وتذلل أن يعلك عدوه وعدوهم . وهو سبحانه عليم بما فيه صلاحهم وبما تستقيم عليه أحوالهم ؛ فهو سبحانه محيط علمه بكل شيء .


[1639]:تفسير القرطبي جـ 7 ص 385 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 295 وأسباب النزول للنيسابوري ص 156 وتفسير النسفي جـ 2 ص 98.