تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (129)

فتذروها : فتتركوها .

المعلّقة : التي ليست مطلَّقة ولا ذات بعل .

مهما حرصتم على العدل والمساواة بين الزوجات ، حتى لا يقع ميل إلى إحداهن ، فلن تستطيعوا ذلك . وحتى لو قدرتم عليه لما قدرتم على إرضائهن به . فالعدل الكامل ههنا في حكم المستحيل . إذ لا بد أن يميل الزوج بقلبه إلى واحدة أكثر من الأخرى . . من ثَم رفع الله عنكم ذلك ، وما كلّفكم إلا العدلَ فيما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم ، لأن الميل القلبي لا يملكه المرء .

وقد كان رسول الله يقسم بين نسائه فيعدل : ثم يقول : «اللهم هذا قَسْمي فيما أملك ، فلا تُلمْني فيما تملك ولا أملك » ، يعني القلب .

{ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل }

إذا كان العدل الكامل غير مستطاع فعليكم ألا تميلوا كل الميل إلى من تحبون منهن وتعرضوا عن الأخرى ، فتتركونها كأنها ليست زوجة ، ولا مطلّقة . وعليكم أن تصلحوا في معاملة النساء وتتقوا ظلمهن ولا تفضّلوا بعضهن على بعض فيما يدخل في اختياركم كالقسم والنفقة ، والله يغفر لكم ما لا يدخل في اختياركم كالحبّ وزيادة الإقبال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (129)

قوله تعالى : " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل " أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء ، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب . فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض ؛ ولهذا كان عليه السلام يقول : ( اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) . ثم نهى فقال : " فلا تميلوا كل الميل " قال مجاهد : لا تتعمدوا الإساءة بل الزموا التسوية في القسم والنفقة ؛ لأن هذا مما يستطاع . وسيأتي بيان هذا في " الأحزاب{[5008]} " مبسوطا إن شاء الله تعالى . وروى قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل ) .

قوله تعالى : " فتذروها كالمعلقة " أي لا هي مطلقة ولا ذات زوج ، قاله الحسن . وهذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء ؛ لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل ، وهذا مطرد في قولهم في المثل : " ارض من المركب بالتعليق " . وفي عرف النحويين فمن{[5009]} تعليق الفعل . ومنه في حديث أم زرع في قول المرأة : زوجي العشنق{[5010]} ، إن أنطق أطلق ، وإن أسكت أعلق . وقال قتادة : كالمسجونة ، وكذا قرأ أبي " فتذروها كالمسجونة " . وقرأ ابن مسعود " فتذروها كأنها معلقة " . وموضع " فتذروها " نصب ؛ لأنه جواب النهي . والكاف في " كالمعلقة " في موضع نصب أيضا .


[5008]:راجع ج 14ص 214.
[5009]:في ا و ز و ط: في تعليق.
[5010]:العشنق: الطويل الممتد القامة. أرادت أن له منظرا بلا مخبر.