تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

الخزي : الذل والهوان .

إلى حِين : إلى مدة من الزمن .

الرِجْس : العذاب .

بعد أن بيّن الكتاب أن الّذين حقّت عليهم كلمةُ ربك لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم ، جاء بهذه الآيات الثلاث لبيان سُنن الله تعالى في الأُمم مع رسلهم ، وفي خلق البشر مستعدّين للإيمان والكفر ، والخير والشر ؛ وفي مشيئة الله وحكمه بأفعاله وأفعال عباده ، وبيّن أن قوم يونُس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الإيمان .

{ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ } .

ولو أن أي قريةٍ من القرى تؤمن لنَفَعَها إيمانُها ، إلا قوم يونس . فقد بُعث إلى أهلِ نِينَوى بأرض الموصل ، فدعاهم إلى الإيمان بالله وحده وترك ما يعبدون من الأصنام . ولم يستجيبوا له ، فأخبرهم أن العذابَ آتيهم قريبا وتَرَكَهم ورحل عنهم . فلما أيقنوا بالهلاكِ آمنوا ، فوجدوا النفع لهم ، فكشفنا عنهم عذاب الخِزي وما يترتّب عليه ، ومتَعناهم في الحياة الدنيا حيناً من الزمن .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

{ 98 } { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ }

يقول تعالى : { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ْ } من قرى المكذبين { آمَنَتْ ْ } حين رأت العذاب { فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ْ } أي : لم يكن منهم أحد انتفع بإيمانه ، حين رأى العذاب ، كما قال تعالى عن فرعون ما تقدم قريبًا ، لما قال : { آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ْ } فقيل له { آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ْ }

وكما قال تعالى : { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ْ }

وقال تعالى : { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا ْ }

والحكمة في هذا ظاهرة ، فإن الإيمان الاضطراري ، ليس بإيمان حقيقة ، ولو صرف عنه العذاب والأمر الذي اضطره إلى الإيمان ، لرجع إلى الكفران .

وقوله : { إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا ْ } بعدما رأوا العذاب ، { كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ْ } فهم مستثنون من العموم السابق .

ولا بد لذلك من حكمة لعالم الغيب والشهادة ، لم تصل إلينا ، ولم تدركها أفهامنا .

قال الله تعالى : { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ْ } إلى قوله : { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ْ } ولعل الحكمة في ذلك ، أن غيرهم من المهلكين ، لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه .

وأما قوم يونس ، فإن الله علم أن إيمانهم سيستمر ، [ بل قد استمر فعلا وثبتوا عليه ] والله أعلم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

قوله تعالى : { فلولا كانت قرية آمنت فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين } لولا أداة تحضيض . { قوم يونس } ، منصوب من وجهين . أحدهما : استثناء منقطع . والثاني : أن يكون منصوبا على الاستثناء غر المنقطع بأن يقدر في الكلام حذف مضاف ، تقدير : فلولا كان أهل القرية آمنوا إلا قوم يونس . ورفعه بعضهم على البدل{[2034]} والمعنى : هلا كانت قرية من الأمم السابقة آمنت بكاملها ! بل إنه ما أرسلنا من رسول في السابقين إلا كذبه قومه أو أكثرهم . ويدل على ذلك قوله سبحانه { يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون } وقوله عز وعلا : { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } والمقصود : انه ليس ثمة قرية من الأمم السابقة آمن بكاملها إلا قوم يونس ؛ فقد نفعهم إيمانهم بعد نزول العقاب بهم . فاستثناهم الله من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد أن نزل العذاب بساحتهم . وهو قوله : { إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين } فقد أرسل الله إليهم يونس بن متي عليه السلام يدعوهم إلى التوحيد وطاعة الله وحده دون ما يعبدونه من أوثان فأبوا ، وذلك في نينوي من أرض الموصل ، فذهب عنهم مغاضبا ، فلما فقدوه خافوا أن يزول بهم العذاب ، فلبسوا المسوح وعجوا{[2035]} أربعين ليلة . وقيل : قال لهم يونس : إن أجلكم أربون ليلة . فقالوا : إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك . فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيما أسود هائلا ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسود سطوحهم ، فلبسوا المسوح ، وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ، وفرقوا بين النساء والصبيان ، وبين الدواب وأولادها ، فحن بعضها على بعض ، وعلت الأصوات والعجيج ، وأظهروا الإيمان والتوبة ، وتضرعوا فرحمهم الله وكشف عنهم عذاب الذل والهوان ، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة .

وبذلك لم يعاجلهم الله بالعقاب ؛ بل تركهم يتمتعون في حياتهم الدنيا إلى حين مماتهم وانقضاء أعمارهم{[2036]} .


[2034]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 420.
[2035]:عجوا. من العج وهو رفع الصوت. وقد عج يعج عجيجا. وعجعج؛ أي صوت مرة بعد أخرى. والعجاج بالفتح؛ الغبار. انظر مختار الصحاح ص 413.
[2036]:الكشف جـ 2 ص 254 وتفسير الطبري جـ 11 ص 117.