تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (5)

المحصنات : الحرائر العفيفات .

الأجور : المهور .

محصنِين : أعفّاء .

مسافحين : مجاهرين بالزنا .

أخدان : عشاق .

حبط عمله : بطل ثواب عمله .

اليوم ، بعد نزول هذه الآية ، أُحلت لكم الطّيبات وصار حكمها مستقراً ثابتاً . وأُحلّّ لكم طعامُ اليهود والنصارى وذبائحهم مما لم يرد نص بتحريمه ، كما أُحلّ طعامكم لهم . ومن النساء أَحلَّ الله لكم نكاح الحرائر العفيفات من المؤمنات ، ومن نساء أهل الكتاب ، إذا أدّيتم لهن مهورهن بقصد الزواج ، لا لإنشاء علاقات غير شرعية ، أو اتخاذ عشّاق . كل هذا حلال لكم . ومن ينكر شرائع الإسلام التي من جملتها ما بينّا هنا فقد بطَل ثواب عمله وخاب ، وهو في الآخرة من الهالكين .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (5)

{ 5 ْ } { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ْ }

كرر تعالى إحلال الطيبات لبيان الامتنان ، ودعوة للعباد إلى شكره والإكثار من ذكره ، حيث أباح لهم ما تدعوهم الحاجة إليه ، ويحصل لهم الانتفاع به من الطيبات .

{ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ْ } أي : ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم -يا معشر المسلمين- دون باقي الكفار ، فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين ، وذلك لأن أهل الكتاب ينتسبون إلى الأنبياء والكتب .

وقد اتفق الرسل كلهم على تحريم الذبح لغير الله ، لأنه شرك ، فاليهود والنصارى يتدينون بتحريم الذبح لغير الله ، فلذلك أبيحت ذبائحهم دون غيرهم .

والدليل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم ، أن الطعام الذي ليس من الذبائح كالحبوب والثمار ليس لأهل الكتاب فيه خصوصية ، بل يباح ذلك ولو كان من طعام غيرهم . وأيضا فإنه أضاف الطعام إليهم .

فدل ذلك ، على أنه كان طعاما ، بسبب ذبحهم . ولا يقال : إن ذلك للتمليك ، وأن المراد : الطعام الذي يملكون . لأن هذا ، لا يباح على وجه الغصب ، ولا من المسلمين .

{ وَطَعَامُكُمْ ْ } أيها المسلمون { حِلٌّ لَّهُمْ ْ } أي : يحل لكم أن تطعموهم إياه { وَ ْ } أحل لكم { الْمُحْصَنَاتِ ْ } أي : الحرائر العفيفات { مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ْ } والحرائر العفيفات { مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ْ } أي : من اليهود والنصارى .

وهذا مخصص لقوله تعالى { وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ْ } ومفهوم الآية ، أن الأرقاء من المؤمنات لا يباح نكاحهن للأحرار ، وهو كذلك .

وأما الكتابيات فعلى كل حال لا يبحن ، ولا يجوز نكاحهن للأحرار مطلقا ، لقوله تعالى : { مِن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ْ } وأما المسلمات إذا كن رقيقات فإنه لا يجوز للأحرار نكاحهن إلا بشرطين ، عدم الطول وخوف العنت .

وأما الفاجرات غير العفيفات عن الزنا فلا يباح نكاحهن ، سواء كن مسلمات أو كتابيات ، حتى يتبن لقوله تعالى : { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ْ } الآية .

وقوله : { إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ْ } أي : أبحنا لكم نكاحهن ، إذا أعطيتموهن مهورهن ، فمن عزم على أن لا يؤتيها مهرها فإنها لا تحل له .

وأمر بإيتائها إذا كانت رشيدة تصلح للإيتاء ، وإلا أعطاه الزوج لوليها .

وإضافة الأجور إليهن دليل على أن المرأة تملك جميع مهرها ، وليس لأحد منه شيء ، إلا ما سمحت به لزوجها أو وليها أو غيرهما . { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ْ } أي : حالة كونكم -أيها الأزواج- محصنين لنسائكم ، بسبب حفظكم لفروجكم عن غيرهن .

{ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ْ } أي : زانين مع كل أحد { وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ْ }

وهو : الزنا مع العشيقات ، لأن الزناة في الجاهلية ، منهم من يزني مع من كان ، فهذا المسافح . ومنهم من يزني مع خدنه ومحبه . فأخبر الله تعالى أن ذلك كله ينافي العفة ، وأن شرط التزوج أن يكون الرجل عفيفا عن الزنا .

وقوله تعالى : { وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ْ } أي : ومن كفر بالله تعالى ، وما يجب الإيمان به من كتبه ورسله أو شيء من الشرائع ، فقد حبط عمله ، بشرط أن يموت على كفره ، كما قال تعالى : { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ْ } { وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ْ } أي : الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة ، وحصلوا على الشقاوة الأبدية .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (5)

قوله تعالى : { اليوم أحل لكم الطيبت وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخذان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين } أعاد قوله : { اليوم } على سبيل التأكيد . والمراد باليوم الوقت الذي جاء في الإسلام ليحل للمؤمنين الطيبات وليحرم عليهم الخبائث . وقد بينا الطيبات في الفقرات السابقة .

وقوله : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } طعام مبتدأ ، وخبره ، حل لكم . والمراد بطعامهم ذبائحهم . وقيل : جميع مطامعهم . والأول الراجح وهو قول أكثر المفسرين ، لأن غير الذبائح لم يختلف في حله . والذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى ، فإن ذبائحهم تحل للمسلمين . أما المجوس فإنه يسن بهم سنة أهل الكتاب من حيث أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحه ونكاح نسائهم ، وذلك لإجماع أكثر المسلمين على ذلك ، ولما رواه البيهقي عن الحسن بن محمد بن علي قال : " كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام ، فمن أسلم قبل ، ومن أصر ضربت عليه الجزية غير ناكحي نسائهم " وهو مرسل .

واختلف العلماء في حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا ذكر عليها اسم غير الله تعالى ، مثل عزير ، والمسيح . فقد ذهب أكثر العلماء إلى أنها تحل استنادا إلى عموم الآية . فقد أحل الله ذبائح أهل الكتاب وهو يعلم ما يقولون . وقال ابن عمر : لا تحل . وقول سائر العلماء بالحل هو الصواب .

وقال الحسن البصري : إذا ذبح اليهودي أو النصراني فذكر اسم غير الله تعالى وأنت تسمع فلا تأكل . فإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله تعالى لك .

وقوله بعدم الحل عند السماع لا يصح لمخالفته عموم الآية وهي يدل ظهرها على حل ذبائح أهل الكتاب من غير تقييد .

وجدير بالذكر هنا جواز الأكل والشرب والطبخ في أوان الكفار كلهم سواء كانوا كتابيين أو مشركين على اختلاف شركهم ، إلا أن تكون أوانيهم من الذهب أو الفضة أو جلد الخنزير . فإن كانت من غير ذلك جاز استعمالها للأكل والشرب بعد أن تغسل أو تغلى ، وذلك لأن الكفار لا يعبأون بالنجاسات تصيب آنيتهم ، فإذا استعملوها وجب غسلها لتطهيرها . وإن كانت من الفخار وجب غلي الماء غليا لإزالة النجاسة السارية في أجزاء الفخار .

قوله : { وطعامكم حل لهم } أي مباح لكم إطعام أهل الكتاب من ذبائحكم مثلما أكلتم من ذبائحهم . وهو من باب المكافأة والمجازاة{[901]} .

قوله : { والمحصنات من المؤمنات } معطوف على الطيبات . أو مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره حل لكم والمراد بالمحصنات من المؤمنات العفائف . وقيل : الحرائر . وقيل : العفائف الحرائر ، أي أحل لكم نكاح العفائف الحرائر من النساء المؤمنات .

وقوله : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } فقد قيل : أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء . وقيل : المحصنات العفيفات عن الزنا . يؤكد ذلك قوله { محصنات غير مسافحات } .

على أن المراد بالكتابيات الذميات دون الحربيات ، وهو قول أكثر الفقهاء . وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى نكاح النصرانية ويقول : لا أعلم شركا أعظم من أن تقول إن ربها عيسى وقد قال الله : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } على أن قول ابن عمر مرجوح . والصحيح قول أكثر أهل جواز نكاح الكتابيات استنادا إلى ظاهر الآية . وقيل كذلك يدخل في الكتابيات الحربيات فضلا عن الذميات .

قوله : { إذا ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين } المقصود بالأجور هنا المهور . وقد قيد النكاح بإيتاء المهور للتأكيد على وجوبها – أي المهور ، وقوله : { محصنين } حال منصوب . أي أعفاء بالنكاح .

وقوله : { غير مسافحين } حال ثانية . وقيل : صفة لمحصنين . أي غير مجاهرين بالزنا . والسفاح معناه الزنا على سبيل الإعلان .

وقوله : { ولا متخذي أخذان } أخذان جمع خدن . والخدن بالكسر معناه في اللغة الصاحب . ويراد به ههنا ذو العشيقة ، واتخاذ الخدن هو الزنا في السر .

قوله : { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } أي يكفر بشرائع الإسلام ومن جملتها أحكام الحل والحرمة هنا ، أو يمتنع عن قبولها . فمن كان هذا شأنه فقد حبط عمله . أي زال ثواب إيمانه وعمله قبل كفره .

وقوله : { وهو في الآخرة من الخسرين } أي الهالكين الذين أفضى بهم كفرهم واستنكافهم عن شريعة الله إلى عذاب الله ونكاله{[902]} .


[901]:- روح المعاني ج 6 ص 65 ابن كثير ج 2 ص 20 وتفسير القرطبي ج 6 ص 78.
[902]:- روح المعاني ج 6 ص 66، 67 والكشاف ج 1ص 595-597 وتفسر الرازي ج 11 ص 148-152 والقاموس المحيط ص 1540.