قضى الأجل : أتم المدةَ المتفق عليها .
فلما أتم موسى المدة التي اتفق عليها مع عمه حنّ إلى وطنه ، فاستأذن بالرحيل وسار بزوجته وما معه من الغنم التي حصل عليها من صهره عائدا الى مصر . وكان الجو باردا ، وقد أظلم الليل ، فضلّ موسى الطريق . وبينما هو كذلك رأى ناراً من ناحية جبل الطور ، فقال لزوجته : امكثي ، اني رأيت ناراً ، لعلّي آتيك منها بخبر عن الطريق ، أو آتيك بشيء من النار تستدفئين بها .
{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ } يحتمل أنه قضى الأجل الواجب ، أو الزائد عليه ، كما هو الظن بموسى ووفائه ، اشتاق إلى الوصول إلى أهله ووالدته وعشيرته ، ووطنه ، وعلم من طول المدة ، أنهم قد تناسوا ما صدر منه . { سَارَ بِأَهْلِهِ } قاصدا مصر ، { آنَسَ } أي : أبصر { مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } وكان قد أصابهم البرد ، وتاهوا الطريق .
قوله تعالى :{ فلما قضى موسى الأجل } يعني أتمه وفرغ منه ، { وسار بأهله } قال مجاهد : لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك عند صهره عشراً أخر ، فأقام عنده عشرين سنة ، ثم استأذنه في العود إلى مصر ، فأذن له ، فخرج بأهله إلى جانب مصر ، { آنس } يعني : أبصر ، { من جانب الطور ناراً } وكان في البرية في ليلة مظلمة ، شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق ، { قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر } عن الطريق لأنه كان قد أخطأ الطريق { أو جذوة من النار } يعني : قطعة وشعلة من النار . وفيها ثلاث لغات ، قرأ عاصم : { جذوة } بفتح الجيم ، وقرأ حمزة بضمها ، وقرأ الآخرون بكسرها ، قال قتادة ومقاتل : هي العود الذي قد احترق بعضه ، وجمعها جذى ، { لعلكم تصطلون } تستدفئون .
ومضت السنوات العشر ، التى قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير فى مدين ، ووفى كل واحد منهما بما وعد به صاحبه ، وتزوج موسى بإحدى ابنتى الشيخ الكبير ، وقرر الرجوع بأهله إلى مصر ، فماذا حدث له فى طريق عودته ؟ يحكى لنا القرآن الكريم بأسلوبه البديع ما حدث لموسى - عليه السلام - بعد ذلك فيقول : { فَلَمَّا قضى . . . . } .
المراد بالأجل فى قوله - تعالى - : { فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل . . } المدة التى قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير ، بجهة مدين .
والمعنى : ومكث موسى عشر سنين فى مدين ، فلما قضاها وتزوج بإحدى ابنتى الشيخ الكبير ، استأذن منه { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } أى وسار بزوجته متجها إلى مصر ليرى أقاربه وذوى رحمه ، أو إلى مكان آخر قيل : هو بيت المقدس .
{ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً } ولفظ { آنَسَ } من الإيناس ، وهو إبصار الشىء ورؤيته بوضوح لا التباس معه ، حتى لكأنه يحسه بجانب رؤيته له .
أى : وخلال سيره بأهله إلى مصر ، رأى بوضوح و جلاء { مِن جَانِبِ الطور نَاراً } .
أى : رأى من الجهة التى تلى جبل الطور نارا عظيمة .
قال الآلوسى : " استظهر بعضهم أن المبصر كان ورا حقيقة ، إلا أنه عبر عنه بالنار ، اعتبارا لاعتقاد موسى - عليه السلام - ، وقال بعضهم : كان المبصر فى صور النار الحقيقية ، وأما حقيقته ، فوراء طور العقل ، إلا أن موسى - عليه السلام - ظنه النار المعروفة " .
وقوله - سبحانه - { قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً . . } حكاية لما قاله موسى - عليه السلام - لزوجته ومن معها عندما أبصر النار .
أى : عندما ابصر موسى النار بوضوح وجلاء { قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا } فى مكانكم { إني آنَسْتُ نَاراً } على مقربة منى وسأذهب إليها .
{ لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ } ينفعنا فى مسيرتنا ، { أَوْ } أقتطع لكم منها { جَذْوَةٍ مِّنَ النار لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } .
قال الجلم : قرأ حمزة : { أَوْ جُذْوَةٍ } بضم الجيم . وقرأ عامص بالفتح ، وقرأ الباقون بالكسر ، وهى لغات فى العود الذى فى رأسه نار ، هذا هو المشهور . وقيده بعضهم فقال : فى رأسه نار من غير لهب ، وقد ورد ما يقتضى اللهب فيه ، وقيلأ : الجذوة العود الغليظ سواء أكان فى رأسه نار أم لم يكن . وليس المراد هنا إلا ما فى رأسه نار .
وقوله : { تَصْطَلُونَ } من الاصطلاء بمعنى الاقتراب من النار للاستدفاء بها من البرد . والطاء فيه مبدلة من تاء الافتعال .
أى : قال موسى لأهله امكثوا فى مكانكم حتى أرجع إليكم ، فإنى أبصرت نارا سأذهب إليها ، لعلى آتيكم من جهتها بخبر يفيدنا فى رحلتنا ، أو أقتطع لكم منها قطعة من الجمر ، كى تستدفئوا بها من البرد .
قال ابن كثير ما ملخصه : وكان ذلك بعدما قضى موسى الأجل الذى كان بينه وبين صهره فى رعاية الغنم ، وسار بأهله . قيل : قاصدا بلاد مصر بعد أن طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين ، ومعه زوجته ، فأضل الطريق ، وكانت ليلة شاتية . ونزل منزلا بين شعاب وجبال ، فى برد وشتاء ، وسحاب وظلام وضباب وجعل يقدح بزند معه ليورى نارا - أى : ليخرج نارا - كما جرت العادة به ، فجعل لا يقدح شيئا ، ولا يخرج منه شرر ولا شىء ، فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا .
قوله تعالى : { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 ) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } المراد بالأجل : خير الأجلين اللذين ذكرهما شعيب لموسى عليهما الصلاة السلام ، ويدل على ذلك : ما أخرجه عن ابن عباس : أنه سئل أي الأجلين قضى موسى عليه السلام ؟
قال : قضى أكثرهما وأطيبهما ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل .
ولما أتم موسى ذلك الأجل سافر بزوجته نحو مصر . وسواء ذهب لزيارة الأهل وأولي القربى أو غير ذلك من الحاجات والمقاصد ؛ فإن موسى قد سيق على مصر بمشيئته وتقديره لتنجيز ما كان مسطورا في علم الله من المعجزات والأحداث الهائلة . وفي طريقه { آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا } أي أبصر نارا من الجهة التي تلي الطور ، وعندئذ { قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا } أي أقيموا مكانكم { إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ } أي أجد عند النار من يخبرني عن السبيل ؛ لأنه ضل الطريق . وقيل : كان معه زوجه وولدان ، وقيل : ولد واحد { أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ } الجذوة ، العود الغليظ ، سواء كان في رأسه نار أو لم يكن ، وقيل : للجذوة عود من حطب فيه النار { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } أي تستدفئون ؛ وذلك لما أصابهم من برد الطريق .