تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا} (29)

اعتنى القرآن الكريم بالمال ، والمحافظة عليه ، والحث على تحصيله بطرق مشروعة ، في كثير من الآيات . وفي هذه السورة جاءت العناية بالأموال من أولها عندما طلبت العناية باليتامى وحفظ أموالهم ، ثم حذّرت من إعطاء السفهاء أموالهم . وهنا جاء النص واضحاً على العناية بالأموال والمحافظة عليها ، وذلك لأن الأموال عنصر لا بد منه في الحياة ، وهناك كثير من الأمور تتوقف عليها الحياة وسعادتها ، من علمٍ ، وصحة ، واتساع عمران ، لا سبيل للحصول عليها إلا بالمال .

ولا ريب أن الأموال هنا تشمل أموال الأفراد وأموال الأمة لأنه تعالى قال : { وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ } بمعنى أنه يحرم على الأفراد أن يأكل بعضهم مال بعض بالباطل . ومن ثم فإن أكل أموال الأمة أو وضعها في غير مصلحتها لهو أشد حرمة عند الله ، وأكبر جرماً في نظر الإنسانية . لذلك يجب أن نحافظ على أموال الأمة والدولة كما نحافظ على أموال الأفراد .

يا أيها الذين آمنوا لا يأخذ بعضكم مال بعض بغير حق ، وقال ( أموالكم ) فأضافها إلى جميع الأمة ، تنبيهاً إلى تكافل الأمة في الحقوق والمصالح كأن مال كل فرد هو مال الأمة جميعا . فإذا استباح أحدهم أن يأكل مال الآخر بالباطل : كالربا والقمار ، والرشوة والسرقة ، والغش والتسول ، وغير ذلك فقد أباح لغيره أن يأكل ماله .

لقد أباح لكم التجارة بينكم عن طريق التراضي ، والعملَ الحِرفي في نواح عديدة من الكسب الحلال . ثم لما كان المال شقيق الروح ، فقد نُهينا عن إتلافه بالباطل كَنهْيِنا عن قتل النفس . { وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ } . وهذه إشارة بليغة جداً تُبيّن أنه : لمّا كان من شأن أكل أموال الناس بالباطل أن يغرس الحقد في القلوب ، وكثيرا ما يؤدي ذلك إلى القتل والشر ، فقد قرنهما الشارع وجاء بهذا التعبير العظيم . ولا ريب في أن من سلب مال إنسان إنما سلبه عنصراً هاماً من عناصر الحياة وصيّره في حكم المقتول . { إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } بنهيكم عن أكل الأموال بالباطل ، وعن قتل أنفسكم فتهلكون .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا} (29)

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا }

ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل ، وهذا يشمل أكلها بالغصوب والسرقات ، وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة . بل لعله يدخل في ذلك أكل مال نفسك على وجه البطر والإسراف ، لأن هذا من الباطل وليس من الحق .

ثم إنه -لما حرم أكلها بالباطل- أباح لهم أكلها بالتجارات والمكاسب الخالية من الموانع ، المشتملة على الشروط من التراضي وغيره .

{ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } أي : لا يقتل بعضكم بعضًا ، ولا يقتل الإنسان نفسه . ويدخل في ذلك الإلقاءُ بالنفس إلى التهلكة ، وفعلُ الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } ومن رحمته أن صان نفوسكم وأموالكم ، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها ، ورتب على ذلك ما رتبه من الحدود .

وتأمل هذا الإيجاز والجمع في قوله : { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ } { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } كيف شمل أموال غيرك ومال نفسك وقتل نفسك وقتل غيرك بعبارة أخصر من قوله : " لا يأكل بعضكم مال بعض " و " لا يقتل بعضكم بعضًا " مع قصور هذه العبارة على مال الغير ونفس الغير فقط .

مع أن إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين فيه دلالة على أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ومصالحهم كالجسد الواحد ، حيث كان الإيمان يجمعهم على مصالحهم الدينية والدنيوية .

ولما نهى عن أكل الأموال بالباطل التي فيها غاية الضرر عليهم ، على الآكل ، ومن أخذ ماله ، أباح لهم ما فيه مصلحتهم من أنواع المكاسب والتجارات ، وأنواع الحرف والإجارات ، فقال : { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } أي : فإنها مباحة لكم .

وشرط التراضي -مع كونها تجارة- لدلالة أنه يشترط أن يكون العقد غير عقد ربا لأن الربا ليس من التجارة ، بل مخالف لمقصودها ، وأنه لا بد أن يرضى كل من المتعاقدين ويأتي به اختيارًا .

ومن تمام الرضا أن يكون المعقود عليه معلوما ، لأنه إذا لم يكن كذلك لا يتصور الرضا مقدورًا على تسليمه ، لأن غير المقدور عليه شبيه ببيع القمار ، فبيع الغرر بجميع أنواعه خال من الرضا فلا ينفذ عقده .

وفيها أنه تنعقد العقود بما دل عليها من قول أو فعل ، لأن الله شرط الرضا فبأي طريق حصل الرضا انعقد به العقد . ثم ختم الآية بقوله : { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } ومن رحمته أن عصم دماءكم وأموالكم وصانها ونهاكم عن انتهاكها .