تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ} (121)

وإذا كانت الأنعام حلالاً لكم بذبحها ، فلا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله تعالى عليه عند ذبحه . إن ذلك فسقٌ وخروج عن حكم الله ، وإن المفسدين من شياطين الإنس والجن ليُوَسْوِسون في عقول من استولوا عليهم ليجادلوكم بالباطل ، علّهم يُقنعونكم بأكل الذبائح التي يذكرون عليهم اسم آلهتهم ، أو ينحرونها للميسر . ومثل ذلك شأن الميتة ، فقد كان المشركون يجادلون المسلمين في تحريمها ، ويقولون إن الله ذبحها ، فكيف يأكل المسلمون مما ذبحوا بأيديهم ، ولا يأكلون مما ذبح الله ؟ إن هذا من السخف ، فإن قبلتموه وأطعتموهم كنتم مثلهم في الشرك بالله .

ونجد الأئمة رحمهم الله قد اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال :

فبعضهم يقول : إن كل ذبيحة لم يُذكر اسم الله عليها عمدا أو سهواً لا يحِلُّ أكلها مطلقا . وهذا القول مرويُّ عن ابنِ عُمَرَ ومولاه نافع ، ورواية عن مالك ، وعن أحمد بن حنبل ومذهب أبي ثور ، وداود الظاهري .

والقول الثاني : إن التسمية على الذبيحة ليست شرطاً بل هي مستحبة . . . فإن تركَها عمداً أو نسياناً لا يضر . وهذا مذهب الإمام الشافعي وجميع أصحابه . وروي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة ، وعطاء بن رباح ، وقالوا : إن النهي كان عن الذبائح التي تذبحها قريش لآلهتهم ، أما ترك التسمية فلا يضر .

والقول الثالث : إن تَرَكَ التسمية سهواً لا يضر ، وإن تركها عمداً لم تحل . وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأحمد بن حنبل ، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه ، وهو مروي عن سيدنا عليّ وابن عباس والحسن البصري وغيرهم .

قال ابن جرير في تفسيره : اختلف أهل العلم في هذه الآية ، هل نُسخ من حكمها شيء أم لا ؟ فقال بعضهم : إنها مُحكَمة ولم يُنسخ منها شيء ، وقال بعضهم : إنها نُسخت بقوله تعالى : { اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } .

ثم قال ابن جرير : والصواب ، إنه لا تعارُضَ بين حِل طعام أهل الكتاب وبين تحريم ما يُذكر اسم الله عليه . وهذا هو الصحيح .

وبعض العلماء يرى أن ما يُذبح عند استقبال مَلِك أو أمير حرامٌ ، ولا يجوز أكلُه وفي هذا تشديد وتزمُّت ، فإن مثل هذه الذبائح حلال ، وليست محرّمة ، لأن الناس لا يعبدون هؤلاء الذين ذبحوا لهم عند قدومهم . وليس هذا الاستبشار بقدومهم إلا كذبح العقيقةِ للمولود وغير ذلك . . .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ} (121)

{ 121 } { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }

ويدخل تحت هذا المنهي عنه ، ما ذكر عليه اسم غير الله كالذي يذبح للأصنام ، وآلهتهم ، فإن هذا مما أهل لغير الله به ، المحرم بالنص عليه خصوصا .

ويدخل في ذلك ، متروك التسمية ، مما ذبح لله ، كالضحايا ، والهدايا ، أو للحم والأكل ، إذا كان الذابح متعمدا ترك التسمية ، عند كثير من العلماء .

ويخرج من هذا العموم ، الناسي بالنصوص الأخر ، الدالة على رفع الحرج عنه ، ويدخل في هذه الآية ، ما مات بغير ذكاة من الميتات ، فإنها مما لم يذكر اسم الله عليه .

ونص الله عليها بخصوصها ، في قوله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } ولعلها سبب نزول الآية ، لقوله { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } بغير علم .

فإن المشركين -حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتةَ ، وتحليله للمذكاة ، وكانوا يستحلون أكل الميتة- قالوا -معاندة لله ورسوله ، ومجادلة بغير حجة ولا برهان- أتأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ؟ يعنون بذلك : الميتة .

وهذا رأي فاسد ، لا يستند على حجة ولا دليل بل يستند إلى آرائهم الفاسدة التي لو كان الحق تبعا لها لفسدت السماوات والأرض ، ومن فيهن .

فتبا لمن قدم هذه العقول على شرع الله وأحكامه ، الموافقة للمصالح العامة والمنافع الخاصة . ولا يستغرب هذا منهم ، فإن هذه الآراء وأشباهها ، صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين ، الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم ، ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير .

{ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في شركهم وتحليلهم الحرام ، وتحريمهم الحلال { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون الله ، ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين ، فلذلك كان طريقكم ، طريقهم .

ودلت هذه الآية الكريمة على أن ما يقع في القلوب من الإلهامات والكشوف ، التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم ، لا تدل –بمجردها على أنها حق ، ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله .

فإن شهدا لها بالقبول قبلت ، وإن ناقضتهما ردت ، وإن لم يعلم شيء من ذلك ، توقف فيها ولم تصدق ولم تكذب ، لأن الوحي والإلهام ، يكون الرحمن ويكون من الشيطان ، فلا بد من التمييز بينهما والفرقان ، وبعدم التفريق بين الأمرين ، حصل من الغلط والضلال ، ما لا يحصيه إلا الله .