تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (43)

نزعنا ما في صدروهم : أخرجنا من نفوسهم كل حقد .

الغل : الحقد من عداوة أو حسد .

أورثتموها : صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله .

لقد أخرجْنا ما كان من صدورهم من حقد ، فهم اليوم في الجنة ، إخوان متحابّون- وهذا بخلاف الكّفار الّذين يلعن بعضُهم بعضا- تجري من تحتهم الأنهار بمائها العذب ، ويعبّرون عن سرورهم بما نالوا من النعيم قائلين : الحمدُ لله الّذي هدانا فدلَّنا على طريق هذا النعيم ، ووفّقنا إلى سلوكه . ولولا أن هدانا الله ، بإرسال الرسل وتوفيقه لنا ، ما كان في استطاعتِنا أن نهتدي وحدنا . لقد جاءت رُسل ربّنا بالوحي الحق فآمنّا برسالاتهم .

وهنا يناديهم ربهم ويقول لهم : إن هذه الجنةَ هبةٌ من الله أُعطيتموها فضلاً مني دون عوض منكم ، كالميراث ، كل هذا جزاء إيمانكم وأعمالكم الصالحة في الدنيا .

قراءات :

قرأ ابن عامر : «ما كنا لنهتدي » بدون واو . والباقون : وما كنا لنهتدي .

روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخّدري وأبي هريرة رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ ، ينادي منادٍ ، إن لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقموا أبدا ، وإن لكم أن تَحيوا فلا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تَشُبّوا فلا تهرَموا أبدا ، وإن لكم أن تَنْعَموا فلا تيأسوا أبدا » .

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «سَدِّدوا وقاربوا وأبشِروا ، فإنه لا يُدخِل أحداً الجنةَ عملُه » قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال «ولا أنا ، إلا أن يتغمّدَني الله بمغفرٍة ورحمة » .

سدِّدوا وقاربوا : لا تغْلوا في دينكم ، ولا تتكلفوا من العمل ما لا طاقة لكم به .

وهذا الحديث تنبيهٌ من النبي الكريم لنا حتى لا نغترَّ بأنفُسِنا وبأعمالنا فنتّكلَ عليها كما يفعل كثير من المتدينين . فنراهم يشمخون بأنوفهم ، ويتعالون على غيرهم ، وهذا ليس من الإسلام .

ومعنى الحديث : إن هذا الجزاءَ الذيَ يحصَل عليه الطائعُ ليس بَدَلاً مماثلاً لطاعته ، وليس جزاء مساوياً كالشأن بين البدَلَين ، وإن كانت الطاعة هي التي أوجبتْه . لذا فإنه لن يدخلَ أحدُكم الجنةَ بعملٍ يساوي ما فيها من النعيم . ففضلُ الله عظيمٌ سابغ باعتبار جعلِه الجنةَ بَدَلاً من عمل محدود لا يقابلها في ذاته .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (43)

{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ْ } وهذا من كرمه وإحسانه على أهل الجنة ، أن الغل الذي كان موجودا في قلوبهم ، والتنافس الذي بينهم ، أن اللّه يقلعه ويزيله حتى يكونوا إخوانا متحابين ، وأخلاء متصافين .

قال تعالى : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ْ } ويخلق اللّه لهم من الكرامة ما به يحصل لكل واحد منهم الغبطة والسرور ، ويرى أنه لا فوق ما هو فيه من النعيم نعيم . فبهذا يأمنون من التحاسد والتباغض ، لأنه قد فقدت أسبابه .

وقوله : { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ْ } أي : يفجرونها تفجيرا ، حيث شاءوا ، وأين أرادوا ، إن شاءوا في خلال القصور ، أو في تلك الغرف العاليات ، أو في رياض الجنات ، من تحت تلك الحدائق الزاهرات .

أنهار تجري في غير أخدود ، وخيرات ليس لها حد محدود { و ْ } لهذا لما رأوا ما أنعم اللّه عليهم وأكرمهم به { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ْ } بأن من علينا وأوحى إلى قلوبنا ، فآمنت به ، وانقادت للأعمال الموصلة إلى هذه الدار ، وحفظ اللّه علينا إيماننا وأعمالنا ، حتى أوصلنا بها إلى هذه الدار ، فنعم الرب الكريم ، الذي ابتدأنا بالنعم ، وأسدى من النعم الظاهرة والباطنة ما لا يحصيه المحصون ، ولا يعده العادون ، { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ْ } أي : ليس في نفوسنا قابلية للهدى ، لولا أنه تعالى منَّ بهدايته واتباع رسله .

{ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ْ } أي : حين كانوا يتمتعون بالنعيم الذي أخبرت به الرسل ، وصار حق يقين لهم بعد أن كان علم يقين [ لهم ] ، قالوا لقد تحققنا ، ورأينا ما وعدتنا به الرسل ، وأن جميع ما جاءوا به حق اليقين ، لا مرية فيه ولا إشكال ، { وَنُودُوا ْ } تهنئة لهم ، وإكراما ، وتحية واحتراما ، { أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا ْ } أي : كنتم الوارثين لها ، وصارت إقطاعا لكم ، إذ كان إقطاع الكفار النار ، أورثتموها { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ْ }

قال بعض السلف : أهل الجنة نجوا من النار بعفو اللّه ، وأدخلوا الجنة برحمة اللّه ، واقتسموا المنازل وورثوها بالأعمال الصالحة وهي من رحمته ، بل من أعلى أنواع رحمته .