استقاموا : ثبتوا على الإيمان والعمل الصالح .
هذه الآية الكريمة والتي بعدها دستورٌ عظيم في الأخلاق ، وحسن المعاشرة ، وكيفية الدعوة إلى الله والتحلّي بالصبر والأناة ، ولو أننا اتبعناها حقا ، ولو أن وعّاظنا وأئمة مساجدنا تحلَّوا بها وساروا على هديها - لنفع الله بهم الناس ، وهدى الكثيرَ الكثير منهم على أيديهم ، ولاستقامت الأمور ، وارتقت أحوالنا ، هدانا الله إلى التحلّي بكل مكرمة .
إن الذين قالوا ربنا الله اعترافاً بربوبيته وإقراراً بوحدانيته ، ثم استقاموا في أعمالهم - أولئك تحفّهم الملائكة ، وتبشّرهم بالفلاح والفوز بالجنة التي وعدَهم بها الله ،
وكعادة القرآن فى المقارنة بين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار ، جاء الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين ، بعد الحديث عن سوء مصير الكافرين ، فقال - تعالى - :
{ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا . . . } .
والمعنى : إن الذين قالوا بكل صدق وإخلاص ربنا الله - تعالى - وحده ، لا شريك له لا فى ذاته ولا فى صفاته .
{ ثُمَّ استقاموا } أى : ثم ثبتوا على هذا القول ، وعملوا بما يقتضيه هذا القول من طاعة الله - تعالى - فى المنشط والمكره ، وفى العسر واليسر ، ومن اقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم فى كل أحواله .
قال صاحب الكشاف : و { ثم } لتراخى الاستقامة عن الإقرار فى المرتبة وفضلها عليه . لأن الاستقامة لها الشأن كله . ونحوه قوله - تعالى - : { إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ } والمعنى : ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته .
ولقد بين لنا النبى صلى الله عليه وسلم أن الاستقامة على أمر الله جماع الخيرات ، ففى صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفى قال : " قلت : يا رسول الله " قل لى فى الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك " قال : " قل آمنت بالله ثم استقم . . "
وقوله - تعالى - : { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } بيان للآثار الطيبة التى تترتب على هذا القول المؤيد بالثبات على طاعة الله - تعالى - :
وتنزل الملائكة عليهم بهذه البشارات يشمل ما يكون فى حياتهم عن طريق إلهامهم بما يشرح صدورهم ، ويطمئن نفوسهم ، كما يشمل تبشيرهم بما يسرهم عند موتهم وعند بعثهم .
قال الآلوسى : قوله - تعالى - : { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة } قال مجاهد : عند موتهم وعن زيد بن أسلم : عند الموت ، وعند القبر ، وعند البعث ، وقيل : معنى { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ } يمدونهم فيما يعن ويطرأ لهم من الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم ، ويدفع عنهم الخوف والحزن بطريق الإِلهام كما أن الكفرة يغريهم ما قيض لهم من قرناء السوء بتزيين القبائح .
والخوف : غم يلحق النفس لتوقع مكروه فى المستقبل .
والحزن : غم يلحقها لفوات نفع فى الماضى .
أى : إن الذين قالوا ربنا الله باعتقاد جازم ، ثم استقاموا على طاعته فى جميع الأحوال ، تتنزل عليهم من ربهم الملائكة ، لتقول لهم فى ساعة احتضارهم وعند مفارقتهم الدنيا ، وفى كل حال من أحوالهم : لا تخافوا - أيها المؤمنون الصادقون - مما أنتم قادمون عليه فى المستقبل ، ولا تحزنوا على ما فارقتموه من أموال أو أولاد .
{ وَأَبْشِرُواْ } عما قريب ، بالجنة التى كنت توعدون بها فى الدنيا .
قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 30 ) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ( 31 ) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } .
ذُكر عن ابن عباس قوله : نزلت هذه الآية الكريمة في أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وذلك أن المشركين قالوا ربنا الله ، والملائكة بناته ، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله فلم يستقيموا . وقال أبو بكر : ربنا الله وحده لا شريك له ومحمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله فاستقام . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي معنى { اسْتَقَامُوا } ففي صحيح مسلم عن سفيان ابن عبد الله الثقفي قال : قلت : يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ، قال : " قل : آمنت بالله ثم استقم " وروي عن أبي بكر الصديق ( رضي الله عنه ) أنه قال : { ثم استقاموا } لم يشركوا بالله شيئا . وقيل : استقاموا على أداء فرائضه وأخلصوا له الدين والعمل .
قوله : { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ } أي تتنزل عليهم عند الموت ، وقيل : إذا قاموا من قبورهم . وقيل : البشرى للمؤمنين في ثلاثة مواطن : عند الموت ، وفي القبر ، وعند البعث .
قوله : { أَلاَّ تَخَافُوا } تقول لهم الملائكة على سبيل البشرى لهم : لا تخافوا الموت . أو لا تخافوا ما أنتم قادمون عليه في الآخرة . أي لا تخافوا ما أمامكم { وَلاَ تَحْزَنُوا } على ما بعدكم ، أو على ما خلَّفتموه في دنياكم من الأهل والولد والمال ، فإنا نخلفكم فيه .
قوله : { وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } تبشرهم الملائكة بما وعدهم الله به في الآخرة من النعيم المقيم في الجنة جزاءً بما عملوا في الدنيا من أوْجُه الطاعة والاستقامة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.