فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ} (30)

ثم لما ذكر عقاب الكافرين ، وما أعدّه لهم ذكر حال المؤمنين ، وما أنعم عليهم به ، فقال : { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله } أي وحده لا شريك له { ثُمَّ استقاموا } على التوحيد ، ولم يلتفتوا إلى إله غير الله . قال جماعة من الصحابة ، والتابعين : معنى الاستقامة : إخلاص العمل لله . وقال قتادة وابن زيد : ثم استقاموا على طاعة الله . وقال الحسن : استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته ، واجتنبوا معصيته . وقال مجاهد وعكرمة : استقاموا على شهادة أن لا إله إلاّ الله حتى ماتوا . وقال الثوري : عملوا على وفاق ما قالوا . وقال الربيع : أعرضوا عما سوى الله . وقال الفضيل بن عياض : زهدوا في الفانية ، ورغبوا في الباقية { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة } من عند الله سبحانه بالبشرى التي يريدونها من جلب نفع ، أو دفع ضرر ، أو رفع حزن . قال ابن زيد ومجاهد : تتنزل عليهم عند الموت . وقال مقاتل وقتادة : إذا قاموا من قبورهم للبعث . وقال وكيع : البشرى في ثلاثة مواطن : عند الموت ، وفي القبر ، وعند البعث { ألا تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } أن هي المخففة أو المفسرة أو الناصبة ، و { لا } على الوجهين الأوّلين ناهية ، وعلى الثالث نافية ، والمعنى : لا تخافوا مما تقدمون عليه من أمور الآخرة ، ولا تحزنوا على ما فاتكم من أمور الدنيا من أهل وولد ومال .

قال مجاهد : لا تخافوا الموت ولا تحزنوا على أولادكم ، فإن الله خليفتكم عليهم . وقال عطاء : لا تخافوا ردّ ثوابكم فإنه مقبول ، ولا تحزنوا على ذنوبكم ، فإني أغفرها لكم . والظاهر عدم تخصيص تنزل الملائكة عليهم بوقت معين ، وعدم تقييد نفي الخوف ، والحزن بحالة مخصوصة كما يشعر به حذف المتعلق في الجميع { وَأَبْشِرُواْ بالجنة التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } بها في الدنيا ، فإنكم واصلون إليها مستقرّون بها خالدون في نعيمها .

/خ36