يعتمد الإسلام في بناء المجتمع مبادىء قيمة ، أهمها في الجانب المادي من الحياة مطالبةُ كل فرد من أفراد المجتمع بالعمل الذي يكفل له حاجته . لقد أشعرَ الأغنياء أن حق الانتفاع بهذا المال مشتركٌ بينهم وبين إخوانهم الفقراء . كما أوجب مدَّ يد المعونة إلى الفقراء والمساكين والمحتاجين ، إما بالبذل والعطاء أو بتهيئة العمل . كذلك أوجب على ذوي المال أن يدفعوا إلى أولياء الأمر ما يمكنّهم من إقامة المصالح التي تحقق الخير للمجتمع .
على هذه الأسس التي تقتضيها الأُخوة والتعاون ، وتبادل الشعور بين الأفراد ، امتلأ القرآن بآيات الحث على الإنفاق للفقراء والمساكين وفي سبيل الله ، وفي هذا الوضع الذي انتهجه الإسلام في بناء المجتمع ، كان من غير المعقول أن يبيح للغني من أهله أن يستقل بمتعة ماله دون أن يمد يده على المحتاج من إخوانه والمواطنين في دولته .
وإذا كان من غير المعقول في الإسلام أن يباح للغني أن يقبض يده عن معونة أخيه الفقير ، فمن غير المعقول أشد أن يباح له استغلال أخيه وأخذ ماله بالربا وشد الخناق . لذلك عمد الإسلام إلى الإصلاح بتحريم الربا تحريماً قاطعا .
وقد جاء الإسلام في وقتٍ فرغت قلوب الناس فيه من معاني الرحمة والتعاون ، كانوا يأكل قويهم ضعيفهم ، ويستغل غنيهم فقيرهم ، فأفرغ جهده في القضاء على منابع الشر ، وإزالة الحواجز التي قطّعت ما بين الناس من صلات التراحم والتعاون ، وأخذ يبني المجتمع بناءً واحداً متماسك الأطراف . وكان أول ما اتخذه من ذلك إيجاباً الحثُّ على التعاون والتراحم . ثم كان تحذيره الشديد فيما يخص الناحية السلبية ، فحرَّم الربا والرشوة ، بعد أن حرم الشحَّ والضن بحق الفقير والمسكين .
وربا الجاهلية الذي كان عليه الناس نوعان : الأول : ربا النسيئة ، وهو أن يقرض الرجل أخاه من المال لزمن محدود على أن يدفعه له مع زيادة معينة . وقد نص القرآن على تحريمه ، وجعل التعامل به من الكبائر . والنوع الثاني : ربا الفضل ، وهو أن يبيع الرجل نوعا من السلعة بمثلها مع زيادة أحد العوضَين على الآخر ، كأن يبيع قنطارا من القمح بقنطار وربع أو نصف .
وهذا أيضا من الربا المنصوص على تحريمه في الحديث الشريف لقوله صلى الله عليه وسلم «ولا تبيعوا الذهب بالذهب ، والورق بالورق ، والبُرَّ بالبر ، والتمر بالتمر ، والشعير بالشعير ، والملح بالملح إلا سواء بسواء ، عينا بعين ، يداً بيد » وقد اتفق الفقهاء على تحريمه ، وأباحوا الزيادة إذا اختلف الجنس . وقد حرموا التأجيل في هذه الأصناف ، واختلفوا في قياس غيرها عليها اختلافا كبيرا .
وتحريم الربا الذي جاء في القرآن الكريم ، تنظيم اقتصادي عظيم ، وهو يتفق مع قياس ما قرره الفلاسفة في الماضي ، وما انتهت إليه النظم الاقتصادية الحديثة . فأرسطو يقرر أن الكسب بالفائدة نظام غير طبيعي ، فالنقد لا يلد النقد .
والاقتصاديون يقررون أن طرق الكسب أربَع : ثلاثٌ منها منتجة والرابعة غير منتجة . فالثلاث المنتجة : العمل ويتبعه الصناعة ، والزراعة ، والمخاطرة في التجارة . . لأنها في نقل الأشياء من مكان إنتاجها إلى مكان استهلاكها تتعرض لمخاطر ، وتزيد قيمتها بهذا الانتقال . وذلك في ذاته انتقال . وذلك في ذاته إنتاج . أما الرابعة فهي : الفائدة أو الربا ، وهذه المخاطرة فيها ، لأن القرض لا يتعرض للخسارة ، بل له الكسب دائما ؛ ولأنه لا إنتاج إلا لِعملِ المقترض ، فالفائدة نتيجةٌ لذلك ، هذا كما أن إباحة الكسب بالفائدة تؤدي إلى تحكم رؤوس الأموال في العمل ، وهذا غير سليم .
وتذكر الآية أن الذين يتعاملون بالربا لا يقومون يوم القيامة من قبورهم كبقية الناس ، وإنما كالمجنون الذي أصابه مسّ من الشيطان فهو يتخبط بفعل الصرع . ولماذا ؟ لأنهم استحلّوا أكل الربا ، وقالوا لا فرق بين البيع والربا ، فكما يجوز بيع السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدا بعشرين درهما بأجل ، يجوز أن يعطي الإنسان أحد المحتاجين عشرة دراهم على أن يردها بعد أجلٍ ، والسبب في كل من الزيادتين واحد هو الأجل . تلك حجتهم . وهم واهمون فيما قالوا ، وقياسهم فاسد . فالله أحلّ الأرباح في الشراء البيع وحرّم الربا . ذلك أن البيع ملاحَظ فيه دائما انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعاً حقيقاً ، أما الربا فهو إعطاء الدراهم ثم أخذُها بدون مخاطرة ولا تعب ، كما أن الكسب فيها مضمون دائما بخلاف التجارة والعمل .
{ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فإنتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ } ، أي : فمن بلغه تحريم الله الربا فتركه فورا ، فله ما كان قد أخذه من الربا فيما تقدم لا يكلَّف بردِّهِ إلى من دفعوه ، وإنما عليه ألا يأخذ ربا بعد ذلك . . إن أمره موكول إلى الله يحكم فيه بعدله وعفوه . أما من عاد إلى أكل الربا بعد تحريمه ، فأولئك الذين لم يتعظوا بموعظة من ربهم ، فهم أصحاب النار هم فيها خالدون .
{ الذين يأكلون الربا } أي يعاملون به فنبه بالأكل على غيره { لا يقومون } من قبورهم يوم القيامة { إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان } يصيبه بجنون { من المس } من الجنون وذلك أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا { ذلك } أي ذلك الذي نزل بهم { بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا } وهو أن المشركين قالوا الزيادة على رأس المال بعد محل الدين كالزيادة بالربح في أول البيع فكذبهم الله تعالى فقال { وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه } أي وعظ { فانتهى } عن أكل الربا { فله ما سلف } أي ما أكل من الربا ليس عليه رد ما أخذ قبل النهي { وأمره إلى الله } والله ولي أمره { ومن عاد } إلى استحلال الربا { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }
{ الذين يأكلون الربا } أي : ينتفعون به ، وعبر عن ذلك بالأكل لأنه أغلب المنافع وسواء من أعطاه أو من أخذه ، والربا في اللغة الزيادة ، ثم استعمل في الشريعة في بيوعات ممنوعة أكثرها راجع إلى الزيادة ، فإن غالب الربا في الجاهلية قولهم للغريم أتقضي أم تربي ، فكان الغريم يزيد في عدد المال ، ويصبر الطالب عليه .
ثم إن الربا على نوعين : ربا النسيئة ، وربا التفاضل وكلاهما يكون في الذهب والفضة ، وفي الطعام .
فأما النسيئة فتحرم في بيع الذهب بالذهب وبيع الفضة بالفضة وفي بيع الذهب بالفضة ، وهو الصرف ، وفي الطعام بالطعام مطلقا .
وأما التفاضل فإنما يحرم في بيع الجنس الواحد بجنسه من النقدين ومن الطعام . ومذهب مالك : أنه يحرم التفاضل في المقتات المدخر من الطعام . ومذهب الشافعي : أنه يحرم في كل طعام ، ومذهب أبي حنيفة : أنه يحرم في المكيل والموزون من الطعام وغيره .
{ لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } أجمع المفسرون أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلا كالمجنون ، ويتخبطه يتفعله من قولك خبط يخبط ، والمس الجنون ، ومن تتعلق ب{ يقوم } .
{ ذلك بأنهم } تعليل للعقاب الذي يصيبهم ، وإنما هذا للكفار ، لأن قولهم إنما البيع مثل الربا : رد على الشريعة وتكذيب للإثم وقد يأخذ العصاة بحظ من هذا الوعيد .
فإن قيل : هلا قيل : الربا مثل البيع ، لأنهم قاسوا الربا على البيع في الجواز ، فالجواب : أن هذا مبالغة ، فإنهم جعلوا الربا أصلا حتى شبهوا به البيع .
{ وأحل الله البيع } عموم يخرج منه البيوع الممنوعة شرعا ، وقد عددناها في الفقه ثمانين نوعا .
{ وحرم الربا } رد على الكفار وإنكار للتسوية بين البيع والربا ، وفي ذلك دليل على أن القياس يهدمه النص ، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم تحليل الله وتحريمه .
{ فله ما سلف } أي : له ما أخذ من الربا ، أي لا يؤاخذ بما فعل منه قبل نزول التحريم .
{ وأمره إلى الله } الضمير عائد على صاحب الربا ، والمعنى أن الله يحكم فيه يوم القيامة ، فلا تؤاخذوه في الدنيا ، وقيل : الضمير عائد على الربا ، والمعنى أن أمر الربا إلى الله في تحريم أو غير ذلك .
{ ومن عاد } : يعني من عاد إلى فعل الربا وإلى القول .
{ إنما البيع مثل الربا } ، ولذلك حكم عليه بالخلود في النار ، لأن ذلك القول لا يصدر إلا من كافر ، فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة لكونها في الكفار .