الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (96)

قوله تعالى : " فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه " أي على عينيه . " فارتد بصيرا " " أن " زائدة ، والبشير قيل هو شمعون . وقيل : يهوذا قال : أنا أذهب بالقميص اليوم كما ذهبت به ملطخا بالدم ، قاله ابن عباس . وعن السدي أنه قال لإخوته : قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة . وقال يحيى بن يمان عن سفيان : لما جاء البشير إلى يعقوب قال له : على أي دين تركت يوسف ؟ قال : على الإسلام ، قال : الآن تمت النعمة ، وقال الحسن : لما ورد البشير على يعقوب لم يجد عنده شيئا يثيبه به ، فقال : والله ما أصبت عندنا شيئا ، وما خبزنا شيئا منذ سبع ليال ، ولكن هون الله عليك سكرات الموت .

قلت : وهذا الدعاء من أعظم ما يكون من الجوائز ، وأفضل العطايا والذخائر . ودلت هذه الآية على جواز البذل والهبات عند البشائر . وفي الباب حديث كعب بن مالك - الطويل - وفيه : " فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته " وذكر الحديث ، وقد تقدم بكماله في قصة الثلاثة الذين خلفوا{[9274]} ، وكسوة كعب ثوبيه للبشير مع كونه ليس له غيرهما دليل على جواز مثل ذلك إذا ارتجى حصول ما يستبشر به . وهو دليل على جواز إظهار الفرح بعد زوال الغم والترح . ومن هذا الباب جواز حِذَاقة{[9275]} الصبيان ، وإطعام الطعام فيها ، وقد نحر عمر بعد حفظه{[9276]} سورة " البقرة " جزورا . والله أعلم .

" قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون " ذكرهم قوله : " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون " [ يوسف : 86 ] .


[9274]:راجع ج 8 ص 282 فما بعد.
[9275]:حذق الغلام القرآن: مهر فيه. في ع: جواز الفرح بحذاق الصبيان.
[9276]:من ا، ع، ك، و، ي.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (96)

قوله تعالى : { فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ 96 قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ 97 قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } { أَن } ، زائدة . والبشير هو يهوذا بن يعقوب الأكبر . فقد قال : أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب ، وأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته فكان هو البشير ف { أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا } أي ألقى قميص على عيني أبيه يعقوب فرجع وعاد مبصرا بعينيه بعد ما أصابه العمى . ويستفاد من الآية : جواز بذل الهبات أو العطايا عند البشائر السارة المبهجة . ويجوز بذلك إظهار الفرج عقب زوال الترح والاغتمام .

قوله : { قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } قال يعقوب لمن كان بحضرته من بنيه : ألم أخبركم عن عملي بأن الله سيرد علي يوسف تأويلا لرؤياه الصادقة ، وأنني موقن بقضاء الله وكنا من قضائه أن نخر جميعا له ساجدين . وكنتم أنتم لا تعلمون ما أعلمه .