الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ} (35)

قوله تعالى : " مثل الجنة التي وعد المتقون " اختلف النحاة في رفع " مثل " فقال سيبويه : ارتفع بالابتداء والخبر محذوف ، والتقدير : وفيما يتلى عليكم مثل الجنة . وقال الخليل : ارتفع الابتداء وخبره " تجري من تحتها الأنهار " أي صفة الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ؛ كقولك : قولي يقوم زيد ، فقولي مبتدأ ، ويقوم زيد خبره ، والمثل بمعنى الصفة موجود ، قال الله تعالى : " ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل{[9409]} " [ الفتح : 29 ] وقال : " ولله المثل الأعلى{[9410]} " [ النحل : 60 ] أي الصفة العليا ، وأنكره أبو علي وقال : لم يسمع مثل بمعنى الصفة ؛ إنما معناه الشبه ، ألا تراه يجري مجراه في مواضعه ومتصرفاته ، كقولهم : مررت برجل مثلك ، كما تقول : مررت برجل شبهك ، قال : ويفسد أيضا من جهة المعنى ؛ لأن مثلا إذا كان معناه صفة كان تقدير الكلام : صفة الجنة التي فيها أنهار ، وذلك غير مستقيم ؛ لأن الأنهار في الجنة نفسها لا صفتها .

وقال الزجاج : مثل الله عز وجل لنا ما غاب عنا بما نراه ، والمعنى : مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار ، وأنكره أبو علي فقال : لا يخلو المثل على قوله أن يكون الصفة أو الشبه ، وفي كلا الوجهين لا يصح ما قاله ؛ لأنه إذا كان بمعنى الصفة لم يصح ، لأنك إذا قلت : صفة الجنة جنة ، فجعلت الجنة خبرا لم يستقم ذلك ؛ لأن الجنة لا تكون الصفة ، وكذلك أيضا شبه الجنة جنة ، ألا ترى أن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين ، وهو حدث ، والجنة غير حدث ، فلا يكون الأول الثاني . وقال الفراء : المثل مقحم للتأكيد ، والمعنى : الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ، والعرب تفعل ذلك كثيرا بالمثل ، كقوله : " ليس كمثله شيء{[9411]} " [ الشورى : 11 ] : أي ليس هو كشيء{[9412]} . وقيل التقدير : صفة الجنة التي وعد المتقون صفة جنة " تجري من تحتها الأنهار " وقيل معناه : شبه الجنة التي وعد المتقون في الحسن والنعمة والخلود كشبه النار في العذاب والشدة والخلود ، قاله مقاتل . " أكلها دائم وظلها " لا ينقطع ، وفي الخبر : ( إذا أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى ) وقد بيناه في " التذكرة " . " وظلها " أي وظلها كذلك ، فحذف ، أي ثمرها لا ينقطع ، وظلها لا يزول ، وهذا رد على الجهمية في زعمهم أن نعيم الجنة يزول ويفني .

" تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار " أي عاقبة أمر المكذبين وآخرتهم النار يدخلونها .


[9409]:راجع ج 16 ص 192.
[9410]:راجع ج 10 ص 119.
[9411]:راجع ج 16 ص 8.
[9412]:في ي: ليس كهو شيء.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ} (35)

قوله تعالى : { مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ } { مثل } ، مرفوع على الابتداء . وخبره محذوف وتقديره : فيما يتلى عليكم مثل الجنة ، وهو قول سيبويه . وقيل : خبره { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } والأول أقوى{[2357]} .

فبعد أن بين الله ما أعده للكافرين الظالمين من عذاب الدنيا والآخرة ، ذكر ما أعده لبعاده المؤمنين ؛ فقد أعد لهم الجنة ووصفها بأنها تنساح خلالها وفي أرجائها الأنهار . ووصفها أيضا بأنها : { أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا } أي ما فيها من ثمار ومأكل ومشارب وغير ذلك من مطعوم ؛ فإنه دائم لا ينقطع . وكذلك ظلها الرخي الظليل مستديم لا يزول .

قوله : { تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ } الإشارة عائدة إلى الجنة التي وصفها الله . والإشارة في محل رفع مبتدأ . وخبره { عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ } أي الجنة هي عاقبة المؤمنين الذين يخشون الله ويتقون معاصيه . وفي مقابل ذلك جعل الله النار عاقبة للكافرين { وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ } .


[2357]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 52.