قرأ المفضل عن عاصم " تَنَزَّل الملائكةُ " والأصل تتنزل ، فالفعل مسند إلى الملائكة . وقرأ الكسائي عن أبي بكر عن عاصم باختلاف عنه والأعمش " تُنَزَّل الملائكةُ " غير مسمى الفاعل . وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم " تُنَزِّل الملائكةَ " بالنون مسمى الفاعل ، الباقون " يُنَزِّل " بالياء مسمى الفاعل ، والضمير فيه لاسم الله عز وجل . وروي عن قتادة " تنزل الملائكة " بالنون والتخفيف . وقرأ الأعمش " تنزل " بفتح التاء وكسر الزاي ، من النزول . " الملائكة " رفعا مثل " تنزل الملائكة{[9787]} " [ القدر : 4 ] " بالروح " أي بالوحي وهو النبوة ، قاله ابن عباس . نظيره " يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده{[9788]} " [ غافر : 15 ] . الربيع بن أنس : بكلام الله وهو القرآن . وقيل : هو بيان الحق الذي يجب اتباعه . وقيل أرواح الخلق ، قاله قتادة . لا ينزل ملك إلا ومعه روح . وكذا روي عن ابن عباس أن الروح خلق من خلق الله عز وجل كصور ابن آدم ، لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم . وقيل بالرحمة ، قاله الحسن وقتادة . وقيل بالهداية ؛ لأنها تحيا بها القلوب كما تحيا بالأرواح الأبدان ، وهو معنى قول الزجاج . قال الزجاج : الروح ما كان فيه من أمر الله حياة بالإرشاد إلى أمره . وقال أبو عبيدة : الروح هنا جبريل . والباء في قوله : " بالروح " بمعنى مع ، كقولك : خرج بثيابه ، أي مع ثيابه . " من أمره " أي بأمره . " على من يشاء من عباده " أي على الذين اختارهم الله للنبوة . وهذا رد لقولهم : " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم{[9789]} " [ الزخرف : 31 ] . " أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون " تحذير من عبادة الأوثان ، ولذلك جاء الإنذار ؛ لأن أصله التحذير مما يخاف منه . ودل على ذلك قوله : " فاتقون " . و " أن " في موضع نصب بنزع الخافض ، أي بأن أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا الله ، " فأن " في محل نصب بسقوط الخافض أو بوقوع الإنذار عليه .
قوله تعالى : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } ( الملائكة ) ، منصوب ، على أنه مفعول للفعل ( ينزّّل ) أي ينزل الله الملائكة بالروح ؛ فالله هو المنزل ملائكته بوحيه إلى رسله ، وبذلك فإن المراد بالروح الوحي وهو جبريل عليه السلام . والباء في قوله : ( بالروح ) بمعنى مع فيكون المعنى : ينزل الملائكة مع الروح جبريل . وقيل الروح بمعنى القرآن . ونظير ذلك قوله تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) أي القرآن . وهو كلام الله النوراني ، فإن فيه حياة للبشر بما ينشر فيهم من العلم والوضاءة والبهجة والرحمة . لا جرم أن القرآن حياة للقلوب يستحيي فيها الوازع الرهيف والرحمة الفياضة . وهو كذلك حياة للأذهان ينشر فيها الاستقامة والاعتدال ، وسلامة التصور من الشطط ، وبراءة العقول من مثالب الزلل والخطل والاعوجاج .
قوله : ( من أمره ) أي هذا التنزيل لا يكون إلا بأمر الله .
قوله : ( على من يشاء من عباده ) أي على النبيين الذين اصطفاهم الله لرسالته وتبليغ دينه للناس .
قوله : ( أن أنذروا انه لا إله إلا أنا فاتقون ) ( أن أنذروا ) ، فيه وجهان :
أحدهما : البدل على قوله : ( بالروح ) والمعنى : ينزل الملائكة بأنهم أنذروا أي أعلموا الناس أو بلغوهم أنه لا إله إلا أنا . والإنذار معناه الإعلام مع التخويف .
ثانيهما : أن تكون ( أن ) مفسرة ؛ لأن تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول{[2491]} .
والمعنى : أن الله ينزل الملائكة بالروح بأمره على الذين يختارهم ليكونوا أنبياء من بين عباده بأن أنذروا الناس وحذروهم عقابي وانتقامي بسبب كفرهم وعصيانهم ؛ فإنه ليس من إله خالق ما تنبغي لغيره الألوهية سواي ( فاتقون ) أي خافوني بإفرادي بالعبادة وإخلاص الربوبية لي دون أحد من خلقي{[2492]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.