الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} (89)

قوله تعالى : { ولما جاءهم } يعني اليهود . قوله تعالى : { كتاب من عند الله } يعني القرآن . قوله تعالى : { مصدق } نعت لكتاب ، ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال ، وكذلك هو في مصحف أبي بالنصب فيما روي . قوله تعالى : " لما معهم " يعني التوراة والإنجيل يخبرهم بما فيهما .

قوله تعالى : { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } أي يستنصرون . والاستفتاح الاستنصار . استفتحت : استنصرت . وفي الحديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين ، أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم{[968]} . ومنه { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده{[969]} } [ المائدة : 52 ] . والنصر : فتح شيء مغلق ، فهو يرجع إلى قولهم فتحت الباب . وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري{[970]} أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما نصر{[971]} الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم " . وروى النسائي أيضا عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم " . قال ابن عباس : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود ، فعادت{[972]} يهود بهذا الدعاء وقالوا : إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم . قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا ، فأنزل الله تعالى : { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } أي بك يا محمد ، إلى قوله : { فلعنة الله على الكافرين } .

قوله تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين } ، { ولما جاءهم } جواب " لما " الفاء وما بعدها في قوله :{ فلما جاءهم ما عرفوا } في قول الفراء ، وجواب " لما " الثانية " كفروا " . وقال الأخفش سعيد : جواب " لما " محذوف لعلم السامع ، وقاله الزجاج . وقال المبرد : جواب " لما " في قوله : " كفروا " ، وأعيدت " لما " الثانية لطول الكلام . ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيدا له .


[968]:الذي في نهاية ابن الأثير واللسان مادة فتح: "أي يستنصر بهم".
[969]:راجع ج 6 ص 217.
[970]:يلاحظ أن راوي هذا الحديث هو سعد بن أبي وقاص، ففي سنن النسائي (ج 1 ص 65 طبع المطبعة الميمنية) باب الاستنصار بالضعيف: أخبرنا محمد بن إدريس... عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه ظن..." الخ.
[971]:الذي في سنن النسائي: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها".
[972]:في ب: "فعاذت" بالذال المعجمة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} (89)

وقوله : { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } .

المقصود بالكتاب هو القرآن ، فلما جاءهم وفيه التصديق لما معهم من كتاب وهو التوراة وقد كانوا أيضا يستفتحون على الذين كفروا ، أي يستنصرون عليهم بمجيء النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . وفي ذلك يقول عبد الله ابن عباس- رضي الله عنهما- : كانت يهود خبير تقاتل غطفان ، فلما التقوا هزمت يهود ، فعادت يهود بهذا الدعاء وقالوا : إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم . فكانوا إذا التقوا بهذا الدعاء هزموا غطفان ، فلما بعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كفروا فأنزل الله تعالى هذه الآية . وذلك هو شأن يهود في نقضهم للعهود وكذبهم على الله وعلى أنفسهم . فقد كانوا يعلمون في قرارة أنفسهم أن محمدا عليه الصلاة والسلام نبي قد أوحي إليه ، وأن القرآن كلام الله المعجز المنزل على هذا النبي الأمي ، ومع ذلك كله فإن ديدنهم النقض والزيغ والتكذيب لا لسبب إلا محض الزيغ والهوى والمريض .

من أجل ذلك فقد استوجب هؤلاء الجاحدون الطرد والإبعاد من كل خير ، وذلك من خلال اللعن يَصِمُ هذا الصنف من البشر الخائر الفاجر المتردد .