الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (94)

قوله تعالى : { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } لما ادعت اليهود دعاوى باطلة حكاها الله عز وجل عنهم في كتابه ، كقوله تعالى : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } [ البقرة : 80 ] ، وقوله : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [ البقرة : 111 ] ، وقالوا : { نحن أبناء الله وأحباؤه{[986]} } [ المائدة : 18 ] أكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال قل لهم يا محمد : { إن كان لكم الدار الآخرة } يعني الجنة

{ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } .

قوله تعالى : { عند الله خالصة من دون الناس } نصب على خبر كان ، وإن شئت كان حالا ، ويكون { عند الله } في موضع الخبر . { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } في أقوالكم ، لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة في الدنيا ، لما يصير إليه من نعيم الجنة ، ويزول عنه من أذى الدنيا ، فأحجموا عن تمني ذلك فرقا من الله لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكفرهم في قولهم : { نحن أبناء الله وأحبائه } [ المائدة : 18 ] ، وحرصهم على الدنيا تحقيقا لكذبهم . وأيضا لو تمنوا الموت لماتوا ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم{[987]} من النار " . وقيل : إن الله صرفهم عن إظهار التمني ، وقصرهم على الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فهذه ثلاثة أوجه في تركهم التمني . وحكى عكرمة عن ابن عباس في قوله : { فتمنوا الموت } أن المراد ادعوا بالموت على أكذب الفريقين منا ومنكم ، فما دعوا لعلمهم بكذبهم .


[986]:راجع ج 6 ص 120.
[987]:في بعض نسخ الأصل: "مقاعدهم".
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (94)

وقوله : { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } تلك صورة من صور التحدي يأمر الله نبيه عليه السلام بطرحها أمام يهود . غير أنهم خسئوا ونكصوا أمام هذا التحدي القائم الصارخ كان ذلك بعد أن زعمت يهود في ضلالة واغترار بأنهم خير الأمم ، وأنهم غير معذبين في النار سوى أيام معدودات ، وأنهم وحدهم يستأهلون الجنة وليس لأحد غيرهم أن يشاركهم فيها . وفي مثل هذا الزيف من القول يتحداهم الله أن يتمنوا الموت ، ذلك أن الذي يكون متوثقا من دخول الجنة والسلامة من عذاب النار لا جرم أن يتمنى الموت ، فيبرح هذه الحياة الحافلة بالكد والنصب ؛ ليلج الدار الباقية المستديمة حيث الهناء والأمن والسعادة ، وهو تحد لا جرم أن يكون واضحا مكشوفا لا تعتريه مواربة ولا يجلله غموض . وخلاصته أن من أيقن أنه من أهل الجنة فهو يظل مشدودا إليها راغبا في الابتهاج بنعيمها السرمدي الفياض ، وطريق ذلك نفاد سني العمر ، والرحيل من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة حيث النعيم المقيم ، كذلك كان التحدي الذي لم يلق إلا قلوبا فارغة خاوية وآذانا موقورة عطلها الصمم بما يدل على كذب هؤلاء القوم وسوء قصودهم ، وأنهم ليسوا على شيء مما زعموا فقال سبحانه : { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين }