الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (223)

فيه مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " نساؤكم حرث لكم " روى الأئمة واللفظ للمسلم عن جابر بن عبد الله قال : ( كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول ) ، فنزلت الآية " نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " زاد في رواية عن الزهري : إن شاء مُجّبِّيَةً{[2029]} وإن شاء غير مُجّبِّيَةٍ غير إن ذلك في صمام واحد . ويروى : في سمام واحد بالسين ، قاله الترمذي . وروى البخاري عن نافع قال : كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه ، فأخذت عليه يوما{[2030]} ، فقرأ سورة " البقرة " حتى انتهى إلى مكان قال : أتدري فيم أنزلت ؟ قلت : لا ، قال : نزلت في كذا وكذا ، ثم مضى . وعن عبد الصمد قال : حدثني أبي قال حدثني أيوب عن نافع عن ابن عمر : " فأتوا حرثكم أنى شئتم " قال : يأتيها في{[2031]} . قال الحميدي : يعني الفرج . وروى أبو داود عن ابن عباس قال : ( إن ابن عمر والله يغفر له وهِم ، إنما كان هذا الحي من الأنصار ، وهم أهل وثن ، مع هذا الحي من يهود ، وهم أهل كتاب ، وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم ، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف ، وذلك أستر ما تكون المرأة ، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم ، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا{[2032]} منكرا ، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات ، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار ، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه ، وقالت : إنما كنا نؤتى على حرف ! فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني ، حتى شري{[2033]} أمرهما ) ؟ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : " فأتوا حرثكم أنى شئتم " ، أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات ، يعني بذلك موضع الولد . وروى الترمذي عن ابن عباس قال : ( جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هلكت ! قال : ( وما أهلكك ؟ ) قال : حولت رحلي الليلة ، قال : فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، قال : فأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : " نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة ) قال : هذا حديث حسن صحيح{[2034]} . وروى النسائي عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى ابن عمر : قد أكثر عليك القول . إنك تقول عن ابن عمر : ( أنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن ) . قال نافع : لقد كذبوا علي ! ولكن سأخبرك كيف كان الأمر : إن ابن عمر عرض علي المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ : " نساؤكم حرث لكم " ، قال نافع : هل تدري ما أمر هذه الآية ؟ إنا كنا معشر قريش نُجَبِّي{[2035]} النساء ، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا ، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه ، وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن ، فأنزل الله سبحانه : " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " .

الثانية : هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث ، أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة ، فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا ، ولا يباح ! وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم . و " حرث " تشبيه ، لأنهن مزدرع الذرية ، فلفظ " الحرث " يعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع . وأنشد ثعلب :

إنما الأرحام أر *** ضون لنا محترثات

فعلينا الزرع فيها *** وعلى الله النبات

ففرج المرأة كالأرض ، والنطفة كالبذر ، والولد كالنبات ، فالحرث بمعنى المحترث . ووحد الحرث لأنه مصدر ، كما يقال : رجل صوم ، وقوم صوم .

الثالثة : قوله تعالى : " أنى شئتم " معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى : من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة ، كما ذكرنا آنفا . و " أنى " تجيء سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات ، فهو أعم في اللغة من " كيف " ومن " أين " ومن " متى " ، هذا هو الاستعمال العربي في " أنى " . وقد فسر الناس " أنى " في هذه الآية بهذه الألفاظ . وفسرها سيبوبه ب " كيف " ومن " أين " باجتماعهما . وذهبت فرقة ممن فسرها ب " أين " إلى أن الوطء في الدبر مباح ، وممن نسب إليه هذا القول : سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبدالملك بن الماجشون ، وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى " كتاب السر " . وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب ، ومالك أجل من أن يكون له " كتاب سر " . ووقع هذا القول في العتبية . وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين ، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب " جماع النسوان وأحكام القرآن " . وقال الكيا الطبري : وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسا ، ويتأول فيه قول الله عز وجل : " أتأتون الذكران من العالمين . وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم " {[2036]} . وقال : فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم ، ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك ، وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له ، حتى يقال : تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح . قال الكيا : وهذا فيه نظر ، إذ معناه : وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتك ، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا ، فيجوز التوبيخ على هذا المعنى . وفي قوله تعالى : " فإذا تطهرن فأتوا من حيث أمركم الله " مع قوله : " فأتوا حرثكم " ما يدل على أن في المأتى اختصاصا ، وأنه مقصور على موضع الولد .

قلت : هذا هو الحق في المسألة . وقد ذكر أبو عمر بن عبدالبر أن العلماء لم يختلفوا في الرَّتْقَاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به ، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبدالعزيز من وجه ليس بالقوي أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها ، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك ، لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح ، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء ، ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج . وفي إجماعهم أيضا على أن العقيم التي لا تلد لا ترد . والصحيح في هذه المسألة ما بيناه . وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك ؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث ، لقوله تعالى : " فأتوا حرثكم " ، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل ، فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح ، وهذا هو الحق . وقد قال أصحاب أبي حنيفة : إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم ؛ ولأن القذر والأذى في موضع النجو{[2037]} أكثر من دم الحيض ، فكان أشنع . وأما صمام البول فغير صمام الرحم . وقال ابن العربي في قبسه : قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه : الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين ، وأخرج يده عاقدا بها . وقال : مسلك البول ما تحت الثلاثين ، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة ، وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة . فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة . وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك ، فنفر من ذلك ، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال : كذبوا علي ، كذبوا علي ، كذبوا علي ! ثم قال : ألستم قوما عربا ؟ ألم يقل الله تعالى : " نساؤكم حرث لكم " وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت{[2038]} ! وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل : " أنى شئتم " شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها ، إذ هي مخصصة بما ذكرناه ، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة ، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار ، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده ، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم . وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه " تحريم المحل المكروه " . ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه ( إظهار إدبار ، من أجاز الوطء في الأدبار ) .

قلت : وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة ، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه . وقد حذرنا من زلة العالم . وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا ، وتكفير من فعله ، وهذا هو اللائق به رضي الله عنه . وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك ، كما ذكر النسائي ، وقد تقدم . وأنكر ذلك مالك واستعظمه ، وكذب من نسب ذلك إليه . وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجواري حين أحمض{[2039]} بهن ؟ قال : وما التَّحْمِيض ؟ فذكرت له الدبر ، فقال : هل يفعل ذلك أحد من المسلمين ! وأسند عن خزيمة بن ثابت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن ) . ومثله عن علي بن طلق . وأسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة ) وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تلك اللوطية الصغرى ) يعني إتيان المرأة في دبرها . وروي عن طاوس أنه قال : كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن . قال ابن المنذر : وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغني به عما سواه .

الرابعة : قوله تعالى : " وقدموا لأنفسكم " أي قدموا ما ينفعكم غدا ، فحذف المفعول ، وقد صرح به في قوله تعالى : " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله " {[2040]} . فالمعنى قدموا لأنفسكم الطاعة والعمل الصالح . وقيل ابتغاء الولد والنسل ؛ لأن الولد خير الدنيا والآخرة ، فقد يكون شفيعا وجنة . وقيل : هو التزوج بالعفائف ، ليكون الولد صالحا طاهرا . وقيل : هو تقدم{[2041]} الإفراط ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم ) الحديث . وسيأتي في " مريم " {[2042]} إن شاء الله تعالى . وقال ابن عباس وعطاء : أي قدموا ذكر الله عند الجماع ، كما قال عليه السلام : ( لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره شيطان أبدا ) . أخرجه مسلم .

الخامسة : قوله تعالى : " واتقوا الله " تحذير " واعلموا أنكم ملاقوه " خبر يقتضي المبالغة في التحذير ، أي فهو مجازيكم على البر والإثم . وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال : سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول : ( إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا{[2043]} ) - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه " . أخرجه مسلم بمعناه .

السادسة : قوله تعالى : " وبشر المؤمنين " تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى .


[2029]:- مجبية: أي منكبة على وجهها، تشبيها بهيئة السجود.
[2030]:- أخذت عليه: أي أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلب.
[2031]:- بحذف المجرور، راجع شرح البخاري في تفسير الآية، ففيه كلام عن هذا الحذف.
[2032]:- شرح الرجل جاريته: إذا وطئها نائمة على قفاها.
[2033]:- شري أمرها (من باب رضي): عظم وتفاقم ولجوا فيه.
[2034]:- الذي في صحيح الترمذي: "حسن غريب".
[2035]:- تقدم معنى "التجبية" ص 91 من هذا الجزء.
[2036]:- آية 165 سورة الشعراء.
[2037]:- النجو: ما يخرج من البطن من ريح وغائط.
[2038]:- في ب: "النبت".
[2039]:- التحميض: أن يأتي الرجل المرأة في غير مأتاها الذي يكون موضع الولد.
[2040]:- آية 110 سورة البقرة.
[2041]:- الأفراط (جمع فرط): هم الأولاد الذين ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم.
[2042]:- راجع جـ 11 ص 135.
[2043]:- الغرل (بضم فسكون جمع الأغرل): وهو الأقلف الذي لم يختن.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (223)

ولما بين سبحانه {[10311]}وتعالى المأتي{[10312]} في الآية السابقة{[10313]} نوع بيان أوضحه مشيراً إلى ثمرة النكاح الناهية لكل ذي{[10314]} لب عن السفاح{[10315]} فقال : { نساؤكم{[10316]} }{[10317]} أي اللاتي هن حل لكم بعقد أو ملك يمين ولما كان إلقاء النطفة التي يكون منها النسل كإلقاء البذر الذي يكون منه الزرع شبههن بالمحارث{[10318]} دلالة على{[10319]} أن الغرض{[10320]} الأصيل طلب النسل فقال مسمياً{[10321]} موضع الحرث باسمه موقعاً اسم الجزء على الكل موحداً لأنه جنس { حرث لكم } {[10322]}فأوضح ذلك{[10323]} . قال الحرالي : ليقع الخطاب بالإشارة أي في الآية الأولى لأولي الفهم وبالتصريح أي في هذه لأولي{[10324]} العلم لأن الحرث كما قال بعض العلماء إنما يكون في موضع الزرع - انتهى . وفي تخصيص الحرث بالذكر وتعميم جميع{[10325]} الكيفيات الموصلة إليه بقوله : { فأتوا حرثكم } {[10326]}أي الموضع الصالح للحراثة{[10327]} { أنى شئتم{[10328]} } {[10329]}أي من أين وكيف{[10330]} إشارة إلى تحريم ما سواه لما فيه من العبث بعدم المنفعة . {[10331]}قال الثعلبي : الأدبار موضع الفرث لا موضع الحرث{[10332]} .

ولما كانت هذه أموراً خفية لا يحمل على صالحها وتحجر{[10333]} عن فاسدها إلا محض الورع قال : { وقدموا{[10334]} } {[10335]}أي أوقعوا التقديم . ولما كان السياق للجمع وهو من شهوات النفس قال مشيراً إلى الزجر عن اتباعها{[10336]} كل{[10337]} ما تهوي : { لأنفسكم } أي من هذا العمل وغيره {[10338]}من كل ما يتعلق بالشهوات{[10339]} ما{[10340]} إذا عرض على من تهابونه وتعتقدون خيره{[10341]} افتخرتم به عنده وذلك بأن تصرفوا مثلاً هذا العمل عن محض الشهوة إلى قصد الإعفاف وطلب الولد الذي يدوم به صالح العمل فيتصل الثواب ، ومن التقديم التسمية عند الجماع على ما وردت به السنة و{[10342]}صرح به الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على ما نقل عنه .

{[10343]}ولما كانت أفعال الإنسان في{[10344]} الشهوات تقرب {[10345]}من فعل من عنده شك{[10346]} احتيج إلى مزيد وعظ فقال : { واتقوا الله{[10347]} } أي اجعلوا بينكم وبين ما يكرهه {[10348]}الملك الأعظم{[10349]} من ذلك وغيره وقاية من الحلال أو المشتبه .

وزاد سبحانه وتعالى في الوعظ والتحذير بالتنبيه بطلب العلم وتصوير العرض فقال : { واعلموا أنكم ملاقوه{[10350]} } وهو سائلكم عن جميع ما فعلتموه من دقيق وجليل وصالح وغيره {[10351]}فلا تقعوا فيما تستحيون منه إذا سألكم فهو أجل من كل جليل{[10352]} . قال الحرالي : وفيه إشعار بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا يصل إليها{[10353]} أحكام حكام الدنيا مما لا يقع الفصل فيه إلا في الآخرة من حيث إن أمر ما بين الزوجين سر لا يفشى ، قال عليه الصلاة والسلام : " لا يسأل الرجل فيم{[10354]} ضرب امرأته " وقال : " لا أحب للمرأة أن تشكو زوجها " فأنبأ تعالى أن أمر ما بين الزوجين مؤخر حكمه{[10355]} إلى لقاء الله عز وجل حفيظة على ما بين الزوجين ليبقى سراً لا يظهر أمره إلا الله تعالى ، وفي إشعاره إبقاء للمروة في أن لا يحتكم الزوجان{[10356]} عند حاكم في الدنيا وأن يرجع كل واحد منهما إلى تقوى الله وعلمه بلقاء الله - انتهى .

ولما كان هذا لا يعقله حق عقله كل أحد أشار إلى ذلك بالالتفات إلى أكمل الخلق فقال عاطفاً على ما تقديره : فأنذر المكذبين فعلاً أو قولاً ، قوله تعالى : { وبشر المؤمنين{[10357]} * } أي الذين صار لهم الإيمان وصفاً راسخاً تهيؤوا به للمراقبة ، وهو إشارة إلى أن مثل هذا من باب الأمانات لا يحجز عنه إلا الإخلاص في الإيمان والتمكن فيه .


[10311]:العبارة من هنا إلى "ذي لب عن" ليست في م.
[10312]:من مد وظ، وفي الأصل: الآتي.
[10313]:في ظ ومد: السالفة.
[10314]:ليس في ظ.
[10315]:من م ومد وظ، وفي الأصل: السفاع.
[10316]:في البخاري ومسلم أن اليهود كانت تقول في الذي يأتي امرأته من دبرها في قبلها: إن الولد يكون أحول، فنزلت؛ وقيل: سبب النزول كراهة نساء الأنصار ذلك لما يزوجهم المهاجرون وكانوا يفعلون ذلك بمكة يتلذذون بالنساء مقبلات ومدبرات – روى معناه الحاكم في صحيحه....ومناسبتها لما قبلها ظاهرة لأنه لما تقدم "فآتوهن من حيث أمركم الله" وكان الإطلاق يقتضي تسويغ إتيانهن على سا ئر أحوال الإتيان أكد ذلك بأن نص بما يدل على سائر الكيفيات وبين أيضا المحل بجعله حرثا وهو القبل، والحرث كما تقدم في قصة البقرة شق الأرض للزرع ثم سمى الزرع حرثا "أصابت حرث قوم" وسمى الكسب حرثا، قال الشاعر: إذا أكل الجراد حروث قوم فحرثي همه أكل الجراد قالوا: يريد فامرأتي وأنشد أحمد بن يحيى: إنما الأرحام ارضو ن لنا محترثات. فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات وهذه الجملة جاء بيانا وتوضيحا لقوله "فتوهن من حيث أمركم الله" البحر المحيط 2 / 170.
[10317]:العبارة من هنا إلى "لأنه جنس" ليست في ظ.
[10318]:في م: الحارث.
[10319]:من مد، وقد سقط من م، وفي الأصل: عن.
[10320]:من م، وفي الأصل ومد: الفرض.
[10321]:من م ومد، وفي الأصل: متسميا.
[10322]:سقطت من ظ.
[10323]:سقطت من ظ.
[10324]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الأولى.
[10325]:من مد وظ، وفي الأصل: جمع.
[10326]:ليست في ظ.
[10327]:ليست في ظ.
[10328]:أخره في م عن "وكيف".
[10329]:ليست في ظ.
[10330]:ليست في ظ.
[10331]:ليست في ظ.
[10332]:ليست في ظ.
[10333]:في ظ: يحجز.
[10334]:مفعول قدموا محذوف فقيل التقدير ذكر الله عند القربان أو طلب الولد والأفراط شفعاء – قاله ابن عباس. أو الخير – قاله السدى، أو قدم صدق – قاله ابن كيسان – البحر المحيط 2 / 172.
[10335]:العبارة من هنا إلى "ما تهوى" ليست في ظ.
[10336]:زيد في م: من.
[10337]:زيد من مد.
[10338]:ليست في ظ.
[10339]:ليست في ظ.
[10340]:من م ومد وظ، وفي الأصل: إما.
[10341]:من م وظ، وفي مد: غيره، وفي الأصل: خبره.
[10342]:ليس في مد وظ.
[10343]:العبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ.
[10344]:في م: من.
[10345]:من مد، وموضعه بياض في الأصل وم.
[10346]:في مد: وعظ.
[10347]:أي اتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه وهو تحذير لهم من المخالفة ولن العظيم الذي تقدم يحتاج إلى ان يقدم معك ما تقدم به عليه مما لا تفتضح به عنده وهو العمل الصالح.
[10348]:ليست في ظ.
[10349]:ليست في ظ.
[10350]:الظاهر أن الضمير المجرور في "ملاقوه" عائد على الله تعالى وتكون على حذف مضاف أي ملاقو جزائه على أفعالكم...ويجوز أن يعود على الجزاء الدال عليه معمول قدموا المحذوف وفي ذلك رد على من ينكر البعث والحساب والمعاد سواء عاد على الله تعالى أو على معمول قدموا أو على الجزاء – البحر المحيط 2 / 172.
[10351]:ليست في ظ.
[10352]:ليست في ظ.
[10353]:في ظ: إليه.
[10354]:في مد: لم
[10355]:من م ومد وظ، وفي الأصل: حكمة.
[10356]:في الأصل: الزوجات، والتصحيح من م وظ ومد.
[10357]:أي بحسن العاقبة في الآخرة وفيه تنبيه على وصف الذي به يتقي الله ويقدم الخير ويستحق التبشير وهو الإيمان وفي أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالتبشير تأنيس عظيم ووعد كريم بالثواب الجزيل ولم يأت بضمير الغيبة بل اتى بالظاهر الدال على الوصف ولكونه مع ذلك فصل آية – البحر المحيط 2 / 172.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (223)

قوله : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) الحرث يراد به موضع الولد كما ذكر عن ابن عباس . وإتيان الحرث يراد به الجماع في الفرج . وقوله : ( أنى ) أعم من متى وكيف وأين . فهل تشمل كل هذه الأسئلة من حيث المضمون . والمعنى للآية أن نساءكم موضع نسل لكم وتوالد حيث الفروج ، فأتوهن في الفروج على الهيئة التي تريدون مقبلات أو مدبرات ، على أن يكون الجماع في صمام واحد معروف ، وأي تجاوز لهذا الصمام حيث النسل والولد ، فهو حرام . وفي هذا الصدد جاء في الحديث عن الرسول ( ص ) : " مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج " .

وذكر أن أناسا من الأنصار أتوا النبي ( ص ) ، فسألوه عن ذلك ، فقال : " ائتها على كل حال إذا كان في الفرج " . أما الإتيان في الدبر فهو محظور استنادا إلى الدلالة المستفادة من هذه الآية والتي تنحصر فيها الإباحة على الوطء في الفروج حيث الحرث ( النسل ) . واستنادا كذلك إلى النصوص من السنة وما ذهبت إليه جماهير العلماء في هذه المسألة . وما من قول يبيح الوطء في الأدبار إلا هو ضعيف أو مرجوح .

ثم يدعو الله عباده أن يقدموا من الطاعات وصالح الأعمال ما يجدون ثمرته يوم القيامة ؛ وعلى المؤمنين أن يكونوا دائما على تقوى من الله ، وليعلموا في يقين أنهم ملاقوه في يوم يشتد فيه الهول ويغيب فيه الشفعاء ( وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المومنين ) {[303]} .


[303]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 259 وتفسير الطبري جـ 2 ص 225- 234.