الأولى : قوله تعالى : " باللغو " اللغو : مصدر لغا يلغو ويلغى ، ولغي يلغى لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام ، أو بما لا خير فيه ، أو بما يلغى إثمه ، وفي الحديث : ( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ) . ولغة أبي هريرة " فقد لغيت " وقال الشاعر{[2049]} :
وربَّ أسرابِ حجيجٍ كُظَّمِ *** عن اللَّغَا ورَفَثِ التكلم
وقال آخر{[2050]} :
ولست بمأخوذ بلغو تقوله *** إذا لم تَعَمَّد عاقداتِ العزائمِ
الثانية : واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو ، فقال ابن عباس : ( هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة : لا والله ، وبلى والله ، دون قصد لليمين ) . قال المروزي : لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها . وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ( أيمان اللغو ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب ) . وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : نزل قوله تعالى : ( " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ) . وقيل : اللغو ما يحلف به على الظن ، فيكون بخلافه ، قاله مالك ، حكاه ابن القاسم عنه ، وقال به جماعة من السلف . قال أبو هريرة : ( إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه ، فإذا ليس هو ، فهو اللغو ، وليس فيه كفارة ) ، ونحوه عن ابن عباس . وروي : أن قوما تراجعوا القول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرمون بحضرته ، فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطأت يا فلان ، فإذا الأمر بخلاف ذلك ، فقال الرجل : حنث يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة ) . وفي الموطأ قال مالك : أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه ، فلا كفارة فيه . والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أن فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا ، أو يعتذر لمخلوق ، أو يقتطع به مالا ، فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة ، وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله ، أو أن يفعله ثم لا يفعله ، مثل إن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك ، أو حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه . وروى عن ابن عباس - إن صح عنه - قال : ( لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان ) ، وقاله طاوس . وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يمين في غضب ) أخرجه مسلم . وقال سعيد بن جبير : هو تحريم الحلال ، فيقول : مالي علي حرام إن فعلت كذا ، والحلال علي حرام ، وقاله مكحول الدمشقي ، ومالك أيضا ، إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه . وقيل : هو يمين المعصية ، قاله سعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبدالرحمن وعروة وعبدالله ابنا الزبير ، كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه ، وحجتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإنَّ تركها كفارتها ) أخرجه ابن ماجه في سننه ، وسيأتي في " المائدة " {[2051]} أيضا . وقال زيد بن أسلم لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه : أعمى الله بصره ، أذهب الله ماله ، هو يهودي ، هو مشرك ، هو لغية إن فعل كذا . مجاهد : هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا ، ويقول الآخر ، والله لا أشتريه بكذا . النخعي : هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء ثم ينسى فيفعله . وقال ابن عباس أيضا والضحاك : ( إن لغو اليمين هي المكفرة ، أي إذا كفرت اليمين سقطت وصارت لغوا ، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير ) . وحكى ابن عبدالبر قولا : أن اللغو أيمان المكره . قال ابن العربي : أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها ؛ لأنها جاءت على خلاف قصده ، فهي لغو محض .
قلت : ويمين المكره بمثابتها . وسيأتي حكم من حلف مكرها في " النحل " {[2052]} إن شاء الله تعالى . قال ابن العربي : وأما من قال إنه يمين المعصية فباطل ؛ لأن الحالف على ترك المعصية تنعقد يمينه عبادة ، والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية ، ويقال له : لا تفعل وكفر ، فإن أقدم على الفعل أثم في إقدامه وبر في قسمه . وأما من قال : إنه دعاء الإنسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا ، فهو قول لغو ، في طريق الكفارة ، ولكنه منعقد في القصد ، مكروه ، وربما يؤاخذ به ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدعون أحدكم على نفسه فربما صادف ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئا إلا أعطاه إياه ) . وأما من قال : إنه يمين الغضب فإنه يرده حلف النبي صلى الله عليه وسلم غاضبا ألا يحمل الأشعريين وحملهم وكفر عن يمينه . وسيأتي في " براءة " {[2053]} . قال ابن العربي : وأما من قال : إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى . وضعفه ابن عطية أيضا وقال : قد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالإطلاق في اللغو ، فحقيقتها لا إثم فيه ولا كفارة ، والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في اليمين الغموس المصبورة{[2054]} ، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة ، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة ، فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة ، لأن المؤاخذة قد وقعت فيها ، وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم .
الثالثة : قوله تعالى : " في أيمانكم " الأيمان جمع يمين ، واليمين الحلف ، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا . وقيل : يمين فعيل من اليمن ، وهو البركة ، سماها الله تعالى بذلك ؛ لأنها تحفظ الحقوق . ويمين تذكر وتؤنث ، وتجمع أيمان وأيمن ، قال زهير :
فتجمع أَيْمُنٌ منا ومنكم{[2055]}
الرابعة : قوله تعالى : " ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " مثل قوله : " ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان " [ المائدة : 89 ] . وهناك{[2056]} يأتي الكلام فيه مستوفى ، إن شاء الله تعالى . وقال زيد بن أسلم : قوله تعالى : " ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " هو في الرجل يقول : هو مشرك إن فعل ، أي هذا اللغو{[2057]} ، إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه . و " غفور حليم " صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة ، إذ هو باب رفق وتوسعة .
ولما تقدم إليهم سبحانه وتعالى في هذا وكانت ألسنتهم قد مرنت على الأيمان من غير قصد بحيث صاروا لا يقدرون على ترك ذلك إلا برياضة كبيرة ومعالجة{[10383]} طويلة وكان مما رحم الله به هذه الأمة العفو عما أخطأت به ولم تتعمده قال{[10384]} في جواب من كأنه{[10385]} سأل عن ذلك : { لا يؤاخذكم{[10386]} }{[10387]} أي لا يعاقبكم{[10388]} ، وحقيقته{[10389]} يعاملكم معاملة من يناظر شخصاً في أن كلاًّ منهما يريد أخذ الآخر بذنب أسلفه إليه { الله } فكرر{[10390]} في الإطلاق والعفو الاسم الأعظم الذي ذكره في التقييد والمنع إيذاناً بأن عظمته لا تمنع من المغفرة { باللغو } وهو ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه - قاله الحرالي{[10391]} . { في أيمانكم } فإن ذلك لا يدل على الامتهان بل ربما دل على المحبة والتعظيم . ولما بين ما أطلقه بين ما منعه فقال : { ولكن يؤاخذكم } والعبارة صالحة للإثم والكفارة . ولما كان الحامل على اليمين في الأغلب المنافع الدنيوية التي هي الرزق وكان الكسب يطلق على طلب الرزق وعلى القصد والإصابة عبر به فقال : { بما{[10392]} كسبت } أي تعمدت { قلوبكم } فاجتمع فيه مع اللفظ النية . قال الحرالي : فيكون ذلك عزماً باطناً وقولاً ظاهراً فيؤاخذ{[10393]} باجتماعهما ، ففي جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا لغو ، وذلك هو الذي حفظ حرمة الحلف بالله ، وفي مقابلته من يحلف على الخير أن لا يفعله - انتهى . ولم يبين هنا الكفارة صريحاً إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا أتقى من{[10394]} أن يمنعوا من شيء فيقارفوه ، وأشار إليها في الإيلاء كما يأتي .
ولما كان ذكر المؤاخذة قطعاً لقلوب الخائفين سكنها بقوله {[10395]}مظهراً موضع الإضمار إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه{[10396]} : { والله } أي مع ما له من العظمة { غفور } أي ستور لذنوب عباده إذا تابوا . {[10397]} ولما كان السياق للمؤاخذة التي هي معالجة{[10398]} كل من المتناظرين لصاحبه بالأخذ كان الحلم أنسب الأشياء لذلك فقال { حليم * }{[10399]} لا يعاجلهم بالأخذ ، والحلم احتمال{[10400]} الأعلى للأذى{[10401]} من الأدنى ، وهو أيضاً رفع المؤاخذة عن مستحقها بجناية{[10402]} في حق مستعظم - قاله الحرالي{[10403]} .
وقوله : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) اللغو مصدر وفعله لغا يلغو ، أي قال باطلا واللغو ، اختلاط الكلام بما لا ينفع{[305]} .
واللغو من الأيمان ما يأتي خلال الكلام أو المحاورة أو الجدل كقوله : لا والله ، بلى والله ، وذلك دون قصد لليمين أو الحلف . وقد روي عن السيدة عائشة في هذا الصدد قالت : أيمان اللغو ما كانت في المرء والهزل والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب .
وورد في البخاري عن السيدة عائشة أيضا قالت : نزل قوله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله .
وأما الأيمان فهي جمع مفرده يمين وهي الحلف ، وقد سمي الحلف يمينا ؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه فسمي الحلف يمينا مجازا . والمعنى المراد من الآية أن الله جلت قدرته لا يعاقب الناس فيما يحلفون من أيمان لاغية لا ينعقد عليها قلب الحالف ، وإنما ينطق بها لسانه على سبيل العادة لا القصد والتأكيد .
وقوله : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) الله سبحانه وتعالى يعاقب الناس ، ويلزمهم بما حلفوا من أيمان على أشياء وهو يعلمون أنهم كاذبون . فقوله : ( كسبت ) أي تعمدت ، والمراد : الحلف على كذب وباطل أي يحلف الرجل على شيء وهو يعلم أنه كاذب . فذاك الذي يؤاخذ به .
وقوله : ( والله غفور حليم ) هذا التعقيب الكريم جاء مناسبا لعدم مؤاخذة الله للعباد على ما تنطق به ألسنتهم دائما من اللغو في الإيمان . وهي أيمان لا تكاد تبرح الألسن ؛ لكثرة ما تدور وتتردد في كل حين وفي كل مجال ومناسبة ، في التعامل والتمازح والجد والسمر وغير ذلك من مجالات . ولو كانت هذه الأيمان تحتمل مؤاخذة لكان الأمر بالنسبة للحالفين عسيرا وخطيرا ، لكن الله بواسع مغفرته وحلمه قد تجاوز للعباد عن تلك الأيمان .