الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} (251)

قوله تعالى : " فهزموهم بإذن الله " أي فأنزل الله عليهم النصر " فهزموهم " : فكسروهم . والهزم : الكسر ومنه سقاء متهزم ، أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف ، ومنه ما قيل في زمزم : إنها هزمة جبريل أي هزمها جبريل برجله فخرج الماء . والهزم : ما تكسر من يابس الحطب .

قوله تعالى : " وقتل داود جالوت " وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت ، وكان رجلا قصيرا مِسقاما مِصفارا أصغر أزرق ، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده ، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده . وهو داود ، بن إيشى{[2342]} - بكسر الهمزة ، ويقال : داود بن زكريا بن رشوى ، وكان من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوة والملك بعد أن كان راعيا وكان أصغر إخوته وكان يرعى غنما ، وكان له سبعة إخوة في أصحاب طالوت ؛ فلما حضرت الحرب قال في نفسه : لأذهبن إلى رؤية هذه الحرب ، فلما نهض في طريقه مر بحجر فناداه : يا داود خذني فبي تقتل جالوت ، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار ، فخرج جالوت يطلب مبارزا فكَعَّ{[2343]} الناس عنه حتى قال طالوت : من يبرز إليه ويقتله فأنا أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي ، فجاء داود عليه السلام فقال : أنا أبرز إليه وأقتله ، فازدراه طالوت حين رآه لصغير سنه وقصره فرده ، وكان داود أزرق قصيرا ، ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داود ، فقال طالوت له : هل جربت نفسك بشيء ؟ قال نعم ، قال بماذا ؟ قال : وقع ذئب في غنمي فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده . قال طالوت : الذئب ضعيف ، هل جربت نفسك في غيره ؟ قال : نعم ، دخل الأسد في غنمي فضربته ثم أخذت بلحييه فشققتهما ، أفترى هذا أشد من الأسد ؟ قال : لا ، وكان عند طالوت درع لا تستوي إلا على من يقتل جالوت ، فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت ، فقال طالوت : فاركب فرسي وخذ سلاحي ففعل ، فلما مشى قليلا رجع فقال الناس : جبن الفتى . فقال داود : إن الله إن لم يقتله لي ويُعِنِّي عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح ، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي . قال : وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع ، فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت ، وهو شاكٍ في سلاحه على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل ، فيما ذكر الماوردي وغيره ، فقال له جالوت : أنت يا فتى تخرج إلي قال نعم ؛ قال : هكذا كما تخرج إلى الكلب قال نعم ، وأنت أهون . قال : لأطعمن لحمك اليوم للطير والسباع ، ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافا به ، فأدخل داود يده إلى الحجارة ، فروي أنها التأمت فصارت حجرا واحدا ، فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله ، وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله ، وحز رأسه وجعله في مخلاته ، وأختلط الناس وحمله أصحاب طالوت فكانت الهزيمة . وقد قيل : إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه ، وقيل : عينه{[2344]} وخرج من قفاه ، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم . وقيل : إن الحجر تفتت حتى أصاب كل من في العسكر شيء منه ؛ وكان كالقبضة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم هوازن يوم حنين ، والله أعلم . وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي ، وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود .

قلت : وفي قول طالوت : ( من يبرز له ويقتله فإني أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي ) معناه ثابت في شرعنا ، وهو أن يقول الإمام : من جاء برأس فله كذا ، أو أسير فله كذا على ما يأتي بيانه في " الأنفال " {[2345]} إن شاء الله تعالى . وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلا بإذن الإمام ؛ كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما . واختلف فيه عن الأوزاعي فحكي عنه أنه قال : لا يحمل أحد إلا بإذن إمامه . وحكي عنه أنه قال : لا بأس به ، فإن نهى الإمام عن البراز فلا يبارز أحد إلا بإذنه . وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه ، هذا قول مالك . سئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين : من يبارز ؟ فقال : ذلك إلى نيته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس ، قد كان يفعل ذلك فيما مضى . وقال الشافعي : لا بأس بالمبارزة . قال ابن المنذر : المبارزة بإذن الإمام حسن ، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج ، وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبرا يمنع منه .

" وآتاه الله الملك والحكمة " قال السدي : أتاه الله ملك ، طالوت ونبوة شمعون . والذي علمه هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه صلى الله عليه وسلم . وقال ابن عباس : هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة والفلك ورأسها عند صومعة داود ، فكان لا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة فيعلم داود ما حدث ، ولا يمسها ذو عاهة إلا برئ ، وكانت علامة دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفهم على صدورهم ، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت .

قوله تعالى : " مما يشاء " أي مما شاء ، وقد يوضع المستقبل موضع الماضي ، وقد تقدم .

قوله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين } فيه مسألتان{[2346]} :

الأولى : قوله تعالى : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض " كذا قراءة الجماعة ، إلا نافعا فإنه قرأ " دفاع " ويجوز أن يكون مصدرا لفعل كما يقال : حسبت الشيء حسابا ، وآب إيابا ، ولقيته لقاء ؛ ومثله كتبه كتابا ؛ ومنه " كتاب الله عليكم " {[2347]} [ النساء : 24 ] النحاس : وهذا حسن ، فيكون دفاع ودفع مصدرين لدفع وهو مذهب سيبويه . وقال أبو حاتم : دافع ودفع بمعنى واحد ، مثل طرقت النعل وطارقت ، أي خَصَفْتُ إحداهما فوق الأخرى ، والخصف : الخرز . واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور " ولولا دفع الله " . وأنكر أن يقرأ " دفاع " وقال : لأن الله عز وجل لا يغالبه أحد . قال مكي : هذا وهم توهم فيه باب المفاعلة وليس به ، واسم " الله " في موضع رفع بالفعل ، أي لولا أن يدفع الله . و " دفاع " مرفوع بالابتداء عند سيبويه . " الناس " مفعول ، " بعضهم " بدل من الناس ، " ببعض " في موضع المفعول الثاني عند سيبويه ، وهو عنده مثل قولك : ذهبت بزيد ، فزيد في موضع مفعول فاعلمه .

الثانية : واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم ؟ فقيل : هم الأبدال وهم أربعون رجلا كلما مات واحد بدل الله آخر ، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم ، اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق . وروي عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات منهم رجل أبدله الله مكانه رجلا يسقى بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء ) ذكره الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " . وخرج أيضا عن أبي الدرداء قال : إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض ، فلما انقطعت النبوة أبدل الله مكانهم قوما من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقال لهم الأبدال ، لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية وسلامة القلوب لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر وحلم ولب ، وتواضع في غير مذلة ، فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله لنفسه واستخلصهم بعلمه لنفسه ، وهم أربعون صديقا منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن ، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض والبلايا عن الناس ، وبهم يمطرون ومن يرزقون ، لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه . وقال ابن عباس : ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد . وقال سفيان الثوري : هم الشهود الذين تستخرج بهم الحقوق . وحكى مكي أن أكثر المفسرين على أن المعنى : لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم ، وكذا ذكر النحاس والثعلبي أيضا . قال الثعلبي{[2348]} وقال سائر المفسرين : ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار لفسدت الأرض ، أي هلكت وذكر حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يدفع العذاب بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد ، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم{[2349]} الله طرفة عين - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) . وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله ملائكة تنادي كل يوم لولا عباد رُكّع وأطفال رُضّع وبهائم رُتّع لصُبَّ عليكم العذاب صبا ) خرجه أبو بكر الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض . حدثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لولا فيكم رجال خشع وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على المؤمنين صبا ) . أخذ بعضهم هذا المعنى فقال :

لولا عِبادٌ للإله رُكّعُ *** وصبية من اليتامى رُضّعُ

ومُهْمَلاتٌ في الفلاة رُتَّعُ *** صب عليكم العذاب الأوجع

وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده وأهله دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم ) . وقال قتادة : يبتلي الله المؤمن بالكافر ويعافي الكافر بالمؤمن . وقال ابن عمر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء ) . ثم قرأ ابن عمر " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " . وقيل : هذا الدفع بما شرع على السنة الرسل من الشرائع ، ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا ، وهذا قول حسن فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله . " ولكن الله ذو فضل على العالمين " . بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة .


[2342]:- كذا في الأصول، والذي في البحر وغيره: إيشا.
[2343]:- كع: جبن وضعف.
[2344]:- في هـ و ز: عينيه، وفي أ: "وفقأ عينه".
[2345]:- راجع جـ7 ص 363.
[2346]:- كذا في جـ، وليس في بقية الأصول: تقسيم، وفيها بدل الثانية مسألة.
[2347]:- جـ 5 ص 123.
[2348]:- في هـ و جـ.
[2349]:- في هـ: ما أمطرهم.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} (251)

ثم رتب{[11892]} {[11893]}على ذلك{[11894]} النتيجة حثاً على الاقتداء بهم لنيل ما نالوا فقال عاطفاً{[11895]} على ما تقديره : فأجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم : { فهزموهم } مما منه الهزيمة وهو فرار من شأنه الثبات - قاله{[11896]} الحرالي ، وقال : ولم يكن فهزمهم الله ، كما لهذه الأمة في

( ولكن{[11897]} الله قتلهم{[11898]} }[ الأنفال : 17 ] انتهى . { بإذن الله }{[11899]} أي الذي له الأمر كله{[11900]} . ثم بين ما خص به المتولي لعظم الأمر بتعريض{[11901]} نفسه للتلف في ذات الله سبحانه وتعالى من الخلال الشريفة الموجبة لكمال الحياة الموصلة إلى البقاء السرمدي فقال : { وقتل داود } وكان في جيش طالوت { جالوت } قال الحرالي{[11902]} : مناظرة قوله{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى{[11903]} }[ الأنفال : 17 ] وكان فضل الله عليك عظيماً - انتهى . وفي الزبور في المزمور{[11904]} الحادي والخمسين بعد المائة وهو آخره{[11905]} : صغيراً كنت في إخوتي ، حدثاً في بيت أبي ، راعياً غنمه ، يداي صنعتا الأرغن ، وأصابعي عملت القيثار{[11906]} ، من الآن اختارني الرب إلهي{[11907]} واستجاب لي وأرسل ملاكه وأخذني من غنم أبي ومسحني{[11908]} بدهن مسحته إخوتي حسان{[11909]} وأكرمني{[11910]} ولم يسر{[11911]} بهم الرب ، خرجت ملتقياً الفلسطيني الجبار الغريب فدعا علي بأوثانه{[11912]} فرميته بثلاثة أحجار في جبهته بقوة الرب فصرعته واستللت سيفه وقطعت به رأسه ونزعت العار عن بني إسرائيل . { وآتاه الله } بجلاله وعظمته { الملك } قال الحرالي : كان داود عليه الصلاة والسلام عندهم من سبط الملك فاجتمعت له المزيتان من استحقاق البيت وظهور الآية على يديه بقتل جالوت ، قال تعالى : { والحكمة } تخليصاً{[11913]} للملك مما{[11914]} يلحقه بفقد الحكمة من اعتداء الحدود انتهى . فكان داود عليه الصلاة والسلام أول من جمع له بين الملك والنبوة { وعلمه } أي زيادة مما{[11915]} يحتاجان إليه { مما يشاء } من صنعة الدروع وكلام الطير وغير ذلك{[11916]} .

ولما بين سبحانه وتعالى هذه الواقعة على طولها هذا البيان الذي يعجز عنه الإنس والجان بين حكمة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل ما هو أعم من ذلك من تسليط{[11917]} بعض الناس على بعض بسبب أنه جبل{[11918]} البشر على خلائق موجبة للتجبر وطلب التفرد بالعلو المفضي إلى الاختلاف فقال - {[11919]}بانياً له على ما تقديره : فدفع الله بذلك عن بني إسرائيل ما كان{[11920]} ابتلاهم به - : { ولولا دفع {[11921]}الله } {[11922]}المحيط بالحكمة والقدرة{[11923]} بقوته وقدرته { الناس } وقرىء : دفاع{[11924]} .

قال الحرالي : فعال{[11925]} من اثنين وما يقع من أحدهما دفع وهو رد الشيء بغلبة وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها بأشد منته{[11926]} ، {[11927]}وهو أبلغ من الأول إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى يفعل في ذلك فعل المبالغ{[11928]} .

ولما أثبت سبحانه وتعالى أن الفعل له خلقاً وإيجاداً بيّن أنه لعباده كسباً ومباشرة فقال : { بعضهم ببعض } فتارة ينصر قويهم {[11929]}على ضعيفهم{[11930]} كما هو مقتضى القياس ، وتارة ينصر ضعيفهم - كما فعل في قصة طالوت - على قويهم حتى لا يزال ما أقام بينهم من سبب الحفظ بهيبة بعضهم لبعض قائماً { لفسدت الأرض } بأكل القوي الضعيف حتى لا يبقى أحد { ولكن الله{[11931]} } تعالى بعظمته وجلاله وعزته وكماله يكف بعض الناس ببعض ويولي بعض الظالمين بعضاً وقد يؤيد الدين بالرجل الفاجر على نظام دبّره{[11932]} وقانون أحكمه في الأزل يكون سبباً لكف القوي عن الضعيف إبقاء لهذا الوجود على هذا النظام إلى الحد الذي حده ثم يزيل الشحناء على زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ليتم العلم بكمال قدرته واختياره وذلك من فضله على عباده وهو { ذو فضل } عظيم جداً { على العالمين * } أي كلهم أولاً بالإيجاد{[11933]} وثانياً بالدفاع فهو يكف من ظلم الظلمة إما بعضهم ببعض أو{[11934]} بالصالحين وقليل ما هم ويسبغ{[11935]} عليهم غير ذلك من أثواب نعمه{[11936]} ظاهرة وباطنة ، ومما يشتد{[11937]} اتصاله بهذه القصة ما أسنده الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الكنى من تاريخ دمشق في ترجمة أبي{[11938]} عمرو بن العلاء عن الأصمعي قال : أنشدنا أبو عمرو بن العلاء قال : سمعت أعرابياً ينشد وقد كنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجاً مما نالني{[11939]} من طلب الحجاج واستخفائي منه :صبر النفس عند كل ملمّ{[11940]} *** إن في الصبر حيلة المحتال

لا تضيقن في الأمور فقد *** يكشف لأواؤها{[11941]} بغير احتيال{[11942]}

ربما تجزع النفوس{[11943]} من *** الأمر له فرجة كحل العقال

قد يصاب الجبان{[11944]} في آخر *** الصفّ وينجو مقارع الأبطال

فقلت ما وراءك يا أعربي ؟ فقال{[11945]} : مات الحجاج ، فلم أدر بأيهما أفرح بموت الحجاج أو بقوله : له فرجة{[11946]} ! لأني كنت أطلب شاهداً لاختياري القراءة{[11947]} في سورة البقرة { إلا من اغترف غرفة } [ البقرة : 249 ] - انتهى . ولعل ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصة لما فيها للنبي صلى الله عليه وسلم من واضح الدلالة على صحة دعواه الرسالة لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل ثم عقبها بآية الكرسي التي هي العلم الأعظم من دلائل التوحيد فكان ذلك في غاية المناسبة لما في أوائل السورة في قوله تعالى ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم{[11948]} }[ البقرة : 21 ] إلى آخر تلك الآيات من دلائل{[11949]} التوحيد{[11950]} المتضمنة لدلائل النبوة{[11951]} المفتتح بها{[11952]} قصص بني إسرائيل فكانت دلائل التوحيد مكتنفة{[11953]} قصتهم{[11954]} أولها وآخرها مع ما في أثنائها{[11955]} جرياً على الآسلوب الحكيم في مناضلة العلماء ومجادلة الفضلاء ، فكان خلاصة ذلك كأنه قيل : { ألم } تنبيهاً للنفوس بما استأثر{[11956]} العليم سبحانه وتعالى بعلمه فلما ألقت{[11957]} الأسماع وأحضرت الأفهام قيل يا أيها الناس فلما عظم التشوف قال{ اعبدوا ربكم }[ البقرة : 21 ] ثم عينه بعد وصفه بما بينه بقوله{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم }[ البقرة : 255 ] كما سيجمع ذلك من غير فاصل أول سورة التوحيد آل عمران المنزلة في مجادلة أهل الكتاب من النصارى وغيرهم ، وتختم قصصهم بقوله :{ ربنا إننا سمعنا منادياً{[11958]} ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم }[ آل عمران : 193 ] يعني بالمنادي والله سبحانه وتعالى أعلم القائل{ يا أيها الناس اعبدوا ربكم }[ البقرة : 21 ] - إلى آخرها ، ومما يجب التنبه له من قصتهم{[11959]} هذه ما فيها لأنها تدريب لمن كتب عليهم القتال وتأديب في ملاقاة الرجال من الإرشاد إلى أن أكثر حديث النفس وأمانيها الكذب لا سيما بالثبات في مزال الأقدام فتشجع الإنسان ، فإذا تورّط أقبلت به {[11960]}على الهلع{[11961]} حتى لا يتمنوا لقاء العدو كما أدبهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن بني إسرائيل مع كونهم لا يحصون كثرة سألوا نبيهم صلى الله عليه وسلم بعث ملك للجهاد ، فلما بعث فخالف أغراضهم لم{[11962]} يفاجئوه إلا بالاعتراض ، ثم لما استقر الحال بعد نصب الأدلة وإظهار الآيات ندبهم ، فانتدب جيش لا يحصى كثرة ، فشرط عليهم الشاب الفارغ بناء دار وبناء بامرأة{[11963]} ، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفاً ؛ ثم امتحنوا بالنهر فلم يثبت منهم إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر من المتصفين بالشرط من الذين هم دون الدون من المنتدبين الذين هم دون الدون من السائلين في بعث الملك ، فكان الخالصون معه ، كما قال بعض الأولياء المتأخرين لآخر قصده بالزيارة{[11964]} :

ألم تعلم بأني صيرفيّ{[11965]} *** أحك الأصدقاء على محك

فمنهم بهرج لا خير فيه *** ومنهم من أجوزه بشك

وأنت الخالص الذهب المصفى *** بتزكيتي ومثلي من يزكي

وهذا سر{[11966]} قول الصادق عليه الصلاة والسلام " أمتي كالإبل المائة{[11967]} لا تكاد تجد فيها راحلة " وقوله صلى الله عليه وسلم " لا تمنوا لقاء العدو واسألوا{[11968]} الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا " فالحاصل أنه على العاقل المعتقد جهله{[11969]} بالعواقب وشمول قدرة ربه أن لا يثق بنفسه في شيء من الأشياء ، ولا يزال يصفها بالعجز وإن ادعت خلاف ذلك ، ويتبرأ من حوله وقوته إلى حول مولاه وقوته ولا ينفك يسأله العفو والعافية .


[11892]:في م: ركب.
[11893]:في م: تلك.
[11894]:في م: تلك.
[11895]:في ظ: عطفا.
[11896]:في م ومد: قال.
[11897]:من م ومد وظ وفي الأصل: ولكنهم.
[11898]:سورة 8 آية 17.
[11899]:ليست في ظ.
[11900]:ليست في ظ.
[11901]:في م: بتعظيم.
[11902]:وقال أبو حيان الأندلسي: طول المفسرون في قصة كيفية قتل داود لجالوت ولم ينص الله على شيء من الكيفية وقد اختصر ذلك السجاوندي اختصارا يدل على المقصود فقال: كان أصغر بنيه يعني بني إيشا والد داود لثلاثة عشر وكان مخلفا في الغنم وأوحى إلى نبيهم أن قاتل جالوت من استوت عليه من ولد إيشا درع عند طالوت فلم تستو إلا على داود، وقيل: لما برز جالوت نادى طالوت: من قتل جالوت أشاطره ملكي وأزوجه بنتي فبرز داود ورماه بحجر في قذافة فنفذ من بين عينيه إلى قفاه وأصاب عسكره – البحر المحيط 2 / 268.
[11903]:سورة 8 آية 17.
[11904]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الموذر.
[11905]:من مد وظ وفي الأصل: اخبره وفي م: اجره.
[11906]:في الأصل: الفتيار، وفي م ومد وظ: القيتار، والتصحيح من تاريخ اليعقوبي 1 / 49.
[11907]:من م ومد، وفي الأصل وظ: الاهي.
[11908]:من م ومد وظ، وفي الأصل: مسحين.
[11909]:كذا في الأصول كلها.
[11910]:من م، وفي الأصل ومد وظ: اكبر منى.
[11911]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لم يشربهم.
[11912]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بأوثانه.
[11913]:في ظ: تخلصا.
[11914]:في م: ممن.
[11915]:في م وظ ومد: عما.
[11916]:وقيل : الزبور وقيل: الصوت الطيب والألحان قيل: ولم يعط الله أحدا من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حق يأخذ بأعناقها وتظله مصيخة له ويركد الماء الجاري وتسكن الريح، وما صنعت المزامير والصنوج إلا على صوته – البحر المحيط 2 / 269.
[11917]:في م وظ: تسليطه.
[11918]:من م وظ ومد وفي الأصل: جعل.
[11919]:العبارة من هنا إلى "ابتلاهم به" ليست في ظ.
[11920]:من م ومد وفي الأصل: ما كانوا.
[11921]:زيد في م ومد: أي.
[11922]:ليست في ظ.
[11923]:ليست في ظ.
[11924]:قرأ نافع ويعقوب وسهل: ولو لا دفاع، وهو مصدر دفع نحو كتب كتابا أو مصدر دافع بمعنى دفع، قال أبو ذؤيب: ولقد حرصت بأن أدافع عنهم فإذا المنية أقبلت لا تدفع وقرأ الباقون: دفع مصدر كضرب ضربا، والمدفوع بهم جنود المسلمين، والمدفوعون المشركون، و"لفسدت الأرض" بقتل المؤمنين وتخريب البلاد والمساجد – قال معناه ابن عباس وجماعة من المفسرين أو الأبدال وهو أربعون كلما مات واحد أقام الله واحدا بدل آخر وعند القيامة يموتون كلهم، اثنان وعشرون بالشام وثمانية عشر بالعراق، وروى حديث الأبدال عن علي وأبي الدرداء ورفعا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المذكورون في حديث: لو لا عباد ركع وأطفال رضع وبهائم رقع لصب عليكم العذاب – البحر المحيط 2 / 269.
[11925]:في م: أفعال شيء.
[11926]:زيد بعده في م ومد: انتهى.
[11927]:ليست في ظ.
[11928]:ليست في ظ.
[11929]:ليس في م.
[11930]:ليس في م.
[11931]:وجه الاستدراك هنا هو أنه لما قسم الناس إلى مدفوع به ومدفوع وأنه بدفعه بعضهم ببعض امتنع فساد الأرض فهجس في نفس من غلب وقهر عن ما يريد من الفساد في الأرض أن الله تعالى غير متفضل عليه إذ لم يبلغه مقاصده ومآربه فاستدرك أنه وإن لم يبلغ مقاصده هذا الطالب للفساد أن الله لذو فضل عليه ويحسن إليه واندرج في عموم العالمين وقال تعالى "إن الله لذو فضل على الناس" وما من أحد إلا ولله عليه فضل ولو لم يكن إلا فضل الاختراع، وهذا الذي أبديناه من فائدة الاستدراك هو على ما قرره أهل العلم باللسان من أن لكن تكون بين متنافيين بوجه ما – البحر المحيط 2 / 270.
[11932]:في م: دثره.
[11933]:في ظ: بالا عباد – كذا.
[11934]:في ظ: وإما.
[11935]:في ظ: تسبغ.
[11936]:في مد: نعمة.
[11937]:من م ومد وظ وفي الأصل: يستند.
[11938]:سقط من م.
[11939]:في ظ: نالى.
[11940]:من م ومد، وفي الأصل: سلم، وفي ظ: مسلم.
[11941]:في ظ: لاؤها –كذا.
[11942]:من مد وظ وفي الأصل: احتتال، وفي م: اختيال.
[11943]:في م: النفس.
[11944]:من م، وفي الأصل ومد: الحيان، وفي ظ: الجبا – كذا.
[11945]:في م وظ ومد: قال.
[11946]:في ظ: فرحة وفي مد: فرجه.
[11947]:سقط من م.
[11948]:العبارة المحجوزة زيدت من م ومد وظ إلا ما ننبه عليه.
[11949]:سورة 2 آية 21.
[11950]:في م فقط: الدلائل.
[11951]:زيد من مد فقط.
[11952]:زيد من مد وظ.
[11953]:في ظ: مكشفه – كذا.
[11954]:.من م وظ ومد وفي الأصل: قصهم.
[11955]:من م ومد وظ وفي الأصل: إثباتها.
[11956]:في الأصل: استاره – كذا والتصحيح من م ومد وظ.
[11957]:في م: الفت.
[11958]:من م ومد وظ، وفي الأصل: منادى – راجع القرآن المجيد سورة 3 آية 193
[11959]:في ظ: قصصهم.
[11960]:في الأصل: إلى البلغ، والتصحيح من م وظ ومد.
[11961]:في الأصل: إلى البلغ، والتصحيح من م وظ ومد.
[11962]:من م وظ ومد، وفي الأصل: لما.
[11963]:في م: امرأة
[11964]:في الأصول: بالزيادة – كذا بالدال.
[11965]:من م ومد وظ، وفي الأصل: صيرني.
[11966]:في م: من.
[11967]:في م: المهابة.
[11968]:في الأصل: سئلو.
[11969]:في مد: جهلة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} (251)

فاستجاب الله لهم الدعاء وامتنّ عليهم أن كتب لهم النصر ، فهزموا أعداءهم بجحافلهم الكثيرة ، وعلى رأسهم قائدهم القوي جالوت الذي انبرى له داود عليه السلام فقتله . وفي ذلك قال سبحانه : ( وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ) أي بعد أن تم لداود قتل جالوتَ جعله الله من بعد طالوت ملكا على البلاد ، وأوحى إليه ليكون نبيا ورسولا ، وبذلك فقد أوتي داود الملك والنبوة ، وعلمه الله من علمه ما يشاء .

وقوله : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) ( لولا ) أداة امتناع لوجود . ( دفع ) مبتدأ مرفوع ولفظ الجلالة مجرور بالإضافة . وخبر المبتدأ محذوف تقديره موجود . و ( الناس ) مفعول به للمصدر ( دفع ) . ( بعضهم ) بدل من الناس ، والهاء في محل جر مضاف إليه .

وأما المعنى المقصود بالآية فهو موضع تفصيل للعلماء والمفسرين . فقد قيل : إن المعنى : لولا أن الله يدفع بمن يصلّي عمن لا يصلّي وبمن يتقي عمن لا يتقي لهلك الناس بذنبهم .

وقيل : لولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجّار والكفار لفسدت الأرض ، وفسادها هلاكها ، واستند القائلون بذلك إلى ما روي عن النبي ( ص ) قوله : " إن الله ملائكة تنادي كل يوم : لولا عباد ركّع ، وأطفالٌ رضّع ، وبهائمُ رتّع لصُبّ عليكم العذاب صبَا " . وغير ذلك من أحاديث تحمل مثل هذا المعنى .

وقيل : لولا الله يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا ، والذي نختاره ونرجحه ما ذكر عن ابن عباس في تأويل هذه الآية إذ قال : ولولا دفع الله العدو بجنوده المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخرّبوا البلاد والمساجد .

ومما هو معلوم أن الله شرع القتال ؛ لإظهار الحق وإزهاق الباطل ، وليجعل منه وسيلة إحقاق للعدل وترعيب للظالمين والمشركين الذين يعتدون على الله في دينه وشرعه وحدوده ؛ ولذلك قال سبحانه معقبا بعد أن قرر تشريع القتال ؛ كيلا يستشري الباطل والشر وتفسد الأرض : ( ولكن الله ذو فضل على العالمين ) لله المنّة والفضل أن شرع للمؤمنين القتال ، ليرسخوا قواعد الحق والخير والعدل في الدنيا ، وليجتثّوا من هذه الأرض كل أسباب الشر والفساد ، ولكي يأتوا على المجرمين والأشرار الذين لا يجدي معهم غير سبيل القوة والعنف والتدمير .