" فأوحينا إليه " أي أرسلنا إليه رسلا من السماء " أن اصنع الفلك " على ما تقدم بيانه .
قوله تعالى : " فاسلك فيها " أي أدخل فيها واجعل فيها ، يقال : سلكته في كذا وأسلكته فيه في كذا وأسلكته فيه إذا أدخلته . قال عبد مناف بن ربع الهذلي :
حتى إذا أسلكوهم في قُتَائِدَةٍ *** شَلاًّ كما تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدَا{[11652]}
" من كلٍّ زوجين اثنين " قرأ حفص " من كل " بالتنوين ، الباقون بالإضافة ، وقد ذكر{[11653]} . وقال الحسن : لم يحتمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض ، فأما البق والذباب والدود فلم يحمل شيئا منها ، وإنما خرج من الطين . وقد مضى القول في السفينة والكلام فيها مستوفى ، والحمد لله .
{ فأوحينا } أي فتسبب عن دعائه أنا أوحينا { إليه أن اصنع الفلك } أي السفينة .
ولما كان يخاف من أذاهم له في عمله بالإفساد وغيره قال : { بأعيننا } أي إنه لا يغيب عنا شيء من أمرك ولا من أمرهم وأنت تعرف قدرتنا عليهم فثق بحفظنا ولا تخف شيئاً من أمرهم . ولما كان لا يعلم تلك الصنعة ، قال : { ووحينا } ثم حقق له هلاكهم وقربه بقوله : { فإذا جاء أمرنا } أي بالهلاك عقب فراغك منه { وفار التنور } قال ابن عباس رضي الله عنهما : وجه الأرض . وفي القاموس : التنور : الكانون يخبز فيه ، ووجه الأرض ، وكل مفجر ماء ، وجبل قرب المصيصة - انتهى . والأليق بهذا الأمر صرفه إلى ما يخبز فيه ليكون آية في آية { فاسلك } أي فادخل { فيها } أي السفينة { من كل زوجين } من الحيوان { اثنين } ذكراً وأنثى { وأهلك } من أولادك وغيرهم { إلا من سبق عليه } لا له { القول منهم } بالهلاك لقطع ما بينك وبينه من الوصلة بالكفر .
ولما كان التقدير : فلا تحمله معك ولا تعطف عليه لظلمه ، عطف عليه قوله : { ولا تخاطبني } أي بالسؤال في النجاة { في الذين ظلموا } عامة ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنهم مغرقون* } أي قد ختم القضاء عليهم ، ونحن نكرمك عن سؤال لا يقبل .
قوله : ( فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ) استجاب الله دعاء نوح فأوحى إليه أن يصنع الفلك بحفظ الله وكلاءته ، وأن يكون واثقا من أمر الله ومن نصره وتأييده ( ووحينا ) أي بتعليمنا إياه صنعة الفلك ؛ فقد علمه الله كيفية ذلك فمكث في صنعه فترة من الزمن ، والمجرمون السفهاء يسخرون منه وهم غافلون عما هو آتيهم من عذاب التغريق .
قوله : ( فإذا جاء أمرنا وفار التنور ) إذا جاء أمر الله بنزول العذاب ، وفار الماء من تنور الخبز ، أي أن الإيذان بالغرق كان خروج الماء من التنور وهو موضع الحرق ليكون أبلغ في الإنذار والزجر ( فاسلك فيها من كل زوجين اثنين ) أي أدخل في السفينة من كل نوع من الأحياء صنفين ، أحدهما ذكر والآخر أنثى ( وأهلك إلا من سبق عليه القول ) أي واحمل فيها أهل بيتك من المؤمنين إلا من سبق فيهم على الله أنهم كافرون وأنهم من الهالكين ، كامرأته وابنه .
قوله : ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ) إذا رأيت نزول المطر ، وتدفق الماء من الأرض فعانيت نزول العذاب بهم فلا تأخذك بهم شفقة أو رأفة ، ولا تدع لهم بالنجاة ؛ فإنهم هالكون بالتغريق لا محالة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.